أهل الأثرالأرشيف العلمي

الطّائفة الثانية: المرجئة

صفحات 511-550

, وهذا لفظه فيهم قال: ((ولأنّ المرجئة والمجبّرة لا يرتدعون عن الكذب وغيره من المعاصي, أمّا المرجئة: فعندهم أنّهم مؤمنون, وأنّ الله لا يدخل النّار من في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان, وإن زنا وإن سرق, وإن قتل, والكذب أخفّ من ذلك.
أقول: حلّ هذه الشّبهة التي أوردها المعترض /في هذا الموضع متوعّر المسالك, بعيد الأغوار, دقيق المأخذ, ولم يورد في رسالته أعوص منها, وما أعدّ ما ألهمني الله تعالى إليه من الجواب فيها إلا من الفتوحات الرّبانية والألطاف الخفيّة, وإنّما قدّمت هذا قبل ذكر الجواب؛ لتكون معرفة الجواب عندك أيّها السّنّي بالمحل السّنِي1, وإنّما استوعرت مسلك الجواب عنها؛ لأنّ ما نسبه إليهم من المذهب حقّ, واستلزامه لعدم خوف الله تعالى أشبه شيء بالحقّ, ولا يميّز بين الحقّ, وما يعظم شبهه به إلا من أمدّه الله تعالى بألطافه, وبصّره من

الحقّ مطالع أنواره.
وتحرير الجواب على ما ذكره يتمّ بذكر وجوه: الوجه الأوّل: أنّ قوله: ((إن المرجئة لا يرتدعون عن الكذب وغيره من المعاصي)) مباهتة عظيمة وإنكار للضّرورة, فإنّ كلامنا إنّما هو فيمن عرف منهم بالدّيانة والأمانة وأداء الواجبات وترك المحرّمات, والمعلوم بالضّرورة أنّ في المرجئة من هو من أهل العبادة والزّهادة, والعلم والإفادة, والمراتب الشّريفة والخصال الحميدة, والمحافظة على النّوافل على ما هو أشق من المفروضات, وأصعب من ترك المقبّحات؛ من إطعام الطعام, وسرد الصيام, والصّلاة والنّاس نيام, والبكاء العظيم من التقصير في حقّ الملك العلام.
فقول المعترض: إنّهم لا يرتدعون عن الكذب وسائر المعاصي باطل بالضّرورة؛ لأنّه إمّا أن يدّعي أنّ فعل المعاصي يقع من عبّادهم وثقاتهم في الباطن قطعاً, وإن أظهروا الصّلاح فهذا من علم الغيب المحجوب عن الخلق, ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما علم هذا في حق من عاصره إلا بالوحي في بعضهم, والحكم بهذا حرام بإجماع المسلمين, فلا نطوّل في الكلام عليه.
وإمّا أن يدّعي أنّ فعل الطّاعة وترك المعصية غير واقع منهم ظاهراً لبطلان خوف العقوبة من الله تعالى؛ فذلك لا يصحّ لأمرين: أحدهما: أنّه استدلّ على بطلان أمر معلوم بالضّرورة, وذلك لا يصحّ, وبيانه: أنّ فعلهم للطّاعة معلوم بالضّرورة, فالاستدلال على أنّهم لا يفعلون الطّاعة لا يصحّ.
وثانيهما: أن نقول: إمّا يسلم المعترض أنّ فعل الطّاعة وترك

المعصية مقدور لهم أو لا, إن قال: إنّه غير مقدور لهم, وجاز وقوعه منهم؛ فلا وجه لقطعه بأنّهم لا يفعلون أحد الجائزين.
وهلا ذكر قوله في رسالته: إنّه لا يجوز للإنسان أن يخبر بخبر يجوّز أنّه كذب؟ فكيف أخبر عن جميع المرجئة بارتكاب الكذب وغيره من المعاصي!؟ وليس يجوز [مثل]1هذا في حقّ الفسّاق المصرّحين إلا فيما شوهد من معاصيهم, فليس لك أن تقول في قاطع الصّلاة: إنّه يشرب الخمر, ولا في الزّاني: إنّه مُربِ, ولا في المربي: إنّه يقتل النّفس التي حرّم الله, وأمثال ذلك, فكيف قلت فيمن أرجأ ولم يعرف منه إلا معصية الإرجاء: إنّه يفعل غيرها من المعاصي؟ وهلا قلت: إنّ قوله هذا يضعف الظنّ بقيامه بالواجبات واجتنابه للمحرّمات حتّى تجاب بما يجاب به من أورد الشّبهات, وتميّز نفسك عن منكري الضّرورات؟ والعجب من المعترض أنّه نزّه البراهمة عن الكذب مع إنكارهم للنبوّات, وجحدهم لجميع الشّرائع الإسلامية, وقد تقدّم تقرير هذا في آخر الجواب عما أورده في حقّ الجبرية, فهذا الوجه الأول من وجوه الجواب عن المرجئة يصلح2جواباً على ما أورده في حقّ الجبرية فإنّه قال فيهم الجميع: إنّهم لا يرتدعون عن الكذب وسائر المعاصي.
الوجه الثّاني: اعلم أنّ الحامل على المحافظة على الخيرات

والمجانبة للمكروهات ليس مجرّد اعتقاد أنّ الله تعالى يعاقب على الذّنب, وإنّما هو شرف في النّفوس وحياء في القلوب من مبارزة المنعم /بجميع النّعم بالمعاصي, ولهذا فإنّ أكثر الخلق محافظة على الخير ومجانبة للمكروه أشدهم حياء من الله تعالى وإجلالاً له, وأمّا مجرّد الاعتقاد فهو واحد لا يزيد ولا ينقص؛ ولهذا تجد الوعيديّة مختلفين مع اتحاد معتقدهم, ولكن تفاضلوا في شرف النّفوس وأنفتها من دناءة المعاصي, ومذلّة كفران المنعم1, وتفاوتت مراتبهم في شدّة الحياء من ملك الملوك وربّ الأرباب, وتباينت هممهم في التعظيم والإجلال لمن بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير, ولهذا فإن أقرب الخلق إلى الله أخوفهم منه وآنسهم به وأطوعهم له.
ولهذا اشتدّ خوف الأنبياء والأولياء من الله تعالى وعظم أنسهم به, وكانوا أطوع خلقه لو وأرغبهم إليه, وقد كان كثير من الصّالحين لا يرضى أن يعبد الله تعالى خوفاً من العذاب ولا رغبة في الثّواب.
وقالت المعتزلة2: إن نوى ذلك بعبادته لم تصح, ولهذا اختلفت حال3الكفّار المنكرين للمعاد من المشركين والفلاسفة: فكان منهم

المتلطّخون بالرّذائل, ومنهم المتحمّلون لأثقال المكارم والفضائل, وكان فيهم السّادة والأتباع, وكان في سادتهم المخذول والمطاع, على قدر1تفاضلهم في الصّبر على المكاره, واحتمال مشاقّ المكارم, وقالوا في أمثالهم: ((تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها))2وقالت هند: أو تزني الحرّة3؟ وقال حاتم4: وإنّك إن أعطيت بطنك سؤله... وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا وهذا كلّه من غير خوف العقاب ولا رجاء الثّواب, فكيف يقال: إنّ من لم يخف العقاب قال الزّور وارتكب الفجور؟ هذا كلام من لم يتأمّل, فقد علمنا بالضّرورة أنّ في المرجئة عبّاداً خاشعين ورهباناً

خاضعين, وكثير منّا إذا تأملّنا وأنصفنا يقصر عن كثير منهم في الأعمال لا في العقيدة ولله الحمد والمنّة, وذلك لأنّ من صبر على مشاقّ الطّاعات وترك الشّهوات من غير خوف العذاب؛ فهو شريف النّفس, حرّ الطّبيعة, عزيز الهمّة, عظيم المروءة, كثير الحياء من الله تعالى, ومن لا يقوم إلى الطّاعة حتّى يخاف العذاب من النّار؛ فطبعه طبع شرار العبيد وخساس الهمم, وما أحسن قول ابن دريد1في هذا المعنى: واللّوم للحرّ مقيم رادع... والعبد لا تردعه إلا العصا وإنّ كثيراً من المتحابّين من المخلوقين لا يعصي محبوبه ولا يغضبه, وإن كان لا يخاف منه مضرّة, ولهذا قال بعض الظّرفاء في المعنى: أهابك إجلالاً وما بك قدرة... عليّ ولكن ملء عين حبيبها2فإن كان هذا ما بين الأحباب من عبيد الله؛ فالذين آمنوا أشدّ حبّاً لله, وفي الحديث المرفوع: ((نِعم العبد صهيب, لو لم يخف الله لم يعصه))3وفي هذا الجواب موعظة لأهل الحقائق والأحوال.
وقد

أجاد من قال1: تعصي الإله وأنت تظهر حبّه... هذا محال في العقول بديع /لو كنت تضمر حبّه لأطعته... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع2وقد ظنّ المعترض أنّ من لم يكن من أهل مقام الخوف فليس من أهل الطّاعة, ولم يعرف المسكين أنّ مقام المحبّة فوق مقام الخوف عند العارفين, ولهذا قال الشّيخ أبو عمر بن الفارض3-وما أنفع قوله هذا لأهل القلوب-: فدع عنك دعوى الحبّ وادع غيره فؤادك وادفع عنك غيّك بالتي وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن وها أنت حيّ إن تكن صادقاً مت ولهذا قالت الحكماء: المرء أسير أكبر4ما في قلبه, ولا شكّ أنّ أكثر ما في القلب هو المحبوب لا المخوف, فإن المخوف قد يكون عدوّاً بغيضاً بخلاف المحبوب, وقد نظم ابن الفارض هذا المعنى فقال وأجاد:5

أنت القتيل بأيّ من أحببته... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي الوجه الثّالث: أن نقول: ما سبب تخصيص المرجئة بالذكر؟ هل تجويزهم لدخول أهل الكبائر من المسلمين الجنّة, وتجويزهم لنجاتهم من النّار, أو قطعهم بذلك؟ الثّاني: وهو القطع بذلك ممنوع, لأنّهم يجوّزون أن يموت صاحب الكبيرة المسلم كافراً, ويخافون من كبائر الذّنوب أن يكون ارتكابها سبباً للوقوع في ذنب الكفر الذي لا يغفر إلا بالتّوبة, وأمّا الأوّل وهو: تجويزهم لدخول أهل الكبائر من المسلمين الجنّة, فقد شاركهم في ذلك سائر الفرق, ولكنّ المعتزلي يجوّز ذلك بشرط التّوبة أو المغفرة.
فإن قلت: إنّ المرجىء يقطع بأنّ من مات مسلماً وهو مصرّ على الفسق لم يعذّبه الله تعالى, والسّنّي والمعتزلي لا يقولان بذلك.
قلت: ذلك مسلّم؛ ولكنّه لا يقطع بأنّه يموت مسلماً مثلما أنّ المعتزلي لا يقطع بأنّه يموت تائباً, بل هذا الإشكال لا يلزم المعتزلة ولا يلزم المرجئة, وذلك لأنّ المعتزلة فريقان: أحدهما يقول: إنّ من مضى له وقت أدّى فيه جميع ما كلّفه الله تعالى علم أنّه من أهل الجنّة؛ لأنّ الله تعالى لو علم أنّه يموت على حال يستحق فيه النّار؛ لقبح منه تبقيته, ووجب عليه أن يميته في ذلك الوقت الذي أتى فيه بالطّاعة, وهذا هو قول من يوجب الأصلح على الله تعالى, كأبي القاسم الكعبيّ إمام البغدادية من المعتزلة ومن يقول بقوله, وهذا الإشكال يتّجه عليهم أكثر من المرجئة لأنّهم يجيزون أن

يأتي المكلّف في بعض الأوقات بجميع تكليف ذلك الوقت, وأن يعلم المكلّف إتيانه بذلك, وحينئذ يقطع بأنّه من أهل الجنّة.
وأمّا الفرقة الثّانية: وهم الذين لا يوجبون على الله الأصلح للعبد فإنّهم يوجبون على الله -سبحانه- أن يبقى العاصي بعد المعصية وقتاً يتمكّن فيه من التّوبة, وبهذا قال شيخ الاغتزال أبو عليّ الجُبّائي وأصحابه, ووافقه عليه أبو القاسم الكعبيّ -أيضاً- فلو كان ما ذكره المعترض في حقّ المرجئة يدلّ على الكذب في الحديث, لدلّت مذاهب المعتزلة هذه على مثل ذلك, فيقول من يوجب الأصلح للعبد على الله تعالى: المعاصي لا تضرّني لعلمي أنّي من أهل الجنّة بسبب طاعتي لله تعالى يوماً أو ساعة أو لحظة, /ويقول من لا يرى ذلك: أنا أقدم على هذه المعصية وأتوب عقيبها, ولا أخشى1مفاجأة الموت قبل التمكّن من التّوبة.
ولكن ليس وقوع المعاصي على حسب الاعتقاد, وإنّما ذلك على حسب شرف الطّباع, وارتفاع الهمم, وشهامة النّفوس, كما قدمنا في الوجه الأوّل, ولو كان السبب في العصيان هو تجويز النّجاة من عذاب الله؛ إمّا اتكالاً على التوبة أو اتكالاً على الرّحمة, لم توجد فرقة من فرق الإسلام إلا وهي مجروحة, ولكان العدل من اعتقد أنّ الله لا يقبل التّوبة ولا يقيل العثرة, ولا يغفر الخطيئة, لكن الذّاهب إلى هذا كافر بالإجماع, خارج عن ملّة الإسلام.
الوجه الرّابع: أنّ من اعتقد أنّ الله تعالى يتفضّل على أهل

الإسلام بمغفرة جميع الذّنوب من غير توبة, لم يلزم من ذلك أن يتعمّد الكذب على الله تعالى ويجاهر بجميع المعاصي, ودليل ذلك: أن عبداً من عبيد المخلوقين لو اعتقد في سيده أنّه في غاية الحلم, ونهاية الجود والسماحة1, لم يدلّ ذلك على أنه كثير العصيان لسيّده والكذب عليه, بل قد يكون في غاية الإجلال لسيّده والطّاعة له, مع اعتقاد حلمه ومسامحته والأمان من عقوبته, محبة منه لسيّده ورغبة في شكر نعمة وارتفاع المنزلة عنده, وكذلك عمل النّاس مع إخوانهم وأهل الحلم والكرم منهم, ولم يكن أصحاب الأحنف وعشيرته يعصونه ويكذبون عليه ويعفّون رحمه لأجل حلمه, وكم من مهيب يعصى وتتحمّل عقوبته لأجل بغضه ومساوىء أخلاقه! وكم من حليم يطاع وكريم يمتثل2وتفنى الأموال والأرواح في طاعته! فمن أين للمعترض أنّ المرجئة لما اعتقدوا أنّ الله تعالى يغفر لأهل الإسلام استهانوا بجلال الله وانهمكوا في معاصي الله وصار دأبهم الكذب على الله وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ولقد رأينا في الصّالحين من يزداد عملاً ونشاطاً مع الرّجاء, ويزداد ضعفاً وفتوراً مع الخوف, وهذا معروف عند أهل الذّوق, وأنشدوا في ذلك: لها بوجهك نور يستضاء به... ومن أياديك في أعقابها حادي لها أحاديث من ذكراك تشغلها... عن المنام وتلهيها عن الزّاد

الوجه الخامس: أنّ القول بالإرجاء وإن كان حراماً فليس بكفر ولا فسق, وكلّ بدعة محرّمة تأوّل فيها صاحبها, ولم تكن كفراً, ولا فسقاً فصاحبها مقبول بالإجماع.
أمّا أنّ الإرجاء ليس بكفر ولا فسق؛ فذلك مقتضى الدّليل, ومذهب أصحاب الخصم.
أمّا الدّليل: فلأنّ التّكفير والتّفسيق يحتاج إلى دليل سمعي وهو مفقود, ومخالفتهم للنّصوص تأويلاً لا يكفي في [الكفر]1, على أنّ ابن الحاجب اختار عدم التّأثيم لمن خالف القطعي مجتهداً وهو قوي, والموضع يضيق عن ذكر الحجج في المسألة.
وقد ذكر الذّهبي في ((الميزان))2ما معناه: ((إنّ بدعة الإرجاء ليست بكبيرة)).
وأمّا الحديث الذي فيه: ((ليس للمرجئة في الإسلام نصيب3))4

[وأمّا مذهب الخصم: فقد نصّ عليه القاضي شرف الدين في ((تذكرته)) , وذكر معنى ذلك القاضي العلامة عبد الله بن حسن].1.. (2الدواري في ((تعليق الخلاصة)) , والحاكم في ((شرح العيون)) وغيرهم. وأمّا دعوى الإجماع: فذكرها الأمير علي بن الحسين في ((اللمع)) الذي /هو مدرسهم.2
وفي هذا القدر كفاية في الذّبّ عن السّنن الصّحيحة المنقولة عن ثقات المرجئة, وقد تركت بعض ما في ((الأصل)) من التّطويل في ذلك, وقد أكثرت من الانتصار لظنّ صدقهم وقبول روايتهم, حتّى ربما توهّم بعض الضعفاء أني أميل رأيهم, ومعاذ الله تعالى من ذلك, فعقيدة أهل السّنّة أصح مباني واوضح معاني, وحسبك أنّها جامعة لمحاسن العقائد؛ من حسن الظّنّ بالله ورجاء مغفرته مع خوف عذابه, والحذر من غضبه, وإن مات العاصي على الإسلام فلابدّ من الخوف والرّجاء لذي الجلال والإكرام, فقد قال الله تعالى في الملائكة مع أمانهم من الموت عن الكفر, ومن ارتكاب الكبائر: ((يخافون ربّهم من فوقهم)) [النحل/50] وقال فيهم: ((هم من خشية ربّهم مشفقون)) [المؤمنون/57] فإذا كان هذا حال الملائكة -عليهم السلام-, فكيف بحال العبد العاصي!! وفي ((الصّحيح))3عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو

تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً وضحكتم قليلاً)) فنسأل الله السّلامة, وأن يجعلنا ممّن يشفق من ذنبه, بل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه, آمين آمين.
الطّائفة الثّالثة: معاوية والمغيرة وعمرة بن العاص, ومن تقدّم ذكره في الأوهام, فإنّ كثيراً من الشّيعة ذكروا أنّها ظهرت على هؤلاء الثّلاثة قرائن تدلّ على التّأويل, وقدحوا بتصحيح حديثهم في حديث الكتب الصّحاح كالبخاري ومسلم.
وأمّا أهل الحديث فمذهبهم أنّهم من أهل التّأويل والاجتهاد والصّدق, لكونهم أظهروا التّأويل فيما يحتمله, وعلم البواطن محجوب عن الجميع, وبين الفريقين في هذا مالا يتسع له هذا ((المختصر)) , والقصد: مجرّد تصحيح الحديث الصّحيح, والذّبّ عنه لا غيره فيما1بين أهل المذهبين, وقد اجتهدت في هذا الكتاب في نصرة الحديث الصّحيح بالطّرق التي يتّفق الفريقان على صحّتها أو يتّفقون على قواعد تستلزم صحّتها, كما يعرف ذلك من تأمّل هذا الكتاب كلّه, وفي هذا الموضع لم أجد طريقاً قريبة مجمعاً عليها إلا طريقاً واحدة, وهي: بيان صدق هؤلاء المذكورين في روايتهم بشهادة من لم تجرحه الشّيعة من الصّحابة لهم بصّحة الرّواية في كلّ حديث على التّعيين, خاصّة في أحاديث الأحكام المعتمدة في معرفة الحلال والحرام.
فأمّا أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص ونحوهم

ممّن لم يصحّ عنه حرب لعلي - رضي الله عنه - ولا سبّ؛ فقد تقدّم الجواب عمّا ذكر المعترض فيهم.
وأمّا هؤلاء الثلاثة المذكورون فهم الذين أذكر هنا ما يدلّ على صحّة حديثهم, وأقتصر على ما يتعلق بالأحكام من ذلك اختصاراً, وذلك يتمّ بذكر ما لهم من الأحاديث المتعلّقة بالأحكام وما لأحاديثهم من الشّواهد المرويّة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , ونشير إلى ذلك على أقل ما يكون من الاختصار المفيد -إن شاء الله تعالى- فنقول: المرويّ في الكتب السّتّة من طريق معاوية في الأحكام ثلاثون حديثاً.
الأوّل: حديث تحريم الوصل في شعور النّساء, رواه عنه البخاري ومسلم1وغيرهما, ويشهد لصحّته رواية أسماء لذلك وعائشة وجابر /أمّا حديث أسماء فخرّجه البخاري ومسلم والنّسائي.2
وأمّا حديث عائشة فخرّجه البخاري ومسلم والنّسائي3أيضاً. وأمّا حديث جابر فخرّجه مسلم.4
الثّاني: ((لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ)) أخرجه عنه

البخاريّ ومسلم.1
وقد رواه مسلم عن سعد بن أبي وقّاص.2
ورواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان.3
ورواه الترمذي عن معاوية بن قرّة.4
ورواه أبو داود عن عمران بن حصين.5
الثّالث: حديث النّهي عن الرّكعتين بعد العصر, رواه البخاري عنه.6
وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنّسائي عن أمّ المؤمنين أمّ سلمة.7
وروى مسلم8عن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أنّه كان يضرب من يفعل ذلك, ولم ينكر ذلك من فعله فجرى مجرى الإجماع, وهو قول طوائف من أهل العلم.

الرّابع: حديث النّهي عن الإلحاف في المسألة رواه عنه مسلم.1
ورواه البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمر.2
وأبو داود والترمذي والنّسائي عن سمرة بن جندب.3
والنّسائي عن عائد بن عمرو.4
والبخاري عن الزبير بن العوّام.5
والبخاري ومسلم ومالك في ((الموطأ)) والتّرمذي والنّسائي عن أبي هريرة.6
وأبو داود والنّسائي عن ثوبان.7
ومالك في ((الموطأ)) عن عبد الله بن أبي بكر.8
والبخاري ومسلم والترمذي والنّسائي عن حكيم بن حزام.9

وأبو داود والنسائي عن ابن الفراسيّ عن أبيه.1
الخامس: ((إنّ هذا الأمر لا يزال في قريش)) رواه عنه البخاري.2
ورواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر.3
وروى مسلم نحوه عن جابر بن عبد الله.4
ورواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.5
السّادس: حديث جلد شارب الخمر وقتله في الرّابعة, رواه عنه أبو داود والتّرمذي.6
وأمّا جلده فمعلوم من الدّين ضرورة, والأحاديث فيه كثيرة مأثورة, وأمّا قتله في الرّابعة فرواه التّرمذي وأبو داود عن أبي هريرة.7
ورواه أبو داود8عن قبيصة بن ذؤيب, وعن نفر من الصحابة... -رضي الله عنهم-.

ورواه الإمام الهادي يحيى بن الحسين في ((كتاب الأحكام)) ولكن هذا الحكم منسوخ عند كثير من أهل العلم.
السّابع: حديث ((النّهي عن لباس الحرير والذّهب, وجلود السّباع)) رواه عنه أبو داود والنّسائي, والترمذي بعضه بغير لفظه1, فأمّا شواهد تحريم لباس الحرير والذّهب فأشهر من أن تذكر. وأمّا جلود السّباع؛ فله عليه شاهد عن أبي المليح خرّجه التّرمذي وأبو داود والنّسائي.2
الثّامن: حديث افتراق الأمّة إلى نيّف وسبعين فرقة, رواه عنه أبو داود.3
وروى الترمذي4مثله عن ابن عمرو.5
وروى الترمذي2) وأبو داود مثله عن أبي هريرة.6
التّاسع: النّهي عن سبق الإمام بالرّكوع والسّجود, رواه عنه

أبو داود1و [ابن ماجه].2
وقد رواه البخاريّ ومسلم وأبو داود والترمذيّ والنسائي عن أبي هريرة, ومالك في ((الموطأ)) عنه3-أيضاً-. ومسلم والنّسائي عن أنس.4
العاشر: النّهي عن الشّغار, رواه عنه أبو داود.5
وقد رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر6, وهو مشهور عن غير واحد من الصّحابة, ومجمع على القول بمقتضاه.
الحادي عشر: أنّه توضّأ كوضوه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه أبو داود7, وليس فيه ما يحتاج إلى شاهد إلا زيادة صبّ الماء على النّاصية والوجه.

وقد رواه أبو داود1عن علي - رضي الله عنه -. /الثّاني عشر: النّهي عن النّوح, رواه عنه ابن ماجه2, وهو أشهرمن أن يحتاج إلى ذكر شواهده.
الثّالث عشر: النّهي عن الرّضا بالقيام, رواه عنه الترمذي وأبو داود3, وله شواهد: في الترمذي4عن أنس, وفي ((سنن أبي داود))5عن أبي أمامة.
وفي كتاب (([الترخيص]6في القيام))7للنّووي عنهما, وعن أبي بكرة, وصحّح حديث أنس. الرّابع عشر: النّهي عن التّمادح, رواه عنه ابن ماجه.8
وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي بكرة.9

والبخاري ومسلم عن أبي موسى.1
ومسلم والتّرمذي وأبو داود عن عبد الله بن سخرة [عن المقداد بن الأسود].2
والتّرمذي عن أبي هريرة.3
الخامس عشر: تحريم كلّ مسكر, رواه عنه ابن ماجه4, ورواه الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عمر5, ومسلم والنّسائي عن جابر6وأبو داود عن ابن عبّاس, والنّسائي عنه أيضاً.7
السّادس عشر: حكم من سها في الصّلاة, رواه عنه النّسائي8

وله شاهد في ((سنن أبي داود))1عن ثوبان.
السّابع عشر: النّهي عن القران بين الحج والعمرة, رواه عنه أبو داود2, وله شاهد عن ابن عمر رواه مالك في ((الموطأ))3مرفوعاً, وعن عمر وعثمان رواه مسلم4موقوفاً عليهما.
الثّامن عشر: أنّه قصر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بمشقص بعد عمرته - صلى الله عليه وسلم - , وبعد5حجّه, رواه عنه البخاري ومسلم وأبو دواد والنّسائي6, وله شواهد عن عليّ خرّجه مسلم, وعن عثمان - رضي الله عنه - في مسلم أيضاً7, وعن سعد بن أبي وقّاص رواه مالك في ((الموطأ)) والنّسائي والتّرمذي وصحّحه8, رواه النّسائي عن ابن عبّاس عن عمر9, والتّرمذي عن ابن عمر10, والبخاري ومسلم عن عمران بن

الحصين.1
وروى التّرمذي والنّسائي: أنّ معاوية لما روى هذا الحديث, قال ابن عباس: هذه على معاوية؛ لأنّه ينهى عن المتعة.2
التّاسع عشر: ما روى عن أخته أمّ المؤمنين أمّ حبيبة - رضي الله عنه - ((أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلّي في الثّوب الذي يجامعها فيه, ما لم ير فيه أذى)) رواه أبو داود والنّسائي3, ويشهد لمعناه أحاديث كثيرة, منها: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كان يصلّي في نعليه ما لم ير بهما أذى)) رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن [يزيد]4ورواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري.5
ويشهد لذلك حديث: ((فلا ينصرفنّ حتّى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً)) وهو متفق على صحته6, إلى أشباه لذلك كثيرة تدلّ على

جواز الاحتجاج بالاستصحاب للحكم المتقدّم, وعلى ذلك عمل العلماء في فطر يوم الشّكّ من آخر شعبان, وصوم يوم الشّكّ من آخر رمضان.
الموفّي عشرين حديثاً: ((نهي من أكل الثّوم أو البصل عن دخول مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) وهو من روايته عن أبيه1, وله شواهد كثيرة, فرواه البخاري ومسلم2ومالك في ((الموطأ))3عن جابر بن عبد الله, والبخاري ومسلم عن أنس4, ومسلم5ومالك في ((الموطأ))6عن أبي هريرة, وأبو داود عن حذيفة والمغيرة7, والبخاريّ ومسلم وأبو داود عن ابن عمر8, والنّسائي عن عمر9, مسلم وأبو داود عن أبي سعيد.10

وأمّا النّهي عن هاتين الشّجرتين مطلقاً من غير تقييده بدخول المسجد, فرواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله1, وأبو داود والتّرمذي عن عليّ بن أبي طالب2- رضي الله عنه -. الحادي والعشرون: حديث: ((هذا يوم عاشوراء لم يكتب عليكم)) رواه عنه البخاري ومسلم ومالك والنّسائي.3
وقد روى البخاري ومسلم4عن ابن عبّاس ما يشهد لصحة معناه, وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشار إليه, بعد سؤاله عن سبب صوم اليهود له: ((فأنا أحقّ بموسى)) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فنحن نصومه تعظيماً له)).
الثاني والعشرون: حديث: ((لا تنقطع الهجرة)) رواه عنه أبو داود5, ولم يصح عنه, قال الخطّابي6: ((في إسناده مقال)) , وله شاهد رواه النسائي عن عبد الله بن السّعدي.7

الثّالث والعشرون: حديث النّهي عن لباس الذّهب إلا مقطّعاً رواه عنه أبو داود1, وله شاهد/ عن جمع من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه النّسائي.2
الرّابع والعشرون: النّهي عن المغلوطات3, قال الخطّابي4: الأغلوطات.
ولم يصح عنه, في إسناده مجهول5, مع أنّ أبا السّعادات ابن الأثير, روى في ((جامع الأصول))6له شاهداً عن أبي هريرة, وفي البخاري7عن أنس: ((نهينا عن التّكلّف)) , وهذا يشهد لمعناه.
الخامس والعشرون: حديث الفصل بين الجمعة والنافلة بعدها

بالكلام أو الخروج, رواه عنه مسلم1, وله شاهد في البخاري ومسلم2عن ابن عمر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وروى أبو داود عن أبي مسعود الزّرقي3نحو ذلك في حقّ الإمام.4

السّابع والعشرون: حديث: ((كلّ ذنب عسى الله أن يغفره, إلا الشّرك بالله وقتل المؤمن)) رواه عنه النّسائي1, وله شاهد عن أبي الدرداء (2رواه أبو داود23, وله شاهد في كتاب الله تعالى.4
الثّامن والعشرون: رواه عنه أبو داود5حديث: ((اشفعوا تؤجروا)) وهو حديث معروف, رواه البخاري ومسلم6عن أبي موسى, وفي القرآن ما يشهد لمعناه, وهو مجمع على مقتضاه.
التّاسع والعشرون: كراهة تتبّع عورات النّاس, رواه عنه أبو داود7, وله شواهد, في الترمذي8عن ابن عمر وحسّنه, وفي ((سنن أبي داود))9عن أبي برزة الأسلمي, وعقبة بن عامر, وزيد بن وهب, وفي ((صحيح مسلم))10عن أبي هريرة.

الموفّي ثلاثين حديثاً: حديث: ((من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدّين)) رواه عنه البخاري1, وله شاهدان عن ابن عبّاس وأبي هريرة ذكرهما التّرمذي في ((الجامع))2وصحّح حديث ابن عباس.
فهذه عامّة أحاديث معاوية التي هي صريحة في الأحكام أو يستنبط منها حكم, وهي موافقة لمذهب الشّيعة والفقهاء, وليس فيها ما لم يذهب إليه جماهير العلماء, إلا قتل شارب الخمر في الرّابعة لأجل النّسخ, وقد رواه إمام الزّيدية كما قدّمنا, وقد وافقه ثقات الصّحابة فيما روى.
فاعجب لمن يشنّع على أهل الصّحاح برواية هذه الأحاديث, وإدخالها في الصّحيح!!.
وله غير هذه أحاديث يسيرة شهيرة تركنا إيرادها وإيراد شواهدها اختصاراً, ونشير إليها إشارة لطيفة ليعرف ما هي, وذلك حديثه في فضل المؤذّنين3, وفضل إجابة المؤذّن4, وفضل حلق الذّكر5, وليلة القدر ليلة سبع وعشرين6, وفضل حبّ

الأنصار1وفضل طلحة2, وتاريخ وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثلاث وستين سنة.3
وحديث: ((اللّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت))4وقد رواه مسلم5عن عليّ رضي الله تعالى عنه.
وحديث: ((الخير عادة والشّرّ لجاجة))6و ((لم يبق في الدنيا إلا بلاء وفتنة))7و ((إنّما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه)).8

وفيمن نزل: ((والذين يكنزون الذّهب والفضّة))1[التوبة/34].
وأثران موقوفان عليه؛ في ذكر كعب الأحبار2, وفي تقبيل الأركان كلّها.3
فهذا جملة ما له في جميع دواوين الإسلام السّتّة, لا يشذّ عنّي من ذلك شيء, إلا ما لا يُعصم عنه البشر من السّهو.
وليس في حديثه ما ينكر قطّ, على أنّ فيها ما لم يصحّ عنه أو ما في صحّته عنه خلاف, وجملة ما اتّفق على صحّته عنه منها كلّها في الفضائل والأحكام: ثلاثة عشر حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة/ وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة, وهذا دليل صدق أهل ذلك العصر, وعدم انحطاطهم إلى مرتبة الكذّابين خذلهم الله تعالى, ولو لم يدلّ على ذلك إلا أنّ معاوية لم يرو شيئاً قطّ في ذمّ عليّ - رضي الله عنه - , ولا في استحلال حربه4, ولا في فضائل عثمان, ولا في ذمّ القائمين عليه, مع تصديق جنده له, وحاجته إلى تنشيطهم بذلك فلم يكن منه في ذلك شيء على طول المدّة, لا في حياة عليّ ولا بعد وفاته, ولا تفرّد برواية ما يخالف الإسلام ويهدم القواعد, ولهذا روى عن معاوية غير واحد

من أعيان الصّحابة والتّابعين؛ كعبد الله بن عبّاس, وأبي سعيد الخدريّ, وعبد الله بن الزّبير, وسعيد بن المسيب, وأبي صالح السّمّان, وأبي إدريس الخولاني, وأبي سلمة بن عبد الرّحمن, وعروة بن الزّبير, وسالم بن عبد الله, ومحمد بن سيرين, وخلق كثير.
وروى عن هؤلاء عنه أمثالهم, وإنّما ذكرت هذا ليعرف أنّ المحدّثين لم يختصّوا برواية حديثه, فإنّ من المعلوم أنّهم لا يقبلون من الحديث إلا ما اتّصل إسناده برواية الثّقات, فلولا رواية ثقات كلّ عصر لحديثه عن أمثالهم لم يصحّ للمحدّثين أنّه حديثه, ولو لم يصحّ لهم أنّه حديثه لم يرووه عنه في الكتب الصّحيحة, وإنّما ذكرت هذا على سبيل الاستئناس.
والعمدة في الحجّة ما قدّمته, والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد قبلت الشّيعة والمعتزلة ما هو أعظم من قبوله على أصولهم وهو مرسل الثّقة, فإنّه مقبول عندهم على الإطلاق, فقبلوا بذلك أحاديث معاوية وهم لا يشعرون! بل فقبلوا موضوعات كثيرة رواها بعض ثقاتهم بسلامة صدر عن بعض من لم يعرف من المجاهيل, أو1طبقات المجروحين.
ومن قبل مرسل الثّقة على الإطلاق دخل ذلك عليه من حيث لا يدري, فإنّ من الثّقات من يقبل المجاهيل, وفيهم من يقبل كفّار

التّأويل, وفيهم من هو كافر تأويل عند جمهور المعتزلة والشّيعة, وفيهم من يقبل الفاسق المصرّح إذا عرف بالصّدق والأنفة من الكذب, ولقد روي هذا عن الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - كما قدّمنا ذكر ذلك.
وقبول المرسل على هذه الصّفة, أعظم مفسدة وأدخل في قبول الأكاذيب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فينبغي للعاقل أن ينظر في عيب القريب وعيب الصّديق, كما ينظر في عيب الخصم والبعيد, نسأل الله التّوفيق لذلك آمين آمين.
وأمّا حديث عمرو بن العاص فله في الأحكام عشرة أحاديث: الأول: في النّهي عن صيام أيّام التّشريق, رواه عنه أبو داود1وله شواهد؛ فرواه أبو داود والترمذي والنّسائي عن عقبة بن عامر2, ومسلم عن نبيشة الهذلي3, ومسلم4ومالك في ((الموطأ))5عن

عبد الله بن حذافة, والنّسائي1عن بشر بن سحيم, ومسلم2عن كعب بن مالك, ومالك في ((الموطأ))3عن سليمان بن يسار مرسلاً, والبخاري4عن ابن عمر وعائشة بلفظ: ((لم يرخّص في صومها إلا لمن لا يجد الهدي)).
الثّاني: التّكبير في صلاة عيد الفطر سبعاً في الأولى, وخمساً في الثّانية, رواه أبو داود5, وفي سنده عمرو بن شعيب, وفي صحّة حديثه خلاف, وأكثر المتأخّرين على صحّته, وقد رواه أبو داود و [ابن ماجه]6عن عائشة7, والترمذي8عن عمرو بن عوف9, وقال ابن النّحوي: في الباب أحاديث كثيرة أخر, والله أعلم.

الثّالث: حديث أن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أقرأه خمس عشرة سجدة من القرآن, منها: ثلاث من المفصّل, وفي سورة الحجّ سجدتان, رواه عنه أبو داود وابن ماجه القزويني1, وفي إسناده ابن ماجه ابن لهيعة وضعفه مشهور.
وهذا الحديث لم يصح عن عمرو قاله ابن النّحوي, وعزاه إلى ابن القطّان وابن الجوزي2, ومع ذلك فلهذا الحديث شاهد عام وشواهد خاصّة: فأمّا الشّاهد العامّ, فروى البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر3/ما يدلّ على أنّ السّجود مشروع في كلّ موضع سجدة في كتاب الله تعالى, قال: ولكنّا منعنا ما زاد على الخمس عشرة للإجماع على المنع من الزّيادة على ذلك, رواه أبو محمد بن حزم4وغيره.
وأمّا الشّواهد الخاصّة: فاعلم أنّه لا نزاع بين الأمّة على قول ابن حزم, وبين الجماهير على قول غيره إلا في خمس سجدات هي: ثلاث في المفصّل, وسجدة في (ص) , والسجدة الثّانية من سورة الحجّ.

فأمّا سجدات المفصّل فإحداهنّ في (النّجم) رواها البخاري والتّرمذي من حديث ابن عبّاس1, وأبو داود عن ابن مسعود2, والنّسائي عن المطلب بن أبي وداعة3, والبخاري عن ابن عمر4, ومالك في ((الموطأ))5عن عمر, والبخاري ومسلم والتّرمذي وأبو داود والنّسائي عن زيد بن ثابت.6
والسّجدة الثّانية: في (انشقت) وقد رواها البخاري ومسلم ومالك في ((الموطأ)) وأبو داود والنّسائي عن أبي هريرة.7
والسّجدة الثّالثة: في سورة (اقرأ) وقد رواها مسلم وأبو داود والتّرمذي والنّسائي عن أبي هريرة.8

1وأمّا سجدة (ص) فقد رواها أبو داود عن أبي سعيد الخدري2, والبخاري والترمذي وأبو داود والنّسائي عن ابن عباس32). وأمّا السّجدة الثانية في الحجّ: فقد رواها أبو داود والتّرمذي عن عقبة بن عامر4, ورواها مالك في ((الموطّأ))5عن عمر بن الخطّاب وولده عبد الله, ولكن موقوفاً عليهما.
فهذه الخمس السّجدات المختلف فيها قد تابعه في كلّ واحدة منها من ذكرنا, وأمّا العشر البواقي فإنّ أبا محمد بن حزم ادّعى إجماع الأمّة على السّجود فيها6, وذكر ابن هبيرة7أنّه قول فقهاء الأمّة

الأربعة وأتباعهم.
قلت: وهو قول الزّيدية1, بل2مذهب الزّيدية أنّ السّجدات خمس عشرة على ما روى عمرو بن العاص وهو مذهب أحمد ابن حنبل وغيره من أهل العلم, إلا أنّ الفقيه جمال الدين الرّيمي ذكر في كتابه ((عمدة الأمّة في إجماع الأئمة))3: أنّ الإجماع لم ينعقد على عشر سجدات وإنّما انعقد على أربع, والصّواب قبول رواية ابن حزم فإنّه ثقة مُطّلع, ووجود الخلاف الشّاذّ لا يقدح في رواية ثقات العلماء في الإجماع؛ لأنّه يمكن أنّهم ادّعوا إجماع أهل عصر من الأعصار, وأنّ ذلك الخلاف تقدّم الإجماع أو تأخّر عنه ممّن لم يصحّ له الإجماع.
وأمّا حديث أبي الدّرداء في سجوده مع النّبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى عشرة سجدة فقد رواه أبو داود والتّرمذي4, ولكن قال أبو داود: ((إسناده واهٍ)).

وأمّا حديث ابن عباس: ((أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في المفصّل بعد هجرته إلى المدينة))1فضعيف ومعارض بما هو أصحّ منه من حديث غيره, فقد صحّ عن أبي هريرة2أنّه سجد في المفصّل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يسلم أبو هريرة إلا بعد الهجرة, وهذا أولى لصحّة إسناده, ولأنّ المثبت أولى من النّافي, وابن عباس إنّما قال إنّه لم يسجد, وهذا نفي, ولعلّه سجد ولم يعلم ابن عباس, فيقبل المثبت لما في ذلك من حمل الجميع على السّلامة.
وهذه السّجدات العشر في: الأعراف, والرّعد, والنّحل, وسبحان, ومريم, والأولى من الحجّ, والفرقان, والنّمل, والجرز3, والسّجدة.
الحديث الرّابع: حديث تقريره - صلى الله عليه وسلم - لعمرو على التيمّم حين احتجّ بما يدلّ أنّه خاف على نفسه الموت من شدّة البرد وهو4قوله تعالى: ((ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما))5[النساء/29]

وله شاهد على ذلك, وهو الإجماع/ أولاً1, وما أخرجه أبو داود عن ابن عبّاس2ثانياً.
الحديث الخامس: حديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران)) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنّسائي و [ابن ماجه]3, وقد رواه التّرمذي, والنّسائي عن أبي هريرة.4
السّادس: حديثه في الحثّ على السّحور, لكونه فصلاً بين صيامنا وصيام أهل الكتاب, رواه عنه مسلم وأهل السّنن5إلا ابن

فصول الكتاب · 143 فصل · 597 صفحة
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
تأليف ابن الوزير
تقدّمك في الكتاب: صفحات 511-550 — 141 من 144
فصول الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - · 597 صفحة
مقدمة الكتابتقديمفضيلة الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدمقدمة التحقيقأولاً: ترجمة المؤلّفالثروة العلمية التي خلّفهاالمدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحيالنسخة الخطية1: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.2 وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة... (1336هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج.مولدهذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخهثانياً: التعريف بالكتاباسم الكتاب.اسم الكتابإثبات نِسبة الكتاب إلى مؤلّفهتاريخ تأليفهسبب تأليفهمواردهالثناء على الكتاب وعكسهعلاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصرغرضه منه, ومنهجه فيهأمور لها علاقة بالمنهجطبعات الكتابمخطوطات الكتابالعلماء أصحاب التعليقاتخطة العمل في الكتابالنص المحققالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السّابع:الوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرتنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.التنبيه الثالثالمبحث الأولالمبحث الثانيالوجه الأولالوجه الثانيالمسألة الأولىالفصل الأوّل:الفصل الثّاني:الحجّة الأولى:الحجة الثانيةالحجة الثّالثة:البحث الثانيالبحث الثالثالبحث الرّابع:البحث الخامسالبحث السّادس:البحث السّابع:البحث الثّامن:البحث التّاسع:البحث العاشرالبحث الحادي عشرالنّوع الأوّل:النّوع الثّاني:الوجه الثّاني:المسألة الأولىالمسألة [الثّالثة]3: قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلمالنّظر الأوّل:النّظر الثّاني:النظر الثالثالنّظر الرّابع:النّظر الخامس:الأوّل:الثّاني:الوهم الثّاني:الموضع الأوّل:الموضع الثانيالموضع الثالثالموضع الرّابع:الثالثالمحمل الأولالمحمل الثّاني:المحمل الثّالث:المحمل الرّابع:المحمل الخامسالثّانيالأوّل:الثانيالثّالث:الرّابع:الخامسالسّادس:السّابع:الثّامن:التّاسع:العاشرالثّاني عشر:الثالث عشرالرّابع عشر:الطّريق الأولى:الطريق الثّانية:الفرقة الأولىالفرقة الثانيةالفرقة الثّالثة:الفرقة الرّابعة:الوهم الرّابع عشر:الوهم الخامس عشرالوهم السّادس عشر:الفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثّالث:الفصل الخامسالفصل الرّابع:الفصل الخامسالوهم الثّامن عشر:المقدمة الثّالثة:المقدّمة الرّابعة:المرجّح الأوّل:المرجّح الثّاني:المرجّح الثّالث:المرجّح الرّابع:المرجّح الخامس:المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّلالمرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغويالأولىالثانيةمحاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروحالفصل الأولالفصل الثّاني:أمّا المعارضة:الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسىالوجه الثّاني:الحجّة الأولى:الحجّة الثّانية:الحجّة الثّالثة:الحجّة الرّابعة:الحجّة الخامسة:الحجّة السّادسة:الحجّة السّابعة:الحجّة الثّامنة:الحجّة التّاسعة:الحجّة العاشرة:الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائفالطّائفة الأولى المجبّرة:
الطّائفة الثانية: المرجئة
المسألة الأولىالمسألة الثّانية:
جارٍ التحميل