أهل الأثرالأرشيف العلمي

الإجماع, وبيانه أنّ أهل الحديث وأهل السّنة قاطبة أجمعوا على صحة حديث ((الصّحيحن)) , مع أنّ في حديثهما ما هو مستند إلى المبتدعة: القدريّة والمرجئة وغيرهم, من غير ظهور متابعة, ولا استشهاد, ولا تصريح من البخاري ومسلم بأنّ المتأوّل غير مقبول عندهما, فيجب حملهما على معرفة متابعات وشواهد تقوّي حديث أولئك المبتدعة, ويجب الحكم بصحّة حديثهم لأجل تلك المتابعات والشّواهد, لا لأجل الثّقة لهم.
هذا إجماع ظاهر من أهل السّنة.
وأمّا المعتزلة والشّيعة: فقد ذكرنا رواية ثقاتهم للإجماع على ذلك, وذكرنا إجماعهم على الرّجوع إلى ((الصّحيحين)) وغيرهما من كتب أهل السّنة, وبيّنا أنّهم يقبلون مراسيل من يقبل أهل التّأويل, وأنّه لا يمكنهم تمييز حديثهم من حديث أهل التّأويل عندهم ألبتّة.
فإن قيل: كيف نصغي إلى دعوى الإجماع, وقد علم وقوع الخلاف؟.
قلنا: ذلك يصحّ؛ لأنّ الإجماع المدّعى ليس بإجماع جميع

الأمّة, وإنّما هو إجماع أهل عصر منهم, وهو إجماع الصّدر الأوّل من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم, فإنّ أهل العصر قد يجمعون فيعلم إجماعهم بعض أهل العلم فيرويه ويتبعه, ولا يعلم ذلك بعض أهل العلم فيخالف, ويروى الخلاف والإجماع, ومثل هذا كثير الوقوع, وقد عيّن كثير من أهل العلم ذلك العصر المدّعى إجماع أهله, وذكر أنّه عصر الصّحابة والتّابعين, واحتجّوا بإجماع الصّحابة على قبول القائمين على عثمان - رضي الله عنه - من الصّحابة, ممّن روى هذا أبو عمرو بن الحاجب في ((مختصر المنتهى))1وأجاب عنه بوجهين: الأوّل: عدم تسليم الإجماع.
وهذا الوجه ليس بشيء, لأنّ راوي الإجماع إذا كان ثقة عارفاً مطّلعاً موافقاً في الطّريق التي يعرف بها ثبوت الإجماع؛ وجب قبوله كما يجب قبول راوي الحديث.
ولم يعارض إلا بنقل الخلاف بطريقة صحيحة, ولو جاز مقابلة نقلة الأدلّة بذلك أمكن ردّ كلّ راوٍ وتكذيب كلّ عالم.
الوجه الثّاني: أنّه يجوز أنّهم قبلوا حديث أولئك لعدم اعتقادهم فسقهم, أو لتوقّفهم في ذلك, أو لعدم معرفتهم بوقوع ذلك منهم, أو لاعتقاد بعضهم إصابتهم.
والجواب عنه من وجوه: الأول: أنّه إذا روى الإجماع ثقة لم يقدح تجويز وهمه في روايته

لما لا حقيقة له, ولو قدح بمثل ذلك في هذا الإجماع أمكن/ القدح بمثله في كلّ إجماع, بل في كلّ رواية طريقها النقل في الأخبار واللّغات ونحوها, فيقال في الخبر المرفوع: لعلّ السّامع له وهم أنّه من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وإنّما حكاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن غيره, أو لعلّه توهّمه مرفوعاً وهو موقوف, أو مسنداً وهو مقطوع, أو نحو ذلك.
الوجه الثّاني: أنّ مدّعي الإجماع ادّعى العلم, ومن ردّ ذلك لم ينقل خلافاً في ذلك وإنّما استبعد أن يعلم ذلك غيره مع أنّه لا يعلمه, ومن علم حجّة على من جهل, وقد يختلف النّاس في معرفة أخبار السّلف وأحوالهم, ويحصل لبعض العلماء بشدّة البحث للأخبار والتّواريخ علم بأمور كثيرة لا يشاركه فيها غيره, وفي قبول مدّعي الإجماع حمل الجميع على السّلامة أمّا المدّعي فلظنّ صدقه وتورّعه عن رواية ما لا يعرف, وأمّا المنكر فلظنّ عدم معرفته لما عرف مدّعي الإجماع, وحمله على عدم العناد, وعلى أنّه لو عرف لوافق.
الوجه الثّالث: أنّ اختلافهم في العلّة لا يقدح في صحّة التّمسّك بالإجماع, كما لو أجمعوا على قتل رجل اختلفوا في العلّة, فقيل: بالقصاص, وقيل: بالرّدة, وقيل: بغير ذلك, فإن قتله يجوز قطعاً, وكذلك قبول رواية فاسق التأويل إذا أجمعوا عليه واختلفوا في علّته, فمنهم من قبله لأن فسق التأويل لا يوجب ردّ الرّواية, ومنهم من قبله؛ لأنّ مذهبه أنّه ليس بفسق عنده, فإنّ حديث ذلك الرّجل يكون مقبولاً بالإجماع, وأمّا فسقه فمأخوذ من دليل آخر.
ويتعلّق بهذا بحث دقيق يتعلّق بالحديث المتلقّى بالقبول؛ هل

نقطع بصحّته أم لا؟ وقد اختلف العلماء فيه وأوضحته في ((الأصل)) بما لا مزيد عليه.
الوجه الرّابع: وهو المعتمد أنّا وإن سلّمنا عدم العلم بإجماع الصّحابة على ذلك فلا نسلّم عدم العلم بإجماع المتأخّرين على قبول ما اتّفق البخاري ومسلم على تصحيحه من حديث المبتدعة, وقد قدّمنا بيان إجماع المعتزلة والشّيعة على ذلك, وبيّنا اضطرارهم إلى القول به, وبسطناه في ((الأصل)) بسطاً يضطر المعاند إلى الوفاق, ويخضع له منهم أهل اللّجاج والشّقاق, ومن وقف على كلام أبي عبد الله الذّهبي في ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال))1أيقن أنّه لا سبيل إلى رواية السّنن إلا على هذه الطريقة.
ولله درّ الإمام الشّافعي - رضي الله عنه - ما أوضح مناره وأقوى أنظاره, وأصحّ اختياره, وأحسن اعتباره! فهذه نبذة يسيرة ممّا يتعلّق بالحجّة الأولى وهي حجّة الإجماع.

فصول الكتاب · 143 فصل · 597 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
تأليف ابن الوزير
تقدّمك في الكتاب: الحجّة الأولى: — 129 من 144
فصول الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - · 597 صفحة
مقدمة الكتابتقديمفضيلة الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدمقدمة التحقيقأولاً: ترجمة المؤلّفالثروة العلمية التي خلّفهاالمدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحيالنسخة الخطية1: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.2 وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة... (1336هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج.مولدهذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخهثانياً: التعريف بالكتاباسم الكتاب.اسم الكتابإثبات نِسبة الكتاب إلى مؤلّفهتاريخ تأليفهسبب تأليفهمواردهالثناء على الكتاب وعكسهعلاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصرغرضه منه, ومنهجه فيهأمور لها علاقة بالمنهجطبعات الكتابمخطوطات الكتابالعلماء أصحاب التعليقاتخطة العمل في الكتابالنص المحققالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السّابع:الوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرتنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.التنبيه الثالثالمبحث الأولالمبحث الثانيالوجه الأولالوجه الثانيالمسألة الأولىالفصل الأوّل:الفصل الثّاني:الحجّة الأولى:الحجة الثانيةالحجة الثّالثة:البحث الثانيالبحث الثالثالبحث الرّابع:البحث الخامسالبحث السّادس:البحث السّابع:البحث الثّامن:البحث التّاسع:البحث العاشرالبحث الحادي عشرالنّوع الأوّل:النّوع الثّاني:الوجه الثّاني:المسألة الأولىالمسألة [الثّالثة]3: قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلمالنّظر الأوّل:النّظر الثّاني:النظر الثالثالنّظر الرّابع:النّظر الخامس:الأوّل:الثّاني:الوهم الثّاني:الموضع الأوّل:الموضع الثانيالموضع الثالثالموضع الرّابع:الثالثالمحمل الأولالمحمل الثّاني:المحمل الثّالث:المحمل الرّابع:المحمل الخامسالثّانيالأوّل:الثانيالثّالث:الرّابع:الخامسالسّادس:السّابع:الثّامن:التّاسع:العاشرالثّاني عشر:الثالث عشرالرّابع عشر:الطّريق الأولى:الطريق الثّانية:الفرقة الأولىالفرقة الثانيةالفرقة الثّالثة:الفرقة الرّابعة:الوهم الرّابع عشر:الوهم الخامس عشرالوهم السّادس عشر:الفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثّالث:الفصل الخامسالفصل الرّابع:الفصل الخامسالوهم الثّامن عشر:المقدمة الثّالثة:المقدّمة الرّابعة:المرجّح الأوّل:المرجّح الثّاني:المرجّح الثّالث:المرجّح الرّابع:المرجّح الخامس:المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّلالمرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغويالأولىالثانيةمحاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروحالفصل الأولالفصل الثّاني:أمّا المعارضة:الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسىالوجه الثّاني:الحجّة الأولى:الحجّة الثّانية:الحجّة الثّالثة:الحجّة الرّابعة:الحجّة الخامسة:الحجّة السّادسة:الحجّة السّابعة:الحجّة الثّامنة:الحجّة التّاسعة:الحجّة العاشرة:الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائفالطّائفة الأولى المجبّرة:
الطّائفة الثانية: المرجئة
المسألة الأولىالمسألة الثّانية:
جارٍ التحميل