: أنّ أهل الحديث لم يختصّوا بترك تأويل آيات الصّفات, وأحاديث الصّفات, والإيمان بمراد الله تعالى منها1, والنّهي عن الخوض في الكلام, بل قد شاركهم في ذلك, وفي بعضه كثير من خواصّ علماء الكلام المشاهير بصفاء الأذهان, ولطافة الأفهام, وقد نقل النّوويّ ذلك عن جماعة من المتكلّمين, واختاره جماعة من محقّقيهم, هذا لفظ النّووي ذكره في ((شرح مسلم))2كما قدّمنا في الوهم التّاسع.3وقال الحجّة أبو حامد الغزّالي في كتاب ((الإحياء))4-وقد ذكر علم الكلام ما لفظه-: ((وأمّا منفعته فقد يظن أنّ فائدته كشف الحقائق, ومعرفتها على ما هي عليه, وهيهات, فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف؛ ولعلّ التّحبيط والتّضليل فيه أكبر من الكشف والتّعريف.
وهذا إذا سمعته من محدّث أو حشويّ ربما خطر ببالك أنّ النّاس أعداء ما جهلوا, فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثمّ قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد الوصول5إلى منتهى درجة المتكلّمين, وجاوز ذلك إلى
التّعمّق في علوم أخر تناسب نوع الكلام, وتبيّن1أنّ الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الطريق مسدود.
نعم2لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور, ولكن على النّدور في أمور جليّة تكاد تفهم قبل التّعمّق في صنعة الكلام)) انتهى كلام الحجّة في ((الإحياء)).
وله [في]3كتاب ((المنقذ من الضّلال والمفصح بالأحوال))4مثل هذا في ذمّ الكلام, والقول بأنّ أدلّته لا تفيد اليقين.
وقال أيضاً في كتاب ((التّفرقة بين الإيمان والزّندقة))5وقد ذكر علم الكلام ما لفظه: ((ولو تركنا المداهنة لصرّحنا بأنّ الخوض في هذا العلم حرام)).
فهذه نصوص الغزّالي الذي قيل فيه: لم تر العيون ولا بعده أذكى منه.
وذكر شيخ الاعتزال أبو القاسم البلخيّ الكعبيّ [العامّة]6في كتابه ((المقالات))7وأثنى على عقيدتهم, وعدّهم فرقة مستقلة وقال: هنيئاً لهم السّلامة, وذكر الإمام المؤيّد بالله -أجلّ علماء الزّيديّة, وشيوخ علم النظر-: كراهة التّعمّق في علم الكلام, ونهى عن ذلك, وحث على الاشتغال بالفقه, وطوّل الكلام
في ذلك, ذكره في كتاب ((الزّيادات))1, وكان يحيى بن منصور الحسنيّ2من علماء الكلام على مذهب الزّيديّة؛ فرجع عن ذلك وكان ينهى عنه, وله في ذلك أشعار حسنة منها قوله:/ وما الذي ألجأهم إلى الخطر... والخوض في علم الكلام والنظر وما يقال فيه للمخطي كفر ومنها قوله من قصيدة طويلة: ويرون ذلك مذهباً مستعظماً... عن طول أنظار وحسن تفكّر ونسوا غنى3الإسلام قبل حدوثهم... عن كلّ قولٍ حادث متأخّر ما ظنّهم بالمصطفى في تركه... ما استنبطوه ونهيه المتقرّر أيكون في دين النّبيّ وصحبه... نقص؟ فكيف به ولمّا يشعر أو ليس كان المصطفى بتمامه... وبيانه أولى فلم لم يخبر ما باله حتّى السّواك أبانه... وقواعد الإسلام لم تتقرّر إن كان ربّ العرش اكمل دينه... فاعجب لمبطن قوله والمظهر إن كان في إجمال أحمد غنية... فدع التّكلّف للزّيادة واقصر ما كان أحمد بعد منع كاتماً... لهداية كلا وربّ المشعر بل كان ينكر كلّ قول حادث... حتّى الممات فلا تشكّ وتمتر4
وقال أيضاً1: طلبتك جاهداً خمسين عاماً... فلم أحصل على برد اليقين فهل بعد الممات بك اتصال... فاعلم غامض السّرّ المصون نوى قذف وكم قد مات قبلي... بحسرته عليك من القرون ولابن أبي الحديد المعتزلي في ذلك أشعار جيّدة ذكرها في ((شرح نهج البلاغة)): سافرت فيك العقول فما... ربحت إلا عناء السّفر رجعت حسرى وما وقفت... لا على عين ولا أثر2وقال أيضاً من أبيات: وأسائل الملل التي اختلفت... في الدين حتى عابدي الوثن فإذا الذي استكثرت منه هو الـ... جاني عليّ عظائم المحن فضللت في تيه بلا علم... وغرقت في بحر بلا سفن قال إمام الكلام والمتكلّمين فخر الدّين ابن الخطيب الرّازي في
وصيّته1ما لفظه: ((أحمد الله بالمحامد التي ذكره بها أفضل ملائكته في أشرف أوقات معارجهم2, ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهداتهم, بل أقول ذلك من نتائج3الحدوث والإمكان, فأحمده بالمحامد التي يستحقّها للاهوتيّته, واستوجبها بكمال إلاهيّته, عرفتها أو لم أعرفها, لأنّه لا مناسبة للتّراب مع جلالة ربّ الأرباب -إلى قوله- ولقد اختبرت الطّرق الكلامية, والمناهج الفلسفيّة, فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم, لأنّه يسعى/ في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى, ويمنع من التّعمّق في إيراد المعارضات والمناقضات, وما ذلك إلا للعلم بأنّ العقول البشريّة تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفيّة)).
وذكر في وصيّته هذه أنّه يدين لله تعالى بدين محمد - صلى الله عليه وسلم - , [وسأل]4الله تعالى أن يقبل منه هذه الجملة ولا يطالبه بالتّفصيل.
ومن شعره في هذا المعنى:
العلم للرّحمن جلّ جلاله... وسواه في جهلاته يتغمغم ما للتّراب وللعلوم وإنّما... يسعى ليعلم أنّه لايعلم [وله]1نهاية إقدام العقول عقال... وأكثر سعي العالمين ضلال2قال القرطبي في ((شرح مسلم))3ما لفظه: ((وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام بعد انقضاء أعمار مديدة وأمداد4بعيدة, فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي, فقد حكى عنه الثّقات أنّه قال: ((لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم, وركبت البحر الأعظم, وغصت في الذي نهوا عنه, كلّ ذلك رغبة في طلب الحقّ وهرباً من التّقليد, والآن قد رجعت (1عن الكل5إلى كلمة الحق, عليكم بدين العجائز, وأختم عاقبة أمري عند الرّحيل بكلمة الإخلاص, والويل لابن الجويني!)).
وكان يقول لأصحابه: ((يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام, فلو عرفت أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به)).
وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسي خالي, فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: أتعلمون أحداً أعلم منّي؟ قالوا: لا.
قال: افتتهمونني؟ قالوا: لا.
قال: فإنّي أوصيكم, أتقبلون؟ قالوا: نعم.
قال: عليكم بما عليه أهل الحديث, فإنّي رأيت الحق معهم.
وقال أبو الوفاء بن عقيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري, ثمّ عدت القهقرى إلى مذهب المكتب.
قال القرطبي: وهذا الشّهرستاني صاحب ((نهاية الإقدام في علم الكلام))1وصف حاله فيما وصل إليه من الكلام وما ناله, فتمثّل بما قاله: لعمري لقد طفت المعاهد كلّها... وسيّرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كفّ حائر... على ذقن أو قارعاً سنّ نادم ثمّ قال: ((عليكم بدين العجائز, فإنّه أسنى الجوائز)).
انتهى ما حكاه القرطبي.
فانظر إلى أمر [أعلام]2البرهان, وفرسان هذا الشأن, كيف رجعوا القهقرى إلى ما قاله علماء الأثر وأئمة السّنّة, فإذا عرفت هذا تبيّن لك أنّ اختيار أهل /الحديث لترك الكلام والتّأويل ليس يلازم البله وجمود الفطنة, وأنّه ربما ذهب إلى ذلك من هو ألطف منك طبعاً, وأصلب نبعاً, وأحسن فهماً, وأغرز علماً.