أهل الأثرالأرشيف العلمي

ة)2إن شاء الله تعالى.
الوهم التّاسع: ذكر المعترض أنّ التّشبيه مستفيض عن الإمام أحمد بن حنبل, وأنّه روى عنه3ذلك علماء الزّيديّة وعلماء

المجبّرة, (1 وعنى بالمجبّرة1الأشعرية وأهل الحديث.
والجواب عنه2من وجوه: الأوّل: أن نقول: إمّا أن يقصد بذلك القدح في حديثه, أو تكفيره؛ إن كان الأوّل لم يصح لأمور: الأمر الأوّل: أنّه مجمع على قبوله في الحديث, وقد قدمنا الدّليل على ذلك حيث ذكرنا الإجماع على صحة حديث البخاريّ ومسلم, فإنّه أوثق رواتهما, بل إمام مصنّفيهما, بل إليه المرجع في توثيق ثقاتهما.
الأمر الثّاني: أنّه مجمع على الاعتداد بخلافه, وعدم انعقاد الإجماع على رأسه, وذلك فرع على ثقته وأمانته, وقد شحنت الزّيديّة كتبها بمذاهبه, واشتغل أهل العلم منهم بحفظ أقواله, ولو كان مجروحاً غير مقبول لم يحسن ذلك منهم لما فيه من إيهام الخطأ, بل قد اشتهرت الرّواية لأحاديثه واختيارته عند جميع أهل السّنّة والبدعة, والرّوافض والشّيعة, وفيهم من هو من أعدائه, والفضل ما شهدت به الأعداء, فلولا علمه وحفظه3, ما حفظت مذاهبه, وقبلت روايته, مع4العجم والعرب في الشّرق والغرب.

كأنه علم في رأسه نار كما قالت الخنساء في صخر1, وما ذلك لكونه مشبّهاً كما زعم المعترض, بل لكونه إماماً جليلاً, وعلماً طويلاً, وقد أحسن من قال: لأمر ما يسود من يسود وأمّا كلام المتكلّمين فيه فهو زيادة في فضله, ودليل على جرأة المتكلّم وجهله.
وما يضر الإمام أحمد كلام من يتكلّم عليه, وعلى خير أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخلفاء الرّاشدين وكبراء المسلمين.
لم تدر تغلب وائل أهجوتها... أم بلت حيث تناطح البحران الأمر الثالث: معارضة تلك الروايات بإجماع أهل التّاريخ من أهل الحديث على براءة الإمام أحمد من التّشبيه, وقد روى الذّهبيّ في ((ميزانه)) عن بعض من وثق تصريح الإمام أحمد في ذلك بما لا مزيد عليه, وقد بالغ ابن الجوزيّ, وابن قدامة المقدسيّ الحنبليّان المحدّثان في تنزيه الإمام أحمد عن ذلك.
قال الشيخ أحمد بن عمر الأنصاري: بل2لم يشتهر أحد من الحنابلة بذلك, ولم يعرف عنه إلا أنّه يوجد في كلام ابن تيمية, وتلميذه ابن قيّم الجوزيّة شيء من3ذلك لم يبلغ رتبة التّصريح, ذكره في كتابه ((مغني المحدّث في الأسفار عن حمل الأسفار))4في آخر ذكر أسانيد ((مسند أحمد)).

قلت: وما أظن بعض الحنابلة ينجو من ذلك, ولكن حكم البعض لا يلزم الكلّ بالضّرورة, وقد [اشتملت]1كتب الرّجال على القدح بذلك على من قاله دون غيره, ﴿ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر:7] ولله الحمد.
وأمّا إن أراد المعترض التّوصّل بذلك إلى تكفيره - رضي الله عنه - فهذا لا يصحّ2لأمور أيضاً: منها: ما تقدّم من الإجماع على الاعتداد بأقواله, وعدم انعقاد الإجماع على رأسه, وليت شعري إذا كان / [عند]3المعترض بهذه المنزلة فما باله يملي على طلبة العلم الشّريف مذاهب أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - وهلاّ أملى عليهم مذاهب الباطنيّة, وقولهم: إنّ للأنثى مثل حظّ الذّكر, ونحو ذلك؟.
ومنها: أنّ التّكفير من المسائل القطعيّة, يحتاج مدّعيه إلى التواتر الصّحيح في الطّرفين والوسط, والمعترض إنّما ادّعى

الاستفاضة, وليس الاستفاضة تستلزم التّواتر, بل ولا تستلزم الصّحّة, فقد يستفيض الأمر في الأخير بعد غرابته أو نكارته أو وضعه1في أوّل الأمر, وقد اشتهرت أحاديث الكتب السّتّة وغيرها في الزّمن الأخير, وبلغ رواتها [أكثر]2من عدد التّواتر.
ومنها: أنّ العدد الكثير قد يغلطون في رواية المذاهب, وإن لم يتعمّدوا الكذب فلا يحصل العلم بخبرهم, لأنّ شرط التّواتر الكثرة المفيدة للعلم, وذلك لا يكون إلا إذا أخبروا عن علم ضروري دون ما أخبروا به عن ظنّ أو استدلال, لكنّه يحتمل في المخبرين عن الإمام أحمد أنّهم ألزموه ذلك بطرق نظريّة استدلالية, فلا يفيد خبرهم التّواتر وإن كثروا, ألا ترى أنّ الشّيعة تعظّم المعتزلة, وتوثّقهم مع أنّ المعتزلة على كثرتهم قد أجمعوا على دعوى العلم القاطع بإجماع الصحابة على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - , والشّيعة في هذا المقام لا يعتقدون صدق المعتزلة ولا أنّ خبرهم مع أهل السّنّة يفيد تواتر النّقل بصحّة [هذا]3الإجماع المدّعى, فما بال نقل النّقلة للتّشبيه عن الإمام أحمد لمّا4استفاض وجب الأخذ به؟ وأمّا استفاضة إجماع الصّحابة على خلافة أبي بكر فلا يؤخذ بها؟ فكلّ ما اعتذر به الشّيعيّ هناك فالحنبليّ5والسّنّي يعتذر عن

أحمد بمثله هنا.
ومنها: أنّه قد ثبت بالتّواتر أنّ الحافظ ابن الجوزيّ من أئمة الحنابلة, وليس في ذلك نزاع, ولا شكّ أنّ تصانيفه في المواعظ وتواليفه في الرّقائق مدرس فضلائهم, وتحفة علمائهم, فبها يتواعظون ويخطبون, وعليها في جميع أحوالهم يعتمدون.
وقد ذكر ابن الجوزيّ في كتبه هذه ما يقتضي نزاهتهم عن هذه العقيدة, وأنا أورد من كلامه في ذلك ما يشهد بصحّة ما ذكرته, فمن ذلك قوله في كتاب ((المدهش))1في قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ والبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٍ﴾ [الحديد:3].
قال ابن الجوزيّ: ((أوّل: ليس له مبتدأ, آخر: جلّ عن منتهى2, يثبته العقل [ولا يدركه]3الحسّ.
كلّ مخلوق /محصور بحدّ مأسور في سور قطر.
والخالق بائن مباين يعرف بعدم مألوف [التّعريف]4ارتفعت لعدم الشِّبه والشُّبه, إنّما يقع الإشكال في وصف من له أشكال.
وإنّما تضرب الأمثال, لمن له أمثال.
وأمّا من لم يزل ولا يزال فما للحسّ معه مجال.
عظمته عظمت عن نيل كفّ الخيال, كيف يقال: كيف, والكيف في حقّه محال؟ أنّى تتخايله الأوهام وهي صنعته, كيف تحدّه العقول وهي فعله, كيف تحويه الأماكن وهي وضعه؟ انقطع سير الفكر, وقف سلوك الذّهن,

بطلت إشارة الوهم, عجز لطف الوصف, عَشِيَت عين العقل, خرس لسان الحسّ, لا طول للقَدَم في طور القِدَم.
عزّ المرقى فيئس المرتقي, بحر لا يتمكّن منه عائص.
ليل لا يبصر فيه للعين كوكب.
مرام شطّ [مرمى]1العقل فيه... فدون مداه بيد لا تبيد جادّة التّسليم سليمة.
وادي النّقل بلاقع.
انزل عن علوّ غلوّ التّشبيه, ولا تعل قلل أباطيل التعليل, فالوادي بين الجبلين.
ما عرفه من كيّفه, ولا وحّده من مثّله, ولا عبده من شبّهه.
المشبِّه أغشى والمعطِّل أعمى, ممّا يتزّه عنه ممّ! فيما يجب نفيه فيم؟! جلّ وجوب وجوده عن رجم ((لعل)) , سبق الزّمان فلا يقال: كان, أبرز عرائس الموجودات من كنّ ((كن)) , بثّ الحكم فلم يعارض ((بلم)) تعالى عن بعضيَّة ((من)) , وتقدّس عن ظرفية ((في)) , وتنزّه عن شبه ((كأن)) وتعظّم عن نقص ((لو أنّ)) (2 وعزّ عن عيب ((إلاّ أن2وسما كما له عن تدارك ((لكنّ)).3
وقال ابن الجوزيّ في كتاب ((اللّطف))4في وصف الله تعالى: ((لا من الظّاهر فُهِمَ له شبح, ولا من الباطن تعطّل له وصف.
خرست في حضرة القدس صولة ((لم)) , وكفّت لهيبة الحقّ كفّ ((كيف)) وعَشِيت

لجلال العزّ عين الفكر. فأقدام الطّلب واقفة على جمر التّسليم. إلى قوله: ((المشبِّه ملوَّث بدم التّجسيم, والمعطِّل نجس بسرجين الجحود, ونصيب المحقّ لبن خالص هو التّنزيه)) إلى قوله: ((تفكّروا في آلاء الله, لا تتفكّروا في الله. إذا استقبل الرَّمد الرّيح فقد تعرّض لزيادة الرّمد)) انتهى كلامه.1
وفيه مع نفي التّجسيم والتّشبيه تلويح إلى ذم تعطيل ذات الله جلّ جلاله عمّا وصفها به في كتابه الكريم.
فلهم مذهب بين مذهبين وإليه أشار بقوله: فالوادي بين الجبلين.
وبقوله: ونصيب المحقّ لبن خالص هو التّنزيه, بل ظاهر عبارته أنّ المشبِّه خير من المعطِّل, وتفسير هذا, وذكر الأدلّة فيه والرّد على المبتدعة يحتمل تأليفاً مستقلاً, وليس هذا من مقاصد هذا الكتاب, وإنّما القصد فيه تنزيه الإمام /أحمد عن التّشبيه الذي وصمه به المعترض.
ولنورد في هذا المقام كلام النّوويّ في حكاية مذهب أهل الحديث, وغيرهم من جماهير أهل السّنّة, قال النّوويّ في: ((شرح مسلم))2-وقد ذكر حديث ((يوم يكشف عن ساق)) -: ((أعلم أنّ لأهل العلم في أحاديث الصّفات, وآيات الصّفات قولين: أحدهما -وهو مذهب معظم السّلف3أو كلّهم-: أنّه لا يتكلم

في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء, وأنّه منزّه عن التّجسيم, وعن سائر صفات المخلوقين.
وهذا القول هو مذهب جماعة المتكلّمين, واختاره جماعة من محقّقيهم وهو أسلم.
والقول الثّاني: وهو مذهب معظم المتكلّمين أنّها تتأوّل, وإنّما يسوغ تأويلها للعارف بلسان العرب, وقواعد الأصول والفروع, ذي رياضة في العلم)) انتهى كلام النّووي.
وهو ظاهر في تنزيه الفقهاء من التّجسيم, وأحمد بإجماعهم من أئمتهم وجلّتهم, فلو كان مجسّماً ما كان عندهم بهذه المنزلة, ألا ترى أنّ النّووي لم يعدّ قول المجسّمة في أقوال أهل العلم, وقصر أقوال العلماء على قولين, وأحمد عنده من العلماء بغير شكّ.
فإن قلت: وما التّجسيم؟ قلت: هو إثبات الجسم لله تعالى.
قال الإمام يحيى بن حمزة في كتاب ((التحقيق, في التكفير والتّفسيق)): ((وعن الخليل بن أحمد في ((كتاب العين))1أنّه قال: ((الجسم البدن وجميع أعضائه من النّاس والدّوابّ ونحو ذلك مما عظم في الخلقة, وأنشد الخليل: وأجسم من عاد جسوم رجالهم... وأكثر إن عدّوا عديداً من التّرب

انتهى كلام الإمام يحيى بن حمزة.
وقال في ((مجمل اللّغة))1لأبي [الحسين]2أحمد بن فارس بن زكرياء: ((الجسم كلّ شخص مدرك. كذا رأيته في ((كتاب ابن دريد)).3
وكلّ عظيم الجسم جسيم وجسام, والجثمان الشّخص)).4
وفي ((المجمل))5وفي ((كتاب الخليل))6أنّ الجسد لا يقال لغير الإنسان من [خلق] الأرض.
وفي كتاب ((الضّياء))7لمحمّد بن نشوان الحميريّ: الجسم كلّ شخص مدرك.
لكنّه فسّر الشّخص بالجسم, فدار كلامه ولم يظهر مقصده.
وأمّا التّشبيه فهو أخصّ من التّجسيم لاختلاف عرف أهل اللّغة العربية وأهل الاصطلاح العرفيّ, وقد تكلّم الأصوليون على ذلك في مسألة نفي المساواة وما هي تقتضي, والله سبحانه أعلم.
الوهم العاشر: قال: ((وقد نسب إلى الشّافعي القول بالرّؤية8, فطرّق عليه الاحتمال, لأنّ الرّؤية إنّما تكون بكيف أو بلا كيف,

والكيفية1تجسيم لا محالة)).
أقول: قد توهّم المعترض أنّ إسلام الإمام الشّافعي - رضي الله عنه - مشكوك فيه, وأراد أن يقرّب كفره وخروجه من الإسلام, فلم يزد على أن تعرّض لأن يبوء بالكفر, وعرّض نفسه للتّكذيب والخسر, فأمّا الإمام الشّافعي فهو أرفع من أن ينقصه كلام سفيه/, رشح إناؤه بما فيه.
ما يضرّ البحر أمسى زاخراً... أن رمى فيه سفيه بحجر ومن جلالة2الشّافعيّ - رضي الله عنه - أنّ كلّ طائفة من المعتزلة, وأهل السّنّة تدّعيه وتتشرّف أن تكون من متّبعيه, فيا هذا مالك, وهذه الحماقة؟ أليس شيوخ المعتزلة مفصحين3بدعوى موافقتهم للشّافعيّ في العقيدة؟ أليس قاضي قضاتهم عبد الجبار4, وأمثاله من جملة خدّام أقواله القديمة والجديدة؟! فهم في الفروع غير مستنكفين من التّشرف بالنّسبة إليه, ولا مستكبرين من التّعويل في التّقليد عليه, وهم في العقيدة مدّعون لموافقته داعون إلى

عقيدته1, وكفى ما ذكره عالمهم الكبير أبو سعد المحسّن بن كرّامة الشّهير بالحاكم في كتابه ((شرح العيون)).
وأمّا التّعرّض لتكفيره -صانه الله من ذكر ذلك- لكون القول بالرّؤية روي عنه, فهذه علّة يلزم المعتلّ بها تكفير كثير من أئمة الإسلام, وجلّة علمائه الأعلام, فقد رويت الرّؤية من2الصّحابة... -رضي الله تعالى عنهم-, عن إمام الجميع3علي بن أبي طالب, وإمام المعتزلة وأهل السّنّة أبي بكر الصّدّيق4-رضي الله عنهما- وعن ابن عبّاس, وحذيفة بن اليمان, وعبد الله بن مسعود, ومعاذ بن جبل, وأبي هريرة, عبد الله بن عمر بن الخطّاب, وفضالة بن عبيد, وأنس بن مالك, وجابر بن عبد الله الأنصاري, وكعب الأحبار.
ومن التّابعين وغيرهم: سعيد بن المسيّب, والحسن البصريّ, وعبد الرّحمن بن أبي ليلى, وعمر بن عبد العزيز, والأعمش, وسعيد ابن جبير, وطاووس, وهشام بن حسّان, والقاضي شريك [و]5ابن

أبي نمر, وعبد الله بن المبارك, وأئمة المذاهب الأربعة, والأوزاعي, وإسحق بن راهويه, واللّيث بن سعد, وسفيان بن عيينة, ووكيع بن الجرّاح, وقتيبة بن سعيد, وأبي عبيد القاسم بن سلاّم, وغيرهم, فكلّ هؤلاء روي عنهم القول بالرّؤية, فإن كان كلّ من روي عنه ذلك لزم الشّكّ في إسلامه, والطّرح لمذهبه, وروايته؛ لزم المعترض التشكيك في إسلام1عصابة الإسلام, وركن الإيمان: الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان, الذين أطبق السّلف والخلف عن الاقتداء بهم2, والقبول لقولهم, والانتفاع بمعارفهم ومذاهبهم.
وإن كان المعترض يكذّب الرّواة لذلك عنهم أو يتأوّل معنى ذلك, وإن صحّ صدوره منهم, فهلاّ فعل في حقّ الإمام الشّافعيّ مثل ذلك! وسلك به في الحمل على السّلامة أوضح المسالك؟!.
/الوهم الحادي عشر: وهم هذا المعترض أنّه يمكنه التّشكيك في علم أبي حنيفة - رضي الله عنه - , واعتلّ في ذلك بأنّه قد رمي بالقصور في علميّ العربية والحديث, أمّا العربية؛ فلقوله: بأبا قبيس, وأمّا الحديث؛ فلأنّه كان يروي عن المضعّفين وما ذلك إلا لقلّة علمه بالحديث)) انتهى كلامه.
وكان قد قدّمه قبل هذا الموضع في المسألة الأولى: لكنّي

أحببت1أن أجمع الذّبّ عن أئمة الإسلام2الأربعة في موضع واحد فأقول: لا يخلو إمّا أن ينكر صدور الفتوى عنه - رضي الله عنه - , وينكر نقل الخلف والسّلف لمذاهبه3في الفقه, أو يقرّ بذلك, إن أنكره أنكر الضّرورة, ولم تكن لمناظرته صورة, وإن لم ينكره فهو يدلّ على اجتهاده, ولنا في الاستدلال به4على ذلك مسالك: المسلك الأوّل: أنّه ثبت بالتّواتر فضله وعدالته, وتقواه وأمانته, فلو أفتى بغير علم وتأهّل لذلك وليس له بأهل لكان جرحاً في عدالته, وقدحاً في ديانته وأمانته, ووصماً في عقله ومروءته, لأنّ تعاطي الإنسان ما لا يحسنه, ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه, من عادات السّفهاء, ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخسّة والدّناءة, ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوصمة القبيحة, والبدعة5الشّنيعة.
المسلك الثّاني: أنّ رواية العلماء لمذاهبه, وتدوينها في كتب الهداية, وخزائن الإسلام؛ تدلّ على أنّهم قد عرفوا اجتهاده لأنّه لا يحلّ لهم رواية مذهبه6إلاّ بعد المعرفة بعلمه لأنّ إيهام ذلك من غير

معرفة محرّم, لما يتركّب1عليه من الأحكام الشّرعيّة المجمع عليها, كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه, والمختلف فيها.
كانخرام إجماع من بعده بخلافه, وجواز تقليده بعد موته.
المسلك الثّالث: أن نقول: الإجماع منعقد على اجتهاده, فإن خالف في ذلك مخالف فقد انعقد الإجماع بعد موته, وإنّما قلنا بذلك لأنّ أقواله متداولة بين العلماء الأعلام, سائرة في مملكة الإسلام, في الشّرق والغرب واليمن والشّام, من عصر التّابعين من سنة خمسين ومائة إلى يوم النّاس هذا وهو أوّل المائة التّاسعة بعد الهجرة, لا ينكر على من يرويها ولا على2من يعتمد عليها, والمسلمون بين عامل عليها, وساكت عن الإنكار على من يعمل عليها, وهذه الطّريقة [هي]3التي يثبت بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع.
المسلك الرّابع: أنّه قد نصّ كثير من الأئمة والعلماء على أنّ أحد الطّرق الدّالّة على اجتهاد العالم /هي: انتصابه للفتيا, ورجوع عامّة المسلمين إليه من غير نكير من العلماء والفضلاء, وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم أصول الفقه, وهناك يذكر الدّليل على أنّ ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالم وجواز تقليده.
وممن ذكر ذلك من أئمة الزّيديّة, وشيوخ المعتزلة المنصور بالله في كتابه: ((الصّفوة)) , وأبو الحسين البصري في كتابه

((المعتمد))1, وهذا في سكوت سائر العلماء عن النّكير على المفتي, فكيف بسكوت ركن الإسلام من عصابة التّابعين, ونبلاء سادات المسلمين [الذين]2هم من خير القرون بنصّ سيّد المرسلين, فقد كان الإمام أبو حنيفة معاصراً لذلك الطّراز الأوّل كما سيأتي, وقد تطابق الفريقان من أهل السّنّة والاعتزال, على التّعظيم لأبي حنيفة والإجلال؛ أمّا أهل السّنّة: فذلك أظهر من الشّمس, وأوضح من أن يدخل فيه اللبس.
وليس يصحّ في الأفهام شيء... إذا احتاج النّهار إلى دليل3وأمّا المعتزلة: فقد تشرّفوا4بالانتساب إليه, والتّعويل في التّقليد عليه, كأبي عليّ, وولده أبي هاشم من متقدّميهم, وأبي5الحسين البصري, والزّمخشريّ من متأخّريهم6, وهم وإن قدّرنا دعواهم الاجتهاد, والخروج من التّقليد, فذلك إنّما كان بعد طلبهم العلم وطول المدّة, وهم قبل ذلك وفي خلال ذلك معترفون باتباع

أقواله, وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه والمتابعة في المعارف لرسمه, وفي كلام علاّمتهم الزّمخشريّ: ((وتّد الله الأرض بالأعلام المنيفة, كما وطّد الحنيفيّة بعلوم أبي حنيفة. الأئمة الجلّة الحنفية, أزمّة الملّة الحنيفيّة, الجود والحلم حاتميّ وأحنفيّ, والدّين والعلم حنيفيّ وحنفيّ)).1
وقد عقد الحاكم أبو سعد2فصلاً في فضل أبي حنيفة, وعلمه ذكره في كتابه ((سفينة العلوم))3, وقد أطبق أهل التّاريخ على تعظيمه, وأفرد بعضهم سيرته - رضي الله عنه - في كتاب سمّاه ((شقائق النّعمان في مناقب النّعمان))4: ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلاً ومن حلية العلم عاطلاً ما تطابقت جبال العلم من الحنفيّة على الاشتغال بمذاهبه, كالقاضي أبي يوسف, ومحمّد بن الحسن الشّيبانيّ, والطّحاويّ, وأبي5الحسن الكرخيّ, وأمثالهم وأضعافهم, فعلماء الطّائفة الحنفيّة في الهند, والشّام, ومصر, واليمن, والجزيرة, والحرمين, والعراقين منذ مئة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سنة, فهم ألوف لا ينحصرون, وعوالم لا يحصون

من أهل العلم /والفتوى, والورع والتّقوى, فكيف يجترىء هذا المعترض, ويجوّز عليهم أنّهم تطابقوا على الاستناد إلى عامّي جاهل لا يعرف أنّ الباء تجرّ ما بعدها, ولا يدري ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ما هذا إلا كلام عامّي أو أعمى, يخبط من الجهل في ظلماً.
وهبك تقول هذا الصّبح ليل... أيعمى العالمون عن الضّياء1وأمّا ما قدح به على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم باللّغة العربيّة فلا شكّ أنّ هذا كلام متحامل, متنكّب عن سبيل المحامل, فقد كان الإمام أبو حنيفة من أهل اللّسان القويمة2واللّغة الفصيحة.
وليس بنحويّ يلوك لسانه... ولكن سيلقيّ يقول فيعرب وذلك لأنّه أدرك زمان العرب, واستقامة اللّسان, فعاصر جريراً والفرزدق, ورأى أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّتين, وقد توفّي أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين من الهجرة3, والظّاهر أنّ أبا حنيفة ما رآه وهو في المهد, بل رآه بعد التّمييز, يدلّ على ذلك

أنّ1أبا حنيفة كان من المعمّرين, وتأخّرت وفاته إلى سنة خمسين ومائة, وقد جاوز التسعين2من العمر, وهذا يقتضي أنّه بلغ الحلم, وأدرك بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدر الثّمانين [سنة]3لأنّه - عليه السلام - توفّي بعد مضي عشر من الهجرة, وهذا يدلّ على تقدم أبي حنيفة وإدراكه زمان العرب, وهو أقدم الأئمة وأكبرهم سنّاً, فهذا مالك على تقدّمه توفّي بعده بنحو ثلاثين سنة, ولا شكّ أنّ تغيّر اللّسان في ذلك الزّمان كان يسيراً, وأنّه لم يشتغل في ذلك الزّمان بعلم اللّغة وفنّ الأدب أحد من مشاهير العلماء المتبوعين المعتمد عليهم في التّقليد, لعدم مسيس الحاجة إلى ذلك في ذلك العصر كما أشار إلى ذلك أبو السّعادات ابن الأثير في ديباجة كتابه: ((النّهاية))4, وكما لا يخفي ذلك على من له أنس بعلم التّاريخ, فلو أوجبنا قراءة علم العربيّة في ذلك الزّمان على المجتهد لم نقتصر على أبي حنيفة, ولزم أن لا

يصحّ احتجاج1علماء العربيّة بأشعار جرير والفرزدق, وهذا ما لم يقل به أحد, وإنّما اختلّ اللّسان الاختلال الكثير في حقّ بعض النّاس بعد ذلك العصر, وقد سلم من تغيّر اللّسان من لم يخالط العجم في الأمصار من خلّص العرب, وأدرك الزّمخشري كثيراً منهم ممن لزم البادية, وأكثر ما أسرع التّغيّر إلى العامّة ومن لا تمييز له, وقد قال الأمير العالم الحسين بن محمد في كتاب ((شفاء الأوام)): /إنّ الإمام يحيى بن الحسين - رضي الله عنه - كان عربيّ اللّسان حجازيّ اللّغة2من غير قراءة, وروى [علاّمة الشّيعة]3عليّ بن عبد الله بن أبي الخير أنّه قرأ في العربيّة أربعين يوماً, وهذا وهو4توفي على رأس ثلاث مائة من الهجرة.
وأمّا سنة ثمانين من الهجرة, فليس أحد من أهل التّمييز يعتقد أنّ أهل العلم في ذلك الزّمان كانوا لا يتمكّنون من معرفة معاني كلام الله ورسوله إلا بعد ((قراءة في علم العربيّة, ولو كان ذلك منهم لنقل ذلك, وعرف شيوخ التّابعين فيه, وليت شعري من كان شيخ5علقمة بن قيس, وأبي مسلم الخولاني, ومسروق [بن] الأجدع, وجبير بن نفير, وكعب الأحبار, أو من كان شيوخ من بعدهم من

التّابعين؟ كالحسن, وأبي الشّعثاء1, وزين العابدين, وإبراهيم التّيميّ, والنّخعيّ, وسعيد بن جبير, وطاووس, وعطاء والشعبي ومجاهد, وأضرابهم, فما خصّ أبا حنيفة بوجوب تعلّم العربيّة, وفي أيّ المصنّفات البسيطة يقرأ في ذلك الزّمان؟.
وأمّا قوله: بأبا قبيس فالجواب عنه من وجوه: الأوّل: أنّ هذا يحتاج إلى طرق صحيحة, والمعترض قد شدّد في نسبة الصّحاح إلى أهلها مع اشتهار سماعها, والمحافظة على ضبطها, فكيف بمثل هذا2؟!.
الثّاني: أنّه3إن ثبت بطرق صحيحة, فإنّه لم يشتهر, ولم يصحّ مثل شهرة صدور الفتيا, ودعوى الاجتهاد عن الإمام أبي حنيفة, وقد تواتر علمه وفضله, وأجمع عليه, وليس يقدح في المعلوم بالمظنون, بل بما لا يستحق أن يسمّى مظنوناً.
الثالث: أنّا لو قدّرنا أنّ ذلك صحّ عنه بطريق معلومة لم يقدح به لأنّه ليس بلحن بل هو لغة صحيحة, حكاها الفراء عن بعض العرب وأنشد: إنّ أباها وأبا أباها... قد بلغا في المجد غايتاها4

الرّابع: سلّمنا أنّ هذا لحن لا وجه له, فإنّه لا يدلّ على عدم المعرفة, فإنّ كثيراً من علماء العربيّة يتكلّم بلسان العامّة ويتعمّد النّطق باللّحن, بل قد يتكلّم العربي بالعجميّة ولا يقدح ذلك في عربيّته, وعلى الجملة؛ فكيف ما دارت المسألة فإنّ ذلك لا يدلّ على قصور الإمام أبي حنيفة, بل يدلّ على غفلة المعترض به وتغفيله, وجرأته على وصم هذا الإمام الجليل وتجهيله.
وأمّا قدحه عليه بالرّواية عن المضعّفين, وقوله: إنّ ذلك ليس إلا لقلّة معرفته بالحديث؛ فهو وهم فاحش, لا يتكلّم به منصف.
والجواب على ذلك يتبيّن بذكر محامل:

فصول الكتاب · 143 فصل · 597 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
تأليف ابن الوزير
تقدّمك في الكتاب: الثالث — 76 من 144
فصول الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - · 597 صفحة
مقدمة الكتابتقديمفضيلة الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدمقدمة التحقيقأولاً: ترجمة المؤلّفالثروة العلمية التي خلّفهاالمدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحيالنسخة الخطية1: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.2 وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة... (1336هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج.مولدهذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخهثانياً: التعريف بالكتاباسم الكتاب.اسم الكتابإثبات نِسبة الكتاب إلى مؤلّفهتاريخ تأليفهسبب تأليفهمواردهالثناء على الكتاب وعكسهعلاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصرغرضه منه, ومنهجه فيهأمور لها علاقة بالمنهجطبعات الكتابمخطوطات الكتابالعلماء أصحاب التعليقاتخطة العمل في الكتابالنص المحققالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السّابع:الوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرتنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.التنبيه الثالثالمبحث الأولالمبحث الثانيالوجه الأولالوجه الثانيالمسألة الأولىالفصل الأوّل:الفصل الثّاني:الحجّة الأولى:الحجة الثانيةالحجة الثّالثة:البحث الثانيالبحث الثالثالبحث الرّابع:البحث الخامسالبحث السّادس:البحث السّابع:البحث الثّامن:البحث التّاسع:البحث العاشرالبحث الحادي عشرالنّوع الأوّل:النّوع الثّاني:الوجه الثّاني:المسألة الأولىالمسألة [الثّالثة]3: قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلمالنّظر الأوّل:النّظر الثّاني:النظر الثالثالنّظر الرّابع:النّظر الخامس:الأوّل:الثّاني:الوهم الثّاني:الموضع الأوّل:الموضع الثانيالموضع الثالثالموضع الرّابع:الثالثالمحمل الأولالمحمل الثّاني:المحمل الثّالث:المحمل الرّابع:المحمل الخامسالثّانيالأوّل:الثانيالثّالث:الرّابع:الخامسالسّادس:السّابع:الثّامن:التّاسع:العاشرالثّاني عشر:الثالث عشرالرّابع عشر:الطّريق الأولى:الطريق الثّانية:الفرقة الأولىالفرقة الثانيةالفرقة الثّالثة:الفرقة الرّابعة:الوهم الرّابع عشر:الوهم الخامس عشرالوهم السّادس عشر:الفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثّالث:الفصل الخامسالفصل الرّابع:الفصل الخامسالوهم الثّامن عشر:المقدمة الثّالثة:المقدّمة الرّابعة:المرجّح الأوّل:المرجّح الثّاني:المرجّح الثّالث:المرجّح الرّابع:المرجّح الخامس:المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّلالمرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغويالأولىالثانيةمحاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروحالفصل الأولالفصل الثّاني:أمّا المعارضة:الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسىالوجه الثّاني:الحجّة الأولى:الحجّة الثّانية:الحجّة الثّالثة:الحجّة الرّابعة:الحجّة الخامسة:الحجّة السّادسة:الحجّة السّابعة:الحجّة الثّامنة:الحجّة التّاسعة:الحجّة العاشرة:الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائفالطّائفة الأولى المجبّرة:
الطّائفة الثانية: المرجئة
المسألة الأولىالمسألة الثّانية:
جارٍ التحميل