منظومة · ابن القيم
فصل: في مقدمة نافعة قبل التحكيم
١٨٨
يا أيها الرجل المريد نجاته
اسمع مقالة ناصح معوان
١٨٩
كن في أمورك كلها متمسكا
بالوحي لا بزخارف الهذيان
١٩٠
وانصر كتاب الله والسنن التي
جاءت عن المبعوث بالفرقان
١٩١
واضرب بسيف الوحي كل معطل
ضرب المجاهد فوق كل بنان
١٩٢
واحمل بعزم الصدق حملة مخلص
متجرد لله غير جبان
١٩٣
واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى
فإذا أصبت ففي رضا الرحمن
١٩٤
واجعل كتاب الله والسنن التي
ثبتت سلاحك ثم صح بجنان
١٩٥
من ذا يبارز فليقدم نفسه
أو من يسابق يبد في الميدان
١٩٦
واصدع بما قال الرسول ولا تخف
من قلة الأنصار والأعوان
١٩٧
فالله ناصر دينه وكتابه
والله كاف عبده بأمان
١٩٨
لا تخش من كيد العدو ومكرهم
فقتالهم بالكذب والبهتان
١٩٩
فجنود أتباع الرسول ملائك
وجنودهم فعساكر الشيطان
٢٠٠
شتان بين العسكرين فمن يكن
متحيرا فلينظر الفئتان
٢٠١
واثبت وقاتل تحت رايات الهدى
واصبر فنصر الله ربك دان
٢٠٢
واذكر مقاتلهم لفرسان الهدى
لله در مقاتل الفرسان
٢٠٣
وادرأ بلفظ النص في نحر العدا
وارجمهم بثواقب الشهبان
٢٠٤
لا تخش كثرتهم فهم همج الورى
وذبابه أتخاف من ذبان
٢٠٥
واشغلهم عند الجدال ببعضهم
بعضا فذاك الحزم للفرسان
٢٠٦
وإذا هم حملوا عليك فلا تكن
فزعا لحملتهم ولا بجبان
٢٠٧
واثبت ولا تحمل بلا جند فما
هذا بمحمود لدى الشجعان
٢٠٨
فاذا رأيت عصابة الإسلام قد
وافت عساكرها مع السلطان
٢٠٩
فهناك فاخترق الصفوف ولا تكن
بالعاجز الواني ولا الفزعان
٢١٠
وتعر من ثوبين من يلبسهما
يلقى الردى بمذمة وهوان
٢١١
ثوب من الجهل المركب فوقه
ثوب التعصب بئست الثوبان
٢١٢
وتحل بالإنصاف أفخر حلة
زينت بها الأعطاف والكتفان
٢١٣
واجعل شعارك خشية الرحمن مع
نصح الرسول فحبذا الأمران
٢١٤
وتمسكن بحبله وبوحيه
وتوكلن حقيقة التكلان
٢١٥
فالحق وصف الرب وهو صراطه الـ
هادي إليه لصاحب الإيمان
٢١٦
وهو الصراط عليه رب العرش أيـ
ضا وذا قد جاء في القرآن
٢١٧
والحق منصور وممتحن فلا
تعجب فهذي سنة الرحمن
٢١٨
وبذاك يظهر حزبه من حزبه
ولأجل ذاك الناس طائفتان
٢١٩
ولأجل ذاك الحرب بين الرسل والـ
كفار مذ قام الورى سجلان
٢٢٠
لكنما العقبى لأهل الحق إن
فاتت هنا كان لدى الديان
٢٢١
واجعل لقلبك هجرتين ولا تنم
فهما على كل امرئ فرضان
٢٢٢
فالهجرة الأولى إلى الرحمن بالـ
إخلاص في سر وفي إعلان
٢٢٣
فالقصد وجه الله بالأقوال وال
أعمال والطاعات والشكران
٢٢٤
فبذاك ينجو العبد من إشراكه
ويصير حقا عابد الرحمن
٢٢٥
والهجرة الأخرى الى المبعوث بالـ
حق المبين وواضح البرهان
٢٢٦
فيدور مع قول الرسول وفعله
نفيا وإثباتا بلا روغان
٢٢٧
ويحكم الوحي المبين على الذي
قال الشيوخ فعنده حكمان
٢٢٨
لا يحكمان بباطل أبدا وكل
العدل قد جاءت به الحكمان
٢٢٩
وهما كتاب الله أعدل حاكم
فيه الشفا وهداية الحيران
٢٣٠
والحاكم الثاني كلام رسوله
ما ثم غيرهما لذي إيمان
٢٣١
فإذا دعوك لغير حكمهما فلا
سمعا لداعي الكفر والعصيان
٢٣٢
قل لا كرامة لا ولا نعمى ولا
طوعا لمن يدعو إلى طغيان
٢٣٣
وإذا دعيت إلى الرسول فقل لهم
سمعا وطوعا لست ذا عصيان
٢٣٤
وإذا تكاثرت الخصوم وصيحوا
فاثبت فصيحتهم كمثل دخان
٢٣٥
يرقى إلى الأوج الرفيع وبعده
يهوي إلى قعر الحضيض الداني
٢٣٦
هذا وإن قتال حزب الله بالـ
أعمال لا بكتائب الشجعان
٢٣٧
والله ما فتحوا البلاد بكثرة
أنى وأعداءهم بلا حسبان
٢٣٨
وكذاك ما فتحوا القلوب بهذه الـ
آراء بل بالعلم والإيمان
٢٣٩
وشجاعة الفرسان نفس الزهد في
نفس وذا محذور كل جبان
٢٤٠
وشجاعة الحكام والعلماء زهـ
ـد في الثناء من كل ذي بطلان
٢٤١
فإذا هما اجتمعا لقلب صادق
شدت ركائبه إلى الرحمن
٢٤٢
واقصد غالى الأقران لا أطرافها
فالعز تحت مقاتل الأقران
٢٤٣
واسمع نصيحة من له خبر بما
عند الورى من كثرة الجولان
٢٤٤
ما عندهم والله خير غير ما
أخذوه عمن جاء بالقرآن
٢٤٥
والكل بعد فبدعة أو فرية
أو بحث تشكيك ورأي فلان
٢٤٦
فاصدع بأمر الله لا تخش الورى
في الله واخشاه تفز بأمان
٢٤٧
واهجر ولو كل الورى في ذاته
لا في هواك ونخوة الشيطان
٢٤٨
واصبر بغير تسخط وشكاية
واصفح بغير عتاب من هو جان
٢٤٩
واهجرهم الهجر الجميل بلا أذى
إن لم يكن بد من الهجران
٢٥٠
وانظر غالى الأقدار جارية بما
قد شاء من غي ومن إيمان
٢٥١
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما
بالحق في ذا الخلق ناظرتان
٢٥٢
فانظر بعين الحكم وارحمهم بها
إذ لا ترد مشيئة الديان
٢٥٣
وانظر بعين الأمر واحملهم على
أحكامه فهما إذا نظران
٢٥٤
واجعل لوجهك مقلتين كلاهما
من خشية الرحمن باكيتان
٢٥٥
لو شاء ربك كنت أيضا مثلهم
فالقلب بين أصابع الرحمن
٢٥٦
واحذر كمائن نفسك اللاتي متى
خرجت عليك كسرت كسر مهان
٢٥٧
وإذا انتصرت لها فأنت كمن بغى
طفي الدخان بموقد النيران
٢٥٨
والله أخبر وهو أصدق قائل
أن سوف ينصر عبده بأمان
٢٥٩
من يعمل السوءى سيجزى مثلها
أو يعمل الحسنى يفز بجنان
٢٦٠
هذي وصية ناصح ولنفسه
وصى وبعد سائر الإخوان