منظومة · ابن القيم
فصل: في بيان أن التعطيل أساس الزندقة والكفران والإثبات أساس العلم والإيمان
٣٨٧٢
من قال إن الله ليس بفاعل
فعلا يقوم به قيام معان
٣٨٧٣
كلا وليس الأمر أيضا قائما
بالرب بل من جملة الأكوان
٣٨٧٤
كلا وليس الله فوق عباده
بل عرشه خلو من الرحمن
٣٨٧٥
فثلاثة والله لا تبقي من الإ
يمان حبة خردل بوزان
٣٨٧٦
وقد استراح معطل هذه الثلا
ث من الإله وجملة القرآن
٣٨٧٧
ومن الرسول ودينه وشريعة
الإسلام بل من جملة الأديان
٣٨٧٨
وتمام ذاك جحوده لصفاته
والذات دون الوصف ذو بطلان
٣٨٧٩
وتمام ذا الإيمان إقرار الفتى
بالله فاطر هذه الأكوان
٣٨٨٠
فإذا أقر به وعطل كل مفـ
ـروض ولم يتوق من عصيان
٣٨٨١
لم ينقص الإيمان حبة خردل
أنى وليس بقابل النقصان
٣٨٨٢
وتمام هذا قوله أن النبـ
ـوة ليس وصفا قام به الإنسان
٣٨٨٣
لكن تعلق ذلك المعنى القديـ
ـم بواحد من جملة الإنسان
٣٨٨٤
هذا وما ذاك التعلق ثابتا
في خارج بل ذاك في الأذهان
٣٨٨٥
فتعلق الأقوال لا يعطي الذي
وقفت عليه الكون في الأعيان
٣٨٨٦
هذا إذا ما حصل المعنى الذي
قلتم هو النفسي في البرهان
٣٨٨٧
لكن جمهور الطوائف لم يروا
ذا ممكنا بل ذاك ذو بطلان
٣٨٨٨
ما قال هذا غيركم من سائر النـ
ـظار في الآفاق والأزمان
٣٨٨٩
تسعون وجها بينت بطلانه
لولا القريض لسقتها بوزان
٣٨٩٠
يا قوم أين الرب؟ أين كلامه؟
أين الرسول فأوضحوا ببيان
٣٨٩١
ما فوق عرش الرب من هو قائل
طه ولا حرفا من القرآن
٣٨٩٢
ولقد شهدتم أن هذا قولكم
والله يشهد مع أولي الأيمان
٣٨٩٣
وارحمتاه لكم غبنتم حظكم
من كل معرفة ومن إيمان
٣٨٩٤
ونسبتم للكفر أولى منمكم
بالله والإيمان والقرآن
٣٨٩٥
هذي بضاعتكم فمن يستامها
فقد ارتضى بالجهل والخسران
٣٨٩٦
وتمام هذا قولكم في مبدأ
ومعادنا أعني المعاد الثاني
٣٨٩٧
وتمام هذا قولكم بفناء دا
ر الخلد فالداران فانيتان
٣٨٩٨
يا قومنا بلغ الوجود بأسره الد
نيا مع الأخرى مع الإيمان
٣٨٩٩
الخلق والأمر المنزل والجزا
ومنازل الجنات والنيران
٣٩٠٠
والناس قد ورثوه بعد فمنهم
ذو السهم والسهمين والسهمان
٣٩٠١
بئس المورث والمورث والترا
ث ثلاثة أهل لكل هوان
٣٩٠٢
يا وراثين نبيهم بشراكم
ما إرثكم مع إرثهم سيان
٣٩٠٣
شتان بين الوارثين وبين مو
روثيهما وسهام ذي سهمان
٣٩٠٤
يا قوم ما صاح الأئمة جهدهم
بالجهم من أقطارها بأذان
٣٩٠٥
إلا لما عرفوه من أقواله
ومآلها بحقيقة العرفان
٣٩٠٦
قول الرسول وقول جهم عندنا
في قلب عبد ليس يجتمعان
٣٩٠٧
نصحوكم والله جهد نصيحة
ما فيهم والله من خوان
٣٩٠٨
فخذو بهديهم فربي ضامن
ورسوله أن تفعلوا بجنان
٣٩٠٩
فإذا أبيتم فالسلام على من اتبـ
ـع الهدى وانقاد للقرآن
٣٩١٠
سيروا على نجب العزائم واجعلوا
بظهورها المسرى إلى الرحمن
٣٩١١
سبق المفرد وهو ذاكر ربه
في كل حال ليس ذا نسيان
٣٩١٢
لكن أخو الغفلات منقطع به
بين المفاوز تحت ذي الغيلان
٣٩١٣
صيد السباع وكل وحش كاسر
بئس المضيف لأعجز الضيفان
٣٩١٤
وكذلك الشيطان يصطاد الذي
لا يذكر الرحمن كل أوان
٣٩١٥
والذكر أنواع فأعلى نوعه
ذكر الصفات لربنا المنان
٣٩١٦
وثبوتها أصل لهذا الذكر والنـ
ـافي لها داع إلى النسيان
٣٩١٧
فلذاك كان خليفة الشيطان ذا
لا مرحبا بخليفة الشيطان
٣٩١٨
والذاكرون على مراتبهم فأعـ
ـلاهم أولو الإيمان والعرفان
٣٩١٩
بصفاته العليا إذا قاموا بحمـ
ـد الله في سر وفي إعلان
٣٩٢٠
وأخص أهل الذكر بالرحمن أعـ
ـلمهم بها هم صفوة الرحمن
٣٩٢١
وكذاك كان محمد وأبوه إبـ
ـراهيم والمولود من عمران
٣٩٢٢
وكذاك نوح وابن مريم عندنا
هم خير خلق الله من إنسان
٣٩٢٣
لمعارف حصلت لهم بصفاته
لم يؤتها أحد من الإنسان
٣٩٢٤
وهم أولو العزم الذي بسورة الأ
حزاب والشورى أتوا ببيان
٣٩٢٥
وكذلك القرآن مملوء من الأ
وصاف وهي القصد بالقرآن
٣٩٢٦
ليصير معروفا لنا بصفاته
ويصير مذكورا لنا بجنان
٣٩٢٧
ولسان أيضا مع محبتنا له
فلأجل ذا الثبات في الإيمان
٣٩٢٨
مثل الأساس من البناء فمن يرم
هدم الأساس فكيف بالبنيان
٣٩٢٩
والله ما قام البناء لدين رسـ
ـل الله بالتعطيل للديّان
٣٩٣٠
ما قام إلا بالصفات مفصلا
إثباتها تفصيل ذي عرفان
٣٩٣١
فهي الأساس لديننا ولكل ديـ
ـن قبله من سائر الأديان
٣٩٣٢
وكذاك زندقة العباد أساسها التـ
ـعطيل يشهد ذا أولو العرفان
٣٩٣٣
والله ما في الأرض زندقة بدت
إلا من التعطيل والنكران
٣٩٣٤
والله ما في الأرض زندقة بدت
من جانب الإثبات والقرآن
٣٩٣٥
هذي زنادقة العباد جميعهم
ومصنفاتهم بكل مكان
٣٩٣٦
ما فيهم أحد يقول الله فو
ق العرش مستول على الأكوان
٣٩٣٧
ويقول إن الله جل جلاله
متكلم بالوحي والقرآن
٣٩٣٨
ويقول إن الله كلم عبده
موسى فأسمعه بذي الآذان
٣٩٣٩
ويقول إن النقل غير معارض
للعقل بل أمران متفقان
٣٩٤٠
والنقل جاء بما يحار العقل فيـ
ـه لا بالمحال البيّن البطلان
٣٩٤١
فانظر إلى الجهمي كيف أتى إلى
أس الهدى ومعاقل الإيمان
٣٩٤٢
بمعاول التعطيل يقطعها فما
يبقى على التعطيل من إيمان
٣٩٤٣
يدري بهذا عارف بمآخذ ال
أقوال مضطلع بهذا الشان
٣٩٤٤
والله لو حدقتم لرأيتم
هذا وأعظم منه رأي عيان
٣٩٤٥
لكن على تلك العيون غشاوة
ما حيلة الكحال في العميان