منظومة · ابن القيم
فصل: في زهد أهل العلم والإيمان وإيثارهم الذهب الباقي على الخزف الفاني
٥٦٨٠
لكن ذا الإيمان يعلم أن هـ
ـذا كالظلال وكل هذا فان
٥٦٨١
كخيال طيف ما استتم زيارة
إلا وصبح رحيله بأذان
٥٦٨٢
وسحابة طلعت بيوم صائف
فالظل منسوخ بقرب زمان
٥٦٨٣
وكزهرة وافى الربيع بحسنها
أو لامعا فكلاهما أخوان
٥٦٨٤
أو كالسراب يلوح للظمآن في
وسط الهجير بمستوى القيعان
٥٦٨٥
أو كالأماني طاب منها ذكرها
بالقول واستحضارها بجنان
٥٦٨٦
وهي الغرور رؤوس أموال المفا
ليس الألى اتجروا بلا أثمان
٥٦٨٧
أو كالطعام يلذ عند مساغه
لكن عقباه كما تجدان
٥٦٨٨
هذا هو المثل الذي ضرب الرسو
ل لها وذا في غاية التبيان
٥٦٨٩
وإذا أردت ترى حقيقتها فخذ
منه مثالا واحدا ذا شان
٥٦٩٠
أدخل بجهدك أصبعا في اليم وانـ
ـظر ما تعلقه أذا بعيان
٥٦٩١
هذا هو الدنيا كذا قال الرسو
ل ممثلا والحق ذو تبيان
٥٦٩٢
وكذاك مثلها بظل الدوح في
وقت الحرور لقائل الركبان
٥٦٩٣
هذا ولو عدلت جناح بعوضة
عند الإله الحق في الميزان
٥٦٩٤
لم يسق منها كافرا من شربة
ماء وكان الحق بالحرمان
٥٦٩٥
تالله ما عقل امرئ قد باع ما
يبقى بما هو مضمحل فان
٥٦٩٦
هذا ويفتي ثم يقضي حاكما
بالحجر من سفه لذا الإنسان
٥٦٩٧
إذ باع شيئا قدره فوق الذي
يعتاضه من هذه الأثمان
٥٦٩٨
فمن السفيه حقيقة إن كنت ذا
عقل وأن العقل للسكران
٥٦٩٩
والله لو أن القلوب شهدن منـ
ـا كان شأن غير هذا الشان
٥٧٠٠
نفس من الأنفاس هذا العيش إن
قسناه بالعيش الطويل الثاني
٥٧٠١
يا خسة الشركاء مع عدم الوفا
ء وطول جفوتها من الهجران
٥٧٠٢
هل فيك معتبر فيسلو عاشق
بمصارع العشاق كل زمان
٥٧٠٣
لكن على تلك لعيون غشاوة
وعلى القلوب أكنة النسيان
٥٧٠٤
وأخو البصائر حاضر متيقظ
متفرد عن زمرة العميان
٥٧٠٥
يسمو إلى ذاك الرفيق الأرفع الأ
على وخلى اللعب للصبيان
٥٧٠٦
والناس كلهم فصبيان وإن
بلغوا سوى الأفراد والوحدان
٥٧٠٧
وإذا ما رأى ما يشتهيه قال مو
عدك الجنان وجد في الأثمان
٥٧٠٨
وإذا أبت إلا الجماح أعاضها
بالعلم بعد حقائق الإيمان
٥٧٠٩
ويرى من الخسران بيع الدائم الـ
ـباقي به يا ذلة الخسران
٥٧١٠
ويرى مصارع أهلها من حوله
وقلوبهم كمراجل النيران
٥٧١١
حسراتها هن الوقود فإن خبت
زادت سعيرا بالوقود الثاني
٥٧١٢
جاؤوا فرادى مثل ما خلقوا بلا
مال ولا أهل ولا إخوان
٥٧١٣
ما معهم شيء سوى الأعمال فهـ
ـي متاجر للنار أو لجنان
٥٧١٤
تسعى بهم أعمالهم سوقا إلى الد
ارين سوق الخيل بالركبان
٥٧١٥
صبروا قليلا فاستراحوا دائما
يا عزة التوفيق للإنسان
٥٧١٦
حمدوا التقى عند الممات كذا السرى
عند الصباح فحبذا الحمدان
٥٧١٧
وحدت بهم عزماتهم نحو العلى
وسروا فما نزلوا إلى نعمان
٥٧١٨
باعوا الذي يفنى من الخزف الخسيـ
ـس بدائم من خالص العقيان
٥٧١٩
رفعت لهم في السير أعلام السعا
دة والهدى يا ذلة الحيران
٥٧٢٠
فتسابق الأقوام وابتدروا لها
كتسابق الفرسان يوم رهان
٥٧٢١
وأخو الهوينى في الديار مخلف
مع شكله يا خيبة الكسلان