منظومة · ابن القيم
فصل: في بطلان قول الملحدين إن الاستدلال بكلام الله ورسوله لا يفيد العلم واليقين
٢٤٨٤
واحذر مقالات الذين تفرقوا
شيعا وكانوا شيعة الشيطان
٢٤٨٥
واسأل خبيرا عنهم ينبيك عن
أسرارهم بنصيحة وبيان
٢٤٨٦
قالوا الهدى لا يستفاد بسنة
كلا ولا أثر ولا قرآن
٢٤٨٧
إذ كل ذاك أدلة لفظية
لم تبد عن علم ولا إيقان
٢٤٨٨
فيها اشتراك ثم إجمال يرى
وتجوز بالتزييد والنقصان
٢٤٨٩
وكذلك الإضمار والتحقيق والحـ
ـذف الذي لم يبد عن تبيان
٢٤٩٠
والنقل آحاد فموقوف على
صدق الرواة وليس ذا برهان
٢٤٩١
إذ بعضهم في البعض يقدح دائما
والقدح فيهم فهو ذو إمكان
٢٤٩٢
وتواتر وهو القليل ونادر
جدا فأين القطع بالبرهان
٢٤٩٣
هذا ويحتاج السلامة بعد من
ذاك المعارض صاحب السلطان
٢٤٩٤
وهو الذي بالعقل يفرض صدقه
والنفي مظنون لدى الإنسان
٢٤٩٥
فلأجل هذا قد عزلناها
وولينا العقول ومنطق اليونان
٢٤٩٦
فانظر إلى الاستلام كيف بقاؤه
من بعد هذا القول ذي البطلان
٢٤٩٧
وانظر إلى القرآن معزولا لـ
ـديهم عن نفوذ ولاية الإيقان
٢٤٩٨
وانظر إلى قول الرسول كذاك معـ
ـزولا لديهم ليس ذا سلطان
٢٤٩٩
والله ما عزلوه تعظيما له
أيظن ذلك قط ذو عرفان
٢٥٠٠
يا ليتهم إذ يحكمون بعزله
لم يرفعوا رايات جنكسخان
٢٥٠١
يا ويلهم ولوا نتائج فكرهم
وقضوا بها قطعا على القرآن
٢٥٠٢
ورذالهم ولوا إشارات ابن سـ
ـينا حين ولوا منطق اليونان
٢٥٠٣
وانظر إلى نص الكتاب مجندلا
وسط العرين ممزق اللحمان
٢٥٠٤
بالطعن بالإجمال والإضمار
والتخصيص والتأويل بالبهتان
٢٥٠٥
والاشتراك وبالمجاز وحذف ما
شاؤوا بدعواهم بلا برهان
٢٥٠٦
وانظر إليه ليس ينفذ حكمه
بين الخصوم وما له من شان
٢٥٠٧
وانظر إليه ليس يقبل قوله
في العلم بالأوصاف للرحمن
٢٥٠٨
لكنما المقبول حكم العقل لا
حكامه لا يستوي الحكمان
٢٥٠٩
يبكي عليه أهله وجنوده
بدمائهم ومدامع الأجفان
٢٥١٠
عهدوه قدما ليس يحكم غيره
وسواه معزول عن السلطان
٢٥١١
إن غاب نابت عنه أقوال الرسو
ل هما لهم دون الورى حكمان
٢٥١٢
فأتاهم ما لم يكن في ظنهم
في حكم جنكسخان ذي الطغيان
٢٥١٣
بجنود تعطيل وكفران من المفعـ
ـول ثم اللاص والعلان
٢٥١٤
فعلوا بملته وسنته كما
فعلوا بأمته من العدوان
٢٥١٥
والله ما انقادوا لجنكسخان حتى أعـ
ـرضوا عن محكم القرآن
٢٥١٦
والله ما ولوه إلا بعد عز
ل الوحي عن علم وعن إيقان
٢٥١٧
عزلوه عن سلطانه وهو اليقـ
ـين المستفاد لنا من السلطان
٢٥١٨
هذا ولم يكف الذي فعلوه حتى
تمموا الكفران بالبهتان
٢٥١٩
جعلوا القرآن عضين إذ عضـ
ـهوه أنواعا معددة من النقصان
٢٥٢٠
منها انتفاء خروجه من ربنا
لم يبد من رب ولا رحمن
٢٥٢١
لكنه خلق من اللوح ابتداء
أو جبرئيل أو الرسول الثاني
٢٥٢٢
ما قاله رب السموات العلى
ليس الكلام بوصف ذي الغفران
٢٥٢٣
تبا لهم سلبوه أكمل وصفه
عضهوه عضه الريب والكفران
٢٥٢٤
هل يستوي بالله نسبته إلى
بشر ونسبته إلى الرحمن
٢٥٢٥
من أين للمخلوق عين صفاته
الله أكبر ليس يستويان
٢٥٢٦
بين الصفات وبين مخلوق كما
بين الإله وهذه الأكوان
٢٥٢٧
هذا وقد عضهوه أن نصوصه
معزولة عن إمرة الإيقان
٢٥٢٨
لكن غايتها الظنون وليته
ظنا يكون مطابقا ببيان
٢٥٢٩
لكن ظواهر ما يطابق ظنها
ما في الحقيقة عندنا بوزان
٢٥٣٠
إلا إذا ما أولت فمجازها
بزيادة فيها أو النقصان
٢٥٣١
أو بالكناية واستعارات وتشـ
ـبيه وأنواع المجاز الثاني
٢٥٣٢
فالقطع ليس يفيده والظن
منفي كذلك فانتفى الأمران
٢٥٣٣
فلم الملامة إذ عزلناها
وولينا العقول وفكرة الأذهان
٢٥٣٤
فالله يعظم في النصوص أجوركم
يا أمة الآثار والقرآن
٢٥٣٥
ماتت لدى الأقوام لا يحيونها
أبدا ولا تحييهم لهوان
٢٥٣٦
هذا وقولهم خلاف الحس
والمعقول والمنقول والبرهان
٢٥٣٧
مع كونه أيضا خلاف الفطرة الأو
لى وسنة ربنا الرحمن
٢٥٣٨
فالله قد فطر العباد على التفا
هم بالخطاب لمقصد التبيان
٢٥٣٩
كل يدل على الذي في نفسه
بكلامه من أهل كل لسان
٢٥٤٠
فترى المخاطب قاطعا بمراده
هذا مع التقصير في الإنسان
٢٥٤١
إذ كل لفظ غير لفظ نبينا
هو دونه في ذا بلا نكران
٢٥٤٢
حاشا كلام الله فهو الغاية القصـ
ـوى له أعلى ذرى التبيان
٢٥٤٣
لم يفهم الثقلان من لفظ كما
فهموا من الأخبار والقرآن
٢٥٤٤
فهو الذي استولى على التبيان
كاستيلائه حقا على الإحسان
٢٥٤٥
ما بعد تبيان الرسول لناظر
إلا العمى والعيب في العميان
٢٥٤٦
فانظر إلى قول الرسول لسائل
من صحبه عن رؤية الرحمن
٢٥٤٧
حقا ترون إلاهكم يوم اللقا
رؤيا العيان كما يرى القمران
٢٥٤٨
كالبدر ليل تمامه والشمس في
نحر الظهيرة ما هما مثلان
٢٥٤٩
بل قصده تحقيق رؤيتنا له
فأتى بأظهر ما يرى بعيان
٢٥٥٠
ونفى السحاب وذاك أمر مانع
من رؤية القمرين في ذا الآن
٢٥٥١
فأتى إذا بالمقتضى ونفى الموا
نع خشية التقصير في التبيان
٢٥٥٢
صلى عليه الله ما هذا الذي
يأتي به من بعد ذا ببيان
٢٥٥٣
ماذا يقول القاصد التبيان يا
أهل العمى من بعد ذا التبيان
٢٥٥٤
فبأي لفظ جاءكم قلتم له
ذا اللفظ معزول عن الإيقان
٢٥٥٥
وضربتم في وجهه بعسـ
ـاكر التأويل دفعا منكم بليان
٢٥٥٦
لو أنكم والله عاملتم بذا
أهل العلوم وكتبهم بوزان
٢٥٥٧
فسدت تصانيف الوجود بأسرها
وغدت علوم الناس ذات هوان
٢٥٥٨
هذا وليسوا في بيان علومهم
مثل الرسول ومنزل القرآن
٢٥٥٩
والله لو صح الذي قد قلتم
قطعت سبيل العلم والإيمان
٢٥٦٠
فالعقل لا يهدي إلى تفصيلها
لكن ما جاءت به الوحيان
٢٥٦١
فإذا غدا التفصيل لفظيا ومعـ
زولا عن الإيقان والرجحان
٢٥٦٢
فهناك لا علم أفادت لا ولا
ظنا وهذا غاية الحرمان
٢٥٦٣
لو صح ذاك القول لم يحصل لنا
قطع بقول قط من إنسان
٢٥٦٤
وغدا التخاطب فاسدا وفساده
أصل الفساد لنوع ذا الإنسان
٢٥٦٥
ما كان يحصل علمنا بشهادة
ووصية كلا ولا إيمان
٢٥٦٦
وكذلك الإقرار يصبح فاسدا
إذ كان محتملا لسبع معان
٢٥٦٧
وكذا عقود العالمين بأسرها
باللفظ إذ يتخاطب الرجلان
٢٥٦٨
أيسوغ للشهدا شهادتهم بها
من غير علم منهم ببيان
٢٥٦٩
إذ تكلم الألفاظ غير مفيدة
للعلم بل للظن ذي الرجحان
٢٥٧٠
بل لا يسوغ لشاهد أبدا شها
دته على مدلول نطق لسان
٢٥٧١
بل لا يراق دم بلفظ الكفر من
متكلم بالظن والحسبان
٢٥٧٢
بل لا يباح الفرج بالإذن الذي
هو شرط صحته من النسوان
٢٥٧٣
أيسوغ للشهداء جزمهم بأن
رضيت بلفظ قابل لمعان
٢٥٧٤
هذا وجملة ما يقال بأنه
في ذا فساد العقل والأديان
٢٥٧٥
هذا ومن بهتانهم أن اللغا
ت أتت بنقل الفرد والوحدان
٢٥٧٦
فانظر إلى الألفاظ في جريانها
في هذه الأخبار والقرآن
٢٥٧٧
أتظنها تحتاج نقلا مسندا
متواترا أو نقل ذي وحدان
٢٥٧٨
أم قد جرت مجرى الضرورات لا
تحتاج نقلا وهي ذات بيان
٢٥٧٩
إلا الأقل فإنه يحتاج للنقل
الصحيح وذاك ذو تبيان
٢٥٨٠
ومن المصائب قول قائلهم بـ
ـأن الله أظهر لفظة بلسان
٢٥٨١
وخلافهم فيه كثير ظاهر
عربي وضع ذاك أم سرياني
٢٥٨٢
وكذا اختلافهم أمشتقا يرى
أم جامدا قولان مشهوران
٢٥٨٣
والأصل ماذا فيه حلف ثابت
عند النحاة وذاك ذو ألوان
٢٥٨٤
هذا ولفظ الله أظهر لفظة
نطق اللسان بها مدى الأزمان
٢٥٨٥
فانظر بحق الله ماذا في الذي
قالوه من لبس ومن بهتان
٢٥٨٦
هل خالف العقلاء أن الله
رب العالمين مدبر الأكوان
٢٥٨٧
ما فيه إجمال ولا هو موهم
نقل المجاز ولا له وضعان
٢٥٨٨
والخلف في أحوال ذاك اللفظ لا
في وضعه لم يختلف رجلان
٢٥٨٩
وإذا هم اختلفوا بلفظة مكة
فيه لهم قولان معروفان
٢٥٩٠
أفبينهم خلف بأن مرادهم
حرم الإله وقلبة البلدان
٢٥٩١
وإذا هم اختلفوا بلفظة أحمد
فيه لهم قولان مذكوران
٢٥٩٢
أفبينهم خلف بأن مرادهم
منه رسول الله ذو البرهان
٢٥٩٣
ونظير هذا ليس يحصره كثرة
يا قوم فاستحيوا من الرحمن
٢٥٩٤
أبمثل ذا الهذيان قد عزلت نصو
ص الوحي عن علم وعن إيقان
٢٥٩٥
فالحمد لله المعافي عبده
مما بلاكم يا ذوي العرفان
٢٥٩٦
فلأجل ذا نبذوا الكتاب وراءهم
ومضوا على آثار كل مهان
٢٥٩٧
ولأجل ذاك غدوا على السنن التي
جاءت وأهليها ذوي أضغان
٢٥٩٨
يرمونهم كذبا بكل عظيمة
حاشاهم من إفك ذي بهتان