منظومة · ابن القيم
فصل: في بيان كذبهم ورميهم أهل الحق بأنهم أشباه الخوارج وبيان شبههم المحقق بالخوارج
٢٢١٠
ومن العجائب أنهم قالوا لمن
قد دان بالآثار والقرآن
٢٢١١
أنتم مثل الخوارج إنهم
أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان
٢٢١٢
فانظر إلى ذا ألهبت هذا وصفهم
نسبوا إليه شيعة الإيمان
٢٢١٣
سلو على سنن الرسول وحزبه
سيفين سيف يد وسيف لسان
٢٢١٤
خرجوا عليهم مثل ما خرج الألى
من قبلهم بالغي والعدوان
٢٢١٥
والله ما كان الخوارج هكذا
وهم البغاة أئمة الطغيان
٢٢١٦
كفرتم أصحاب سنته وهم
فساق ملته فمن يلحاني
٢٢١٧
إن قلت هم خير وأهدى منكم
والله ما الفئتان مستويان
٢٢١٨
شتان بين مكفر بالسنة
العليا وبين مكفر العصيان
٢٢١٩
قلتم تأولنا كذاك تأولوا
وكلاكما فئتان باغيتان
٢٢٢٠
ولكم عليهم ميزة التعطيل
والتحريف والتبديل والبهتان
٢٢٢١
ولهم عليكم ميزة الإثبات
والتصديق مع خوف من الرحمن
٢٢٢٢
ألكم على تأويلكم أجران إذ
لهم على تأويلهم وزران
٢٢٢٣
حاشا رسول الله من ذا الحكم بل
أنتم وهم في حكمه سيان
٢٢٢٤
وكلاكما للنص فهو مخالف
هذا وبينكما من الفرقان
٢٢٢٥
هم خالفوا نصا لنص مثله
لم يفهموا التوفيق بالإحسان
٢٢٢٦
لكنكم خالفتم المنصوص
للشبه التي هي فكرة الأذهان
٢٢٢٧
فلأي شيء أنتم خير وأقرب
منهم للحق والإيمان
٢٢٢٨
هم قدموا المفهوم من لفظ
الكتاب على الحديث الموجب التبيان
٢٢٢٩
لكنكم قدمتمو رأي الرجا
ل عليهما أفأنتما عدلان
٢٢٣٠
أم هم إلى الإسلام أقرب منكم
لاح الصباح لمن له عينان
٢٢٣١
والله يحكم بينكم يوم الجزا
بالعدل والإنصاف والميزان
٢٢٣٢
هذا ونحن فمنهم بل منكم
برآء إلى من هدى وبيان
٢٢٣٣
فاسمع إذا قول الخوارج ثم قو
ل خصومنا واحكم بلا ميلان
٢٢٣٤
من ذا الذي منا إذا أشباههم
إن كنت ذا علم وذا عرفان
٢٢٣٥
قال الخوارج للرسول اعدل فلم
عدل وما ذي قسمة الديان
٢٢٣٦
وكذلك الجهمي قال نظير ذا
لكنه قد زاد في الطغيان
٢٢٣٧
قال الصواب بأنه استولى فلم
قلت استوى وعدلت عن تبيان
٢٢٣٨
وكذلك ينزل أمره سبحانه
لم قلت ينزل صاحب الغفران
٢٢٣٩
ماذا بعدل في العبارة وهي مو
همة التحرك وانتقال مكان
٢٢٤٠
وكذاك قلت بأن ربك في السما
أوهمت حيز خالق الأكوان
٢٢٤١
كان الصواب بأن يقال بأنه
فوق السما سلطان ذي السلطان
٢٢٤٢
وكذاك قلت إليه يعرج والصوا
ب إلى كرامة ربنا المنان
٢٢٤٣
وكذاك قلت بأن منه ينزل القـ
ـرآن تنزيلا من الرحمن
٢٢٤٤
كان الصواب بأن يقال نزوله
من لوحه أم من محل ثان
٢٢٤٥
وتقول أين الله ذاك الأين ممتنـ
ـع عليه وليس في الإمكان
٢٢٤٦
لو قلت من كان الصواب كما ترى
في القبر يسأل ذلك الملكان
٢٢٤٧
وتقول اللهم أنت الشاهد الأ
على تشير بأصبع وبنان
٢٢٤٨
نحو السماء وما إشارتنا له
حسية بل تلك في الأذهان
٢٢٤٩
والله ما ندري الذي نبديه في
هذا من التأويل للإخوان
٢٢٥٠
قلنا لهم إن السما هي قبلة الد
اعي كبيت الله ذي الأركان
٢٢٥١
قالوا لنا هذا دليل أنه
فوق السماء بأوضح البرهان
٢٢٥٢
فالناس طرا إنما يدعونه
من فوق هذي فطرة الرحمن
٢٢٥٣
لا يسألون القبلة العليا ولـ
ـكن يسألون الرب ذا الإحسان
٢٢٥٤
قالوا وما كانت إشارته إلى
غير الشهيد منزل الفرقان
٢٢٥٥
أتراه أمسى للسما مستشهدا
حاشاه من تحريف ذي البهتان
٢٢٥٦
وكذاك قلت بأنه متكلم
وكلامه المسموع بالآذان
٢٢٥٧
نادى الكليم بنفسه وذاك قد
سمع الندا في الجنة الأبوان
٢٢٥٨
وكذا ينادي الخلق يوم معادهم
بالصوت يسمع صوته الثقلان
٢٢٥٩
أني أنا الديان آخذ حق مظـ
ـلوم من العبد الظلوم الجاني
٢٢٦٠
وتقول إن الله قال وقائل
وكذا يقول وليس في الإمكان
٢٢٦١
قول بلا حرف ولا صوت يرى
من غير ما شفة وغير لسان
٢٢٦٢
أوقعت في التشبيه والتجسيم من
لم ينف ما قد قلت في الرحمن
٢٢٦٣
لو لم تقل فوق السماء ولم تشر
بإشارة حسية ببنان
٢٢٦٤
وسكت عن تلك الأحاديث التي
قد صرحت بالفوق للديان
٢٢٦٥
وذكرت أن الله ليس بداخل
فينا ولا هو خارج الأكوان
٢٢٦٦
كنا انتصفنا من أولي التجسيم بل
كانوا لنا أسرى عبيد هوان
٢٢٦٧
لكن منحتهم سلاحا كلما
شاؤوا لنا منهم أشد طعان
٢٢٦٨
وغدوا بأسهمك التي أعطيتهم
يرموننا غرضا بكل مكان
٢٢٦٩
لو كنت تعدل في العبارة بيننا
ما كان يوجد بيننا رجفان
٢٢٧٠
هذا لسان الحال منهم وهو في
ذات الصدور يغل بالكتمان
٢٢٧١
يبدو على فلتات أنفسهم وفي
صفحات أوجههم يرى بعيان
٢٢٧٢
سيما إذا قرئ الحديث عليهم
وتلوت شاهده من القرآن
٢٢٧٣
فهناك بين النازعات وكوّرت
تلك الوجوه كثيرة الألوان
٢٢٧٤
ويكاد قائلهم يصرح لو يرى
من قابل فتراه ذا كتمان
٢٢٧٥
يا قوم شاهدنا رؤوسكم على
هذا ولم نشهده من إنسان
٢٢٧٦
إلا وحشو فؤاده غل على
سنن الرسول وشيعة القرآن
٢٢٧٧
وهو الذي في كتبهم لكن بلطف عبـ
ـارة منهم وحسن بيان
٢٢٧٨
يا من يظن بأننا حفنا عليـ
ـهم كتبهم تنبيك عن ذا الشان
٢٢٧٩
فانظر ترى لكن نرى لك تركها
حذرا عليك مصايد الشيطان
٢٢٨٠
فشباكها والله لم يعلق بها
من ذي جناح قاصر الطيران
٢٢٨١
إلا رأيت الطير في قفص الردى
يبكي له نوح على الأغصان
٢٢٨٢
ويظل يخبط طالبا لخلاصه
فيضيق عنه فرجة العيدان
٢٢٨٣
والذنب ذنب الطير أخلى طيب الثمـ
ـرات في عال من الأفنان
٢٢٨٤
وأتى إلى تلك المزابل يبتغي الفضـ
ـلات كالحشرات والديدان
٢٢٨٥
يا قوم والله العظيم نصيحة
من مشفق وأخ لكم معوان
٢٢٨٦
جربت هذا كله ووقعت في
تلك الشباك وكن ذا طيران
٢٢٨٧
حتى أتاح لي الإله بفضله
من ليس تجزيه يدي ولساني
٢٢٨٨
حبر أتى من أرض حران فيا
أهلا بمن جاء من حران
٢٢٨٩
فالله يجزيه الذي هو أهله
من جنة المأوى مع الرضوان
٢٢٩٠
أخذت يداه يدي وسار فلم يرم
حتى أراني مطلع الإيمان
٢٢٩١
ورأيت أعلام المدينة حولها
نزل الهدى وعساكر القرآن
٢٢٩٢
ورأيت آثارا عظيما شأنها
محجوبة عن زمرة العميان
٢٢٩٣
ووردت رأس الماء أبيض صافيا
حصباؤه كلآلئ التيجان
٢٢٩٤
ورأيت أكوازا هناك كثيرة
مثل النجوم لوارد ظمآن
٢٢٩٥
ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي
لا زال يشخب فيه ميزابان
٢٢٩٦
ميزاب سنته وقول إلهه
وهما مدى الأيام لا ينيان
٢٢٩٧
والناس لا يردونه إلا من الآ
لاف أفرادا ذوي إيمان
٢٢٩٨
وردوا عذاب مناهل أكرم بها
ووردتم أنتم عذاب هوان
٢٢٩٩
فبحق من أعطاكم ذا العدل والإ
نصاف والتخصيص بالعرفان
٢٣٠٠
من ذا على دين الخوارج بعد ذا
أنتم أم الحشوي ما تريان
٢٣٠١
والله ما أنتم لدى الحشوي
أهلا أن يقدمكم على عثمان
٢٣٠٢
فضلا عن الفاروق والصديق فضـ
ـلا عن رسول الله والقرآن
٢٣٠٣
والله لو أبصرتم لرأيتم الحشـ
ـوي حامل راية الإيمان
٢٣٠٤
وكلام رب العالمين وعبده
في قلبه أعلى وأكبر شان
٢٣٠٥
من أن يحرّف عن مواضعه وأن
يقضى له بالعزل عن إيقان
٢٣٠٦
ويرى الولاية لابن سينا أو أبي
نصر أو المولود من صفوان
٢٣٠٧
أو من يتابعهم على كفرانهم
أو من يقلدهم من العميان
٢٣٠٨
يا قومنا بالله قوموا وانظروا
وتفكروا في السر والإعلان
٢٣٠٩
نظرا وإن شئتم مناظرة فمن
مثنى على هذا ومن وحدان
٢٣١٠
أي الطوائف بعد ذا أدنى إلى
قول الرسول ومحكم القرآن
٢٣١١
فإذا تبين ذا فإما تتبعوا
أو تعذروا أو تؤذنوا بطعان