منظومة · ابن القيم
فصل: في طريقة ابن سينا وذويه من الملاحدة في التأويل
١٨٤٩
وأتى ابن سينا بعد ذا بطريقة
أخرى ولم يأنف من الكفران
١٨٥٠
قال المراد حقائق الألفاظ تخييـ
ـلا وتقريبا إلى الأذهان
١٨٥١
عجزت عن الإدراك للمعقول
إلا في مثال الحس كالصبيان
١٨٥٢
كي يبرز المعقول في صور من الـ
ـمحسوس مقبولا لدى الأذهان
١٨٥٣
فتسلط التأويل أبطال لهذا
القصد وهو جناية من جان
١٨٥٤
قد قاله مع نفيه
لحقائق الألفاظ في الأذهان
١٨٥٥
وطريقة التأويل أيضا قد غدت
مشتقة من هذه الخلجان
١٨٥٦
وكلاهما اتفقا على أن الحقيقـ
ـة منتف مضمونها ببيان
١٨٥٧
لكن قد اختلفا فعند فريقكم
ما إن أريدت قط بالتبيان
١٨٥٨
لكن عندهم أريد ثبوتا
في الذهن إذ عدمت من الإحسان
١٨٥٩
إذ ذاك مصلحة المخاطب عندهم
وطريقة البرهان أمر ثان
١٨٦٠
فكلاهما ارتكبا أشد جناية
جنيت على القرآن والإيمان
١٨٦١
جعلوا النصوص لأجلها غرضا لهم
قد خرقوه بأسهم الهذيان
١٨٦٢
وتسلط الأوغاد والأوقاح
والأرذال بالتحريف والبهتان
١٨٦٣
كل إذا قابلته بالنص قا
بله بتأويل بلا برهان
١٨٦٤
ويقول تأويلي كتأويل الـ
ـذين تأولوا فوقية الرحمن
١٨٦٥
بل دونه فظهورها في الوحي بالنصـ
ـين مثل الشمس في التبيان
١٨٦٦
أيسوغ تأويل العلو لكم ولا
تتأولوا الباقي بلا فرقان
١٨٦٧
وكذاك تأويل الصفات مع أنها
ملء الحديث وملء ذا القرآن
١٨٦٨
والله تأويل العلو أشد من
تأويلنا لقيامة الأبدان
١٨٦٩
وأشد من تأويلنا لحياته
ولعلمه بمشيئة الأكوان
١٨٧٠
وأشد من تأويلنا لحدوث هـ
ـذا العالم المحسوس بالإمكان
١٨٧١
وأشد من تأويلنا بعض الشرا
ئع عند ذي الإنصاف والميزان
١٨٧٢
وأشد من تأويلنا لكلامه
بالفيض من فعال ذي الأكوان
١٨٧٣
وأشد من تأويل أهل الرفض أخبار
الفضائل حازها الشيخان
١٨٧٤
وأشد من تأويل كل مؤول
نصا بأن مراده الوحيان
١٨٧٥
إذ صرح الوحيان مع كتب الإله
جميعها بالفوق للرحمن
١٨٧٦
فلأي شيء نحن كفار بهذا
التأويل بل أنتم على الإيمان
١٨٧٧
إنا تأولنا وأنتم قد تأو
لتم فهاتوا أوضح الفرقان
١٨٧٨
ألكم على تأويلكم أجران
حيث لنا على تأويلنا وزران
١٨٧٩
هذي مقالتهم لكم في كتبهم
منها نقلناها بلا عدوان
١٨٨٠
ردوا عليهم إن قدرتم أو
فنحوا على طريق عساكر الإيمان
١٨٨١
لا تحطمنكم جنودهم كحطم
السيل ما لاقى من الديدان
١٨٨٢
وكذا نطالبكم بأمر رابع
والله ليس لكم بذا إمكان
١٨٨٣
وهو الجواب عن المعارض
إذ به الدعوى تتم سليمة الأركان
١٨٨٤
لكن ذا عين المحال ولو يسا
عدكم عليه رب كل لسان
١٨٨٥
فأدلة الإثبات حقا لا يقو
م لها الجبال وسائر الأكوان
١٨٨٦
تنزيل رب العالمين ووحيه
مع فطرة الرحمن والبرهان
١٨٨٧
أنى يعارضها كناسة هذه
الأذهان بالشبهات والهذيان
١٨٨٨
وجعاجع وفراقع ما تحتها
إلا السراب لوارد ظمآن
١٨٨٩
فلتهنكم هذي العلوم اللاء قد
ذخرت لكم عن تابع الإحسان
١٨٩٠
بل عن مشايخهم جميعا ثم
وفقتم لها من بعد طول زمان
١٨٩١
والله ما ذخرت لكم لفضيلة
لكم عليهم يا أولي النقصان
١٨٩٢
لكن عقول القوم كانت فوق ذا
قدرا وشأنهم فأعظم شان
١٨٩٣
وهم أجل وعلمهم أعلى وأشرف
أن يشاب بزخرف الهذيان
١٨٩٤
فلذاك صانهم الإله عن الذي
فيه وقعتم صون ذي إحسان
١٨٩٥
سميتم التحريف تأويلا كذا
التعطيل تنزيها هما لقبان
١٨٩٦
وأضفتم أمرا إلى ذا ثالثا
شر وأقبح منه ذا بهتان
١٨٩٧
فجعلتم الإثبات تجسيما
وتشبيها وذا من أصبح العدوان
١٨٩٨
فقلبتم تلك الحقائق مثل ما
قلبت قلوبكم عن الإيمان
١٨٩٩
وجعلتم الممدوح مذموما كذا
بالعكس حتى استكمل اللبسان
١٩٠٠
وأردتم أن تحمدوا بالاتبا
ع نعم لكن لمن يا فرقة البهتان
١٩٠١
وبغيتم أن تنسبوا للابتدا
ع عساكر الآثار والقرآن
١٩٠٢
وجعلتم الوحيين غير مفيدة
للعلم والتحقيق والبرهان
١٩٠٣
لكن عقول الناكبين عن الهدى
لهما تفيد ومنطق اليونان
١٩٠٤
وجعلتم الإيمان كفرا والهدى
عين الضلال وذا من الطغيان
١٩٠٥
ثم استحقيتم عقولا ما أرا
د الله أن تزكوا على القرآن
١٩٠٦
حتى استجابوا مهطعين لدعوة
التعطيل قد هربوا من الإيمان
١٩٠٧
يا ويحهم لو يشعرون بمن دعا
ولما دعا قعدوا قعود جبان