منظومة · ابن القيم
فصل: في اعتراضهم على القول بدوام فاعلية الرب تعالى وكلامه والانفصال عنه
٩٥٦
فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل
قلنا صدقتم وهو ذو إمكان
٩٥٧
كتسلسل التأثير في مستقبل
هل بين ذلك قط من فرقان
٩٥٨
والله ما افترقا لذي عقل ولا
نقل ولا نظر ولا برهان
٩٥٩
في سلب إمكان ولا في ضده
هذي العقول ونحن ذو أذهان
٩٦٠
فليأت بالفرقان من هو فارق
فرقا يبين لصالح الأذهان
٩٦١
وكذاك سوى الجهم بينهما كـ
ذا العلاف في الإنكار والبطلان
٩٦٢
ولأجل ذا حكما بحكم باطل
قطعا على الجنات والنيران
٩٦٣
فالجهم أفنى الذات والعلاف
للحركات أفنى قاله الثوران
٩٦٤
وأبو علي وابنه والأشعري
وبعده ابن الطيب الرباني
٩٦٥
وجميع أرباب الكلام الباطل ال
مذموم عند أئمة الإيمان
٩٦٦
فرقوا وقالوا ذاك فيما لم يزل
حق وفي أزل بلا إمكان
٩٦٧
قالوا لأجل تناقض الأزلي وال
أحداث ما هذان يجتمعان
٩٦٨
لكن دوام الفعل في مستقبل
ما فيه محذور من النكران
٩٦٩
فانظر إلى التلبيس في ذا الفرق تر
ويجا على العوران والعميان
٩٧٠
ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو
أزل لذي ذهن ولا أعيان
٩٧١
بل كل فرد فهو مسبوق بفرد
قلبه أبدا بلا حسبان
٩٧٢
ونظير هذا كل فرد فهو ملحـ
ـوق بفرد بعده حكمان
٩٧٣
النوع والآحاد مسبوق وملحـ
ـوق وكل فهو منها فان
٩٧٤
والنوع لا يفنى أخيرا فهو لا
يفنى كذلك أولا ببيان
٩٧٥
وتعاقب الآنات أمر ثابت
في الذهن وهو كذاك في الأعيان
٩٧٦
فإذا أبيتم ذا وقلتم أول الـ
ـآنات مفتتح بلا نكران
٩٧٧
ما كان ذاك الآن مسبوقا يرى
إلا بسلب وجوده الحقاني
٩٧٨
فيقال ما تعنون بالآنات هل
تعنون مدة هذه الأزمان
٩٧٩
من حين إحداث السموات العلى
والأرض والأفلاك والقمران
٩٨٠
ونظنكم تعنون ذاك ولم يكن
من قبلها شيء من الأكوان
٩٨١
هل جاءكم في ذاك من أثر ومن
نص ومن نظر ومن برهان
٩٨٢
هذا الكتاب وهذه الآثار والمعـ
ـقول في الفطرات والأذهان
٩٨٣
إنا نحاكمكم إلى ما شئتمو
منها فكل الحق في تبيان
٩٨٤
أوليس خلق الكون في الأيام كا
ن وذاك مأخوذ من القرآن
٩٨٥
أوليس ذلكم الزمان بمدة
لحدوث شيء وهو عين زمان
٩٨٦
فحقيقة الأزمان نسبة حادث
لسواه تلك حقيقة الأزمان
٩٨٧
واذكر حديث السبق للتقدير والتو
قيت قبل جميع ذي الأعيان
٩٨٨
خمسين ألفا من سنين عدها المخـ
ـتار سابقة لذي الأكوان
٩٨٩
هذا وعرش الرب فوق الماء من
قبل السنين بمدة وزمان
٩٩٠
والناس مختلفون في القلم الذي
كتب القضاء به من الديان
٩٩١
هل كان قبل العرش أو هو بعده
قولان عند أبي العلا الهمداني
٩٩٢
والحق أن العرش قبل لأنه
قبل الكتابة كان ذا أركان
٩٩٣
وكتابة القلم الشريف تعقبت
إيجاده من غير فصل زمان
٩٩٤
لما براه الله قال اكتب كذا
فغدا بأمر الله ذا جريان
٩٩٥
فجرى بما هو كائن أبدا إلى
يوم المعاد بقدرة الرحمن
٩٩٦
أفكان رب العرش جل جلاله
من قبل ذا عجز وذا نقصان
٩٩٧
أم لم يزل ذا قدرة والفعل مقـ
ـدور له أبدا وذو إمكان
٩٩٨
فلئن سئلت وقلت ما هذا الذي
أداهم لخلاف ذا التبيان
٩٩٩
ولأي شيء لم يقولوا إنه
سبحانه هو دائم الإحسان
١٠٠٠
فاعلم بأن القوم لما أسسوا
أصل الكلام عموا عن القرآن
١٠٠١
وعن الحديث ومقتضى المعقول بل
عن فطرة الرحمن والبرهان
١٠٠٢
وبنوا قواعدهم عليه فقادهم
قسرا إلى التعطيل والبطلان
١٠٠٣
نفي القيام لكل أمر حادث
بالرب خوف تسلسل الأعيان
١٠٠٤
فيسد ذاك عليهم في زعمهم
إثبات صانع هذه الأكوان
١٠٠٥
إذ أثبتوه بكون ذي الأجساد حا
دثة فلا تنفك عن حدثان
١٠٠٦
فإذا تسلسلت الحوادث لم يكن
لحدوثها إذ ذاك من برهان
١٠٠٧
فلأجل ذا قالوا التسلسل باطلا
والجسم لا يخلو عن الحدثان
١٠٠٨
فيصح حينئذ حدوث الجسم من
هذا الدليل بواضح البرهان
١٠٠٩
هذي نهايات لإقدام الورى
في ذا المقام الضيق الأعطان
١٠١٠
فمن ذا الذي يأتي بفتح بين
ينجي الورى من غمرة الحيران
١٠١١
فالله يجزيه الذي هو أهله
من جنة المأوى مع الرضوان
١٠١٢
فاسمع إذا وافهم فذاك معطل
ومشبه وهداك ذو الغفران
١٠١٣
هذا الدليل هو الذي أرداهم
بل هد كل قواعد القرآن
١٠١٤
وهو الدليل الباطل المردود عند
أئمة التحقيق والعرفان
١٠١٥
ما زال أمر الناس معتدلا إلى
أن دار في الأوراق والأذهان
١٠١٦
وتمكنت أجزاؤه بقلوبهم
فأتت لوازمه إلى الإيمان
١٠١٧
رفعت قواعده وتحت أساسه
فهوى البناء وخر للأركان
١٠١٨
وجنوا على الإسلام كل جناية
إذ سلطوا الأعداء بالعدوان
١٠١٩
حملوا بأسلحة المحال فخانهم
ذاك السلاح فما اشتفوا بطعان
١٠٢٠
وأتى العدو إلى سلاحهم فقا
تلهم به في غيبة الفرسان
١٠٢١
يا محنة الإسلام والقرآن من
جهل الصديق وبغي ذي طغيان
١٠٢٢
والله لولا الله ناصر دينه
وكتابه بالحق والبرهان
١٠٢٣
لتخطفت أعداؤنا أرواحنا
ولقطعت منا عرى الإيمان
١٠٢٤
أيكون حقا ذا الدليل وما اهتدى
خير القرون له محال ذان
١٠٢٥
وفقتمو للحق إذ حرموه في
أصل اليقين ومقعد العرفان
١٠٢٦
وهديتمونا للذي لم يهتدوا
أبدا به وا شدة الحرمان
١٠٢٧
ودخلتم للحق من باب وما
دخلوه واعجبا لذا الخذلان
١٠٢٨
وسلكتم طرق الهدى والعلم دو
ن القوم عجبا لذا البهتان
١٠٢٩
وعرفتم الرحمن بالأجسام
والأعراض والحركات والألوان
١٠٣٠
وهم فما عرفوه منها بل من
الآيات وهي فغير ذي برهان
١٠٣١
الله أكبر أنتم أو هم على
حق وفي غي وفي خسران
١٠٣٢
دع ذا أليس انه قد أبدى لنا
حق الأدلة وهي في القرآن
١٠٣٣
متنوعات صرفت وتظاهرت
في كل وجه فهي ذو أفنان
١٠٣٤
معلومة للعقل أو مشهودة
للحس أو في فطرة الرحمن
١٠٣٥
أسمعتم لدليلكم في بعضها
خبرا أو احسستم له ببيان
١٠٣٦
أيكون أصل الدين ما تم الهدى
إلا به وبه قوى الإيمان
١٠٣٧
وسواه ليس بموجب من لم يحط
علما به لم ينج من كفران
١٠٣٨
والله ثم رسوله قد بينا
طرق الهدى في غاية التبيان
١٠٣٩
فلأي شيء أعرضا عنه ولم
نسمعه في أثر ولا قرآن
١٠٤٠
لكن أتانا بعد خير قروننا
بظهور أحداث من الشيطان
١٠٤١
وعلى لسان الجهم جاؤا حزبه
من كل صاحب بدعة حيران
١٠٤٢
ولذلك اشتد النكير عليهم
من سائر العلماء في البلدان
١٠٤٣
صاحوا بهم من كل قطر بل رموا
في إثرهم بثواقب الشهبان
١٠٤٤
عرفوا الذي يفضي إليه قولهم
ودليلهم بحقيقة العرفان
١٠٤٥
وأخو الجهالة في خفارة جهله
والجهل قد ينجي من الكفران