منظومة · ابن القيم
فصل: في قدوم ركب الإيمان وعسكر القرآن
٥٠٦
وأتى فريق ثم قال ألا اسمعوا
قد جئتكم من مطلع الإيمان
٥٠٧
من أرض طيبة من مهاجر أحمد
بالحق والبرهان والتبيان
٥٠٨
سافرت في طلب الإله فدلني ال
هادي عليه ومحكم القرآن
٥٠٩
مع فطرة الرحمن جل جلاله
وصريح عقلي فاعقلي ببيان
٥١٠
فتوافق الوحي الصريح وفطرة الـ
ـرحمن والمعقول في إيماني
٥١١
شهدوا بأن الله جل جلاله
متفرد بالملك والسلطان
٥١٢
وهو الإله الحق لا معبود إلا
وجهه الأعلى العظيم الشان
٥١٣
بل كل معبود سواه فباطل
من عرشه حتى الحضيض الداني
٥١٤
وعبادة الرحمن غاية حبه
مع ذل عابده هما قطبان
٥١٥
وعليهما فلك العبادة دائر
ما دار حتى قامت القطبان
٥١٦
ومداره بالأمر أمر رسوله
لا بالهوى والنفس والشيطان
٥١٧
فقيام دين الله بالإخلاص والإ
حسان إنهما له أصلان
٥١٨
لم ينج من غضب الإله وناره
إلا الذي قامت به الأصلان
٥١٩
والناس بعد فمشرك بإلهه
أو ذو ابتداع أو له الوصفان
٥٢٠
والله لا يرضى بكثرة فعلنا
لكن بأحسنه مع الإيمان
٥٢١
فالعارفون مرادهم إحسانه
والجاهلون عموا عن الإحسان
٥٢٢
وكذا قد شهدوا بأن الله ذو
سمع وذو بصر هما صفتان
٥٢٣
وهو العلي يرى ويسمع خلقه
من فوق عرش فوق ست ثمان
٥٢٤
فيرى دبيب النمل في غسق الدجى
ويرى كذلك تقلب الأجفان
٥٢٥
وضجيج أصوات العباد بسمعه
ولديه لا يتشابه الصوتان
٥٢٦
وهو العليم بما يوسوس عبده
في نفسه من غير نطق لسان
٥٢٧
بل يستوي في علمه الداني مع الـ
قاصي وذو الإسرار والإعلان
٥٢٨
وهو العليم بما يكون غدا وما
قد كان والمعلوم في ذا الآن
٥٢٩
وبكل شيء لم يكن لو كان كيـ
ـف يكون موجودا لدى الأعيان
٥٣٠
وهو القدير فكل شيء فهو مقـ
دور له طوعا بلا عصيان
٥٣١
وعموم قدرته تدل بأنه
هو خالق الأفعال للحيوان
٥٣٢
هي خلقه حقا وأفعال لهم
حقا ولا يتناقض الأمران
٥٣٣
لكن أهل الجبر والتكذيب با
لأقدار ما انفتحت لهم عينان
٥٣٤
نظروا بعيني أعور إذ فاتهم
نظر البصير وغارت العينان
٥٣٥
فحقيقة القدر الذي حار الورى
في شأنه هو قدرة الرحمن
٥٣٦
وأستحسن ابن عقيل ذا من أحمد
لما حكاه عن الرضا الرباني
٥٣٧
قال الإمام شفا القلوب بلفظة
ذات اختصار وهي ذات بيان
٥٣٨
وله الحياة كمالها فلأجل ذا
ما للمات عليه من سلطان
٥٣٩
وكذلك القيّوم من أوصافه
ما للمنام لديه من غشيان
٥٤٠
وكذاك أوصاف الكمال جميعها
ثبتت له ومدارها الوصفان
٥٤١
فمصحح الأوصاف والأفعال والأ
سماء حقا ذانك الوصفان
٥٤٢
ولأجل ذا جاء الحديث بأنه
في آية الكرسي وذي عمران
٥٤٣
اسم الإله الأعظم اشتملا على اسـ
ـم الحي والقيوم مقترنان
٥٤٤
فالكل مرجعها إلى الاسمين يد
ري ذاك ذو بصر بهذا الشان
٥٤٥
وله الإرادة والكراهة والرضا
وله المحبة وهو ذو الاحسان
٥٤٦
وله الكمال المطلق العاري عن التـ
ـشبيه والتمثيل بالإنسان
٥٤٧
وكمال من أعطى الكمال لنفسه
أولى وأقدم وهو أعظم شان
٥٤٨
أيكون قد أعطى الكمال لنفسه
أولى وأقدم أذاك ذو امكان
٥٤٩
أيكون إنسان سميعا مبصرا
متكلما بمشيئة وبيان
٥٥٠
وله الحياة وقدرة وإرادة
والعلم بالكلي والأعيان
٥٥١
والله قد أعطاه ذاك ليس هـ
ـذا وصفه فاعجب من البهتان
٥٥٢
بخلاف نوم العبد ثم جماعة
والأكل منه حاجة الأبدان
٥٥٣
إذ تلك ملزومات كون العبد محـ
ـتاجا وتلك لوازم النقصان
٥٥٤
وكذا لوازم كونه جسدا نعم
ولوازم الأحداث والإمكان
٥٥٥
يتقدس الرحمن جل جلاله
عنها وعن أعضاء ذي جسمان
٥٥٦
والله ربي لم يزل متكلما
وكلامه المسموع بالآذان
٥٥٧
صدقا وعدلا أحكمت كلماته
طلبا وإخبارا بلا نقصان
٥٥٨
ورسوله قد عاذ بالكلمات من
لدغ ومن عين ومن شيطان
٥٥٩
أيعاذ بالمخلوق حاشاه من الـ
إشراك وهو معلم الإيمان
٥٦٠
بل عاذ بالكلمات وهي صفاته
سبحانه ليست من الأكوان
٥٦١
وكذلك القرآن عين كلامه المـ
ـسموع منه حقيقة ببيان
٥٦٢
هو قول ربي كله لا بعضه
لفظا ومعنى ما هما خلقان
٥٦٣
تنزيل رب العالمين وقوله
اللفظ والمعنى بلا روغان
٥٦٤
لكن أصوات العباد وفعلهم
كمدادهم والرق مخلوقان
٥٦٥
فالصوت للقاري ولكن الكلا
م كلام رب العرش ذي الإحسان
٥٦٦
هذا إذا ما كان ثم وساطة
كقراءة المخلوق للقرآن
٥٦٧
فإذا انتفت تلك الوساطة مثل ما
قد كلم المولود من عمران
٥٦٨
فهنالك المخلوق نفس السمع لا
شيء من المسموع فافهم ذان
٥٦٩
هذا مقالة أحمد ومحمد
وخصومهم من بعد طائفتان
٥٧٠
إحداهما زعمت بأن كلامه
خلق له ألفاظه ومعاني
٥٧١
والآخرون أبوا وقالوا شطره
خلق وشطر قام بالرحمن
٥٧٢
زعموا القرآن عبارة وحكاية
قلنا كما زعموه قرآنان
٥٧٣
هذا الذي نتلوه مخلوق كما
قال الوليد وبعده الفئتان
٥٧٤
والآخر المعنى القديم فقائم
بالنفس لم يسمع من الديان
٥٧٥
والأمر عين النهي واستفهامه
هو عين إخبار وذو وحدان
٥٧٦
وهو الزبور وعين توراة وإنـ
ـجيل وعين الذكر والفرقان
٥٧٧
الكل شيء واحد في نفسه
لا يقبل التبعيض في الأذهان
٥٧٨
ما إن له كل ولا بعض ولا
حرف ولا عربي ولا عبراني
٥٧٩
ودليلهم في ذاك بيت قاله
فما يقال الأخطل النصراني
٥٨٠
يا قوم قد غلط النصارى قبل في
معنى الكلام وما اهتدوا لبيان
٥٨١
ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم
إذ قيل كلمة خالق رحمن
٥٨٢
ولأجل ذا جعلوه ناسوتا ولا
هوتا قديما بعد متحدان
٥٨٣
ونظير هذا من يقول كلامه
معنى قديم غير ذي حدثان
٥٨٤
والشطر مخلوق وتلك حروفه
ناسوته لكن هما غيران
٥٨٥
فانظر إلى ذاك الاتفاق فإنه
عجب وطالع سنة الرحمن
٥٨٦
وتكايست أخرى وقالت إن ذا
قول محال وهو خمس معان
٥٨٧
تلك التي ذكرت ومعنى جامع
لجميعها كالأس للبنيان
٥٨٨
فيكون أنواعا وعند نظيرهم
أوصافه وهما فمتفقان
٥٨٩
أن الذي جاء الرسول به لمخـ
ـلوق ولم يسمع من الديان
٥٩٠
والخلف بينهم فقيل محمد
أنشاه تعبيرا عن القرآن
٥٩١
والآخرون أبو وقالوا إنما
جبريل أنشاه عن المنان
٥٩٢
وتكايست أخرى وقالت إنه
نقل من اللوح الرفيع الشأن
٥٩٣
فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد
أنشاه خلقا فيه ذا حدثان
٥٩٤
هذي مقالات لهم فانظر ترى
في كتبهم يا من له عينان
٥٩٥
لكن أهل الحق قالوا إنما
جبريل بلغه عن الرحمن
٥٩٦
ألقاه مسموعا له من ربه
للصادق المصدوق بالبرهان