منظومة · ابن القيم
فصل: في مقالات طوائف الاتحادية في كلام الرب جل جلاله
٨١٥
وأتت طوائف الاتحاد بملة
طمت على ما قال كل لسان
٨١٦
قالوا كلام الله كل كلام هذا الـ
ـخلق من جن ومن إنسان
٨١٧
نظما ونثرا زوره وصحيحه
صدقا وكذبا واضح البطلان
٨١٨
فالسب والشتم القبيح وقذفهم
للمحصنات وكل نوع أغان
٨١٩
والنوح والتعزيم والسحر المبـ
ـين وسائر البهتان والهذيان
٨٢٠
هو عين قول الله جل جلاله
وكلامه حقا بلا نكران
٨٢١
هذا الذي أدى إليه أصلهم
وعليه قام مكسح البنيان
٨٢٢
إذ أصلهم أن الإله حقيقة
عين الوجود وعين ذي الأكوان
٨٢٣
فكلامها وصفاتها هو قوله
وصفاته ما ها هنا قولان
٨٢٤
وكذاك قالوا إنه الموصوف بالضـ
ـدين من قبح ومن إحسان
٨٢٥
وكذلك قد وصفوه أيضا بالكما
ل وضده من سائر النقصان
٨٢٦
هذي مقالات الطوائف كلها
حملت إليك رخيصة الأثمان
٨٢٧
وأظن لو فتشت كتب الناس ما
ألفيتها أبدا بذا التبيان
٨٢٨
زفت إليك فإن يكن لك ناظر
أبصرت ذات الحسن والإحسان
٨٢٩
فاعطف على الجهمية المغل الألى
خرقوا سياج العقل والقرآن
٨٣٠
شرد بهم من خلفهم واكسرهم
بل ناد في ناديهم بأذان
٨٣١
أفسدتم المعقول والمنقول والـ
ـمسموع من لغة بكل لسان
٨٣٢
أيصح وصف الشيء بالمشتق والـ
ـمسلوب معناه لذي الأذهان
٨٣٣
أيصح صبار ولا صبر له
ويصح شكار بلا شكران
٨٣٤
ويصح علام ولا علم له
ويصح غفار بلا غفران
٨٣٥
ويقال هذا سامع أو مبصر
والسمع والإبصار مفقودان
٨٣٦
هذا محال في العقول وفي النقو
ل وفي اللغات وغير ذي إمكان
٨٣٧
فلئن زعمتم أنه متكلم
لكن بقول قام بالإنسان
٨٣٨
أو غيره فيقال هذا باطل
وعليكم في ذاك محذوران
٨٣٩
نفي اشتقاق اللفظ للموجود معـ
ـناه به وثبوته للثاني
٨٤٠
أعني الذي ما قام معناه به
قلب الحقائق أقبح البهتان
٨٤١
ونظير ذا أخوان هذا مبصر
وأخوه معدود من العميان
٨٤٢
سميتم الأعمى بصيرا إذ أخو
هـ مبصر وبعكسه في الثاني
٨٤٣
فلئن زعمتم أن ذلك ثابت
في فعله كالخلق للأكوان
٨٤٤
والفعل ليس بقائم بإلهنا
إذ لا يكون محل ذي حدثان
٨٤٥
ويصح أن يشتق منه خالق
فكذلك المتكلم الوحداني
٨٤٦
هو فاعل لكلامه وكتابه
ليس الكلام له بوصف معان
٨٤٧
ومخالف المعقول والمنقول والـ
ـفطرات والمسموع للإنسان
٨٤٨
من قال إن كلامه سبحانه
وصف قديم أحرف ومعان
٨٤٩
والسين عند الباء ليست بعدها
لكن هما حرفان مقترنان
٨٥٠
أو قال إن كلامه سبحانه
معنى قديم قام بالرحمن
٨٥١
ما أن له كل ولا بعض ولا ال
عربي حقيقته ولا العبراني
٨٥٢
والأمر عين النهي واستفهامه
هو عين أخبار بلا فرقان
٨٥٣
وكلامه كحياته ما ذاك مقـ
ـدور له بل لازم الرحمن
٨٥٤
هذا الذي قد خالف المعقول والـ
ـمنقول والفطرات للإنسان
٨٥٥
أما الذي قد قال إن كلامه
ذو أحرف قد رتبت ببيان
٨٥٦
وكلامه بمشيئة وإرادة
كالفعل منه كلاهما سيان
٨٥٧
فهو الذي قد قال قولا يعلم الـ
عقلاء صحته بلا نكران
٨٥٨
فلأي شيء كان ما قد قلتم
أولى وأقرب منه للبرهان
٨٥٩
ولأي شيء دائما كفرتم
أصحاب هذا القول بالعدوان
٨٦٠
فدعوا الدعاوى وابحثوا معنى
بتحقيق وإنصاف بلا عدوان
٨٦١
وارفوا مذاهبكم وسدوا خرقها
إن كان ذاك الرفو في الإمكان
٨٦٢
فاحكم هداك الله بينهم فقد
أدلوا إليك بحجة وبيان
٨٦٣
لا تنصرن سوى الحديث وأهله
هم عسكر الإيمان والقرآن
٨٦٤
وتحيزن إليهم لا غيرهم
لتكون منصورا لدى الرحمن
٨٦٥
فتقول هذا القدر قد أعيا على
أهل الكلام وقاده أصلان
٨٦٦
إحداهما هل فعل مفعوله
أو غيره فهما لهم قولان
٨٦٧
والقائلون بأنه هو عينه
فروا من الأوصاف بالحدثان
٨٦٨
لكن حقيقة قولهم وصريحه
تعطيل خالق هذه الأكوان
٨٦٩
عن فعله إذ فعله مفعوله
لكنه ما قام بالرحمن
٨٧٠
فعلى الحقيقة ما له فعل إذ الـ
ـمفعول منفصل عن الديان
٨٧١
والقائلون بأنه غير له
متنازعون وهم فطائفتان
٨٧٢
إحداهما قالت قديم قائم
بالذات وهو كقدرة المنان
٨٧٣
سموه تكوينا قديما قاله
أتباع شيخ العالم النعماني
٨٧٤
وخصومهم لم ينصفوا في رده
بل كابروهم ما أتوا ببيان
٨٧٥
والآخرون رأوه أمرا حادثا
بالذات قام وأنهم نوعان
٨٧٦
إحداهما جعلته مفتتحا به
حذر التسلسل ليس ذا إمكان
٨٧٧
هذا الذي قالته كرامية
ففعاله وكلامه سيان
٨٧٨
والآخرون أولو الحديث كأحمد
ذاك ابن حنبل الرضى الشيباني
٨٧٩
قد قال إن الله حقا لم يزل
متكلما إن شاء ذو إحسان
٨٨٠
جعل الكلام صفات فعل قائم
بالذات لم يفقد من الرحمن
٨٨١
وكذاك نص على دوام الفعل
بالإحسان أيضا في مكان ثان
٨٨٢
وكذا ابن عباس فراجع قوله
لما أجاب مسائل القرآن
٨٨٣
وكذاك جعفر الإمام الصادق الـ
ـمقبول عند الخلق ذو العرفان
٨٨٤
قد قال لم يزل المهيمن محسنا
برا جوادا عند كل أوان
٨٨٥
وكذا الإمام الدارمي فإنه
قد قال ما فيه هدى الحيران
٨٨٦
قال الحياة مع الفعال كلاهما
متلازمان فليس يفترقان
٨٨٧
صدق الإمام فكل حي فهو
فعال وذا في غاية التبيان
٨٨٨
إلا إذا ما كان ثم موانع
من آفة أو قاسر الحيوان
٨٨٩
والرب ليس لفعله من مانع
ما شاء كان بقدرة الديان
٨٩٠
ومشيئة الرحمن لازمة له
وكذاك قدرة ربنا الرحمن
٨٩١
هذا وقد فطر الإله عباده
إن المهيمن دائم الإحسان
٨٩٢
أو لست تسمع قول كل موحد
ادائم المعروف والسلطان
٨٩٣
وقديم الإحسان الكثير ودائم ال
جود العظيم وصاحب الغفران
٨٩٤
من غير إنكار عليهم فطرة
فطروا عليها لا تواصي ثان
٨٩٥
أو ليس فعل الرب تابع وصفه
وكماله أفذاك ذو حدثان
٨٩٦
وكماله سبب الفعال وخلقه
أفعالهم سبب الكمال الثاني
٨٩٧
أو ما فعال الرب عين كماله
أفذاك ممتنع عن المنان
٨٩٨
أزلا إلى أن صار فيما لم يزل
متمكنا والفعل ذو إمكان
٨٩٩
تالله قد ضلت عقول القوم إذ
الوا بهذا القول ذي البطلان
٩٠٠
ماذا الذي أضحى له متجددا
حتى تمكن فانطقوا ببيان
٩٠١
والرب ليس معطلا عن فعله
بل كل يوم ربنا في شان
٩٠٢
والأمر والتكوين وصف كماله
قدما فذا ووجوده سيان
٩٠٣
وتخلف التأثير بعد تمام مو
جبه محال ليس في الإمكان
٩٠٤
والله ربي لم يزل ذا قدرة
ومشيئة ويليهما وصفان
٩٠٥
العلم مع وصف الحياة وهذه
أوصاف ذات الخالق المنان
٩٠٦
وبها تمام الفعل ليس بدونها
فعل يتم بواضح البرهان
٩٠٧
فلأي شيء قد تأخر فعله
مع موجب قد تمّ بالأركان
٩٠٨
ما كان ممتنعا عليه الفعل بل
ما زال فعل الله ذا إمكان
٩٠٩
والله عاب المشركين بأنهم
عبدوا الحجارة في رضا الشيطان
٩١٠
ونعى عليهم كونها ليست بخا
لقة وليست ذات نطق بيان
٩١١
فأبان أن العقل والتكليم من
أوثانهم لا شك مفقودان
٩١٢
وإذا هما فقدا فما مسلوبها
بإله حق هو ذو بطلان
٩١٣
والله فهو إله حق دائما
أفعنه ذا الوصفان مسلوبان
٩١٤
أزلا وليس لفقدها من غاية
هذا المحال وأعظم البطلان
٩١٥
إن كان رب العرش حقا لم يزل
أبدا إله الحق ذا سلطان
٩١٦
فكذاك أيضا لم يزل متكلما
بل فاعلا ما شاء ذا إحسان
٩١٧
والله ما في العقل ما يقضي لذا
بالرد والإبطال والنكران
٩١٨
بل ليس في المعقول غير ثبوته
للخالق الأزلي ذي الإحسان
٩١٩
هذا وما دون المهيمن حادث
ليس القديم سواه في الأكوان
٩٢٠
والله سابق كل شيء غيره
ما ربنا والخلق مقترنان
٩٢١
والله كان وليس شيءغيره
سبحانه جل العظيم الشان
٩٢٢
لسنا نقول كما يقول الملحد الـ
زنديق صاحب منطق اليونان
٩٢٣
بدوام هذا العام المشهود والـ
أرواح في أزل وليس بفان
٩٢٤
هذي مقالات الملحدة الألى
كفروا بخالق هذه الأكوان
٩٢٥
وأتى ابن سينا بعد ذاك مصانعا
للمسلمين فقال بالإمكان
٩٢٦
لكنه الأزلي ليس بمحدث
ما كان معدوما ولا هو فان
٩٢٧
وأتى بصلح بين طائفتين بينهما
الحروب وما هما سلمان
٩٢٨
أنى يكون المسلمون وشيعة الـ
يونان صلحا قط في الإيمان
٩٢٩
والسيف بين الأنبياء وبينهم
والحرب بينهم فحرب عوان
٩٣٠
وكذا أتى الطوسي بالحرب الصر
يح بصارم منه وسل لسان
٩٣١
وأتى إلى الإسلام يهدم أصله
من أسه وقواعد البنيان
٩٣٢
عمر المدارس للفلاسفة الألى
كفروا بدين الله والقرآن
٩٣٣
وأتى إلى أوقاف أهل الدين
ينقلها إليهم فعل ذي أضغان
٩٣٤
وأراد تحويل الإشارات التي
هي لابن سينا موضع الفرقان
٩٣٥
وأراد تحويل الشريعة بالنوا
ميس التي كانت لذي اليونان
٩٣٦
لكنه علم اللعين بأن ها
ذا ليس في المقدور والإمكان
٩٣٧
إلا إذا قتل الخليفة والقضا
ة وسائر الفقهاء في البلدان
٩٣٨
فسعى لذلك وساعد المقدور
بالأمر الذي هو حكمة الرحمن
٩٣٩
فأشار أن يضع التتار سيوفهم
في عسكر الإيمان والقرآن
٩٤٠
لكنهم يبقون أهل مصانع الد
نيا لأجل مصالح الأبدان
٩٤١
فغدا على سيف التتار الألف في
مثل لها مضروبة بوزان
٩٤٢
وكذا ثمان مئينهما في ألفها
مضروبة بالعد والحسبان
٩٤٣
حتى بكى الإسلام أعداه اليهود
كذا المجوس وعابد الصلبان
٩٤٤
فشفى اللعين النفس من حزب الر
سول وعسكر الإيمان والقرآن
٩٤٥
وبوده لو كان في أحد وقد
شهد الوقيعة مع أبي سفيان
٩٤٦
لأقر أعينهم وأوفى نذره
أو أن يرى متمزق اللحمان
٩٤٧
وشواهد الأحداث ظاهرة على
ذا العالم المخلوق بالبرهان
٩٤٨
وأدلة التوحيد تشهد كلها
بحدوث كل ما سوى الرحمن
٩٤٩
لو كان غير الله جل جلاله
معه قديما كان ربا ثان
٩٥٠
إذ كان عن رب العلى مستغنيا
فيكون حينئذ لنا ربان
٩٥١
والرب باستقلاله متوحد
أفممكن أن يستقل اثنان
٩٥٢
لو كان ذاك تنافيا وتساقطا
فإذا هما عدمان ممتنعان
٩٥٣
والقهر والتوحيد يشهد منهما
كل لصاحبه هما عدلان
٩٥٤
ولذلك اقترنا جميعا في صفا
ت الله فانظر ذاك في القرآن
٩٥٥
فالواحد القهار حقا ليس في الإ
مكان أن تحظى به ذاتان