منظومة · ابن القيم
فصل: في صفة عرائس الجنة وحسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ومهورهن
٥٢٣٣
يا من يطوف بكعبة الحسن التي
حفت بذاك الحجر والأركان
٥٢٣٤
ويظل يسعى دائما حول الصفا
ومحسّر مسعاه لا العلمان
٥٢٣٥
ويروم قربان الوصال على منى
والخيف يحجبه عن القربان
٥٢٣٦
فلذا تراه محرما أبدا ومو
ضع حله منه فليس بدان
٥٢٣٧
يبغي التمتع مفردا من حبه
متجردا يبغي شفيع قران
٥٢٣٨
فيظل بالجمرات يرمي قلبه
هذي مناسكه بكل زمان
٥٢٣٩
والناس قد قضوا مناسكهم وقد
حثوا ركائبهم إلى الأوطان
٥٢٤٠
وحدت بهم همم لهم وعزائم
نحو المنازل أول الأزمان
٥٢٤١
رفعت لهم في السير أعلام الوصا
ل فشمّروا يا خيبة الكسلان
٥٢٤٢
ورأوا على بعد خياما مشرفا
ت مشرقات النور والبرهان
٥٢٤٣
فتيمموا تلك الخيام فآنسوا
فيهن أقمارا بلا نقصان
٥٢٤٤
من قاصرات الطرف لا تبغى سوى
محبوبها من سائر الشبان
٥٢٤٥
قصرت عليه طرفها من حسنه
والطرف في ذا الوجه للنسوان
٥٢٤٦
أو أنها قصرت عليه طرفه
من حسنها فالطرف للذكران
٥٢٤٧
والأول المعهود من وضع الخطا
ب فلا تحدن عن ظاهر القرآن
٥٢٤٨
ولربما دلت إشارته على الثـ
ـاني فتلك إشارة لمعان
٥٢٤٩
هذا وليس القاصرات كمن غدت
مقصورة فهما إذا صنفان
٥٢٥٠
يا مطلق الطرف المعذب في الألى
جردن عن حسن وعن إحسان
٥٢٥١
لا تسبينّك صورة من تحتها
الداء الدوي تبوء بالخسران
٥٢٥٢
قبحت خلائقها وقبح فعلها
شيطانة في صورة الإنسان
٥٢٥٣
تنقاد للأنذال والأرذال هم
أكفاؤها من دون ذي الإحسان
٥٢٥٤
ما ثم من دين ولا عقل ولا
خلق ولا خوف من الرحمان
٥٢٥٥
وجمالها زور ومصنوع فإن
تركته لم تطمح لها العينان
٥٢٥٦
طبعت على ترك الحفاظ فما لها
بوفاء حق البعل قط يدان
٥٢٥٧
إن قصر الساعي عليها ساعة
قالت وهل أوليت من إحسان
٥٢٥٨
أو رام تقويما لها استعصت ولم
تقبل سوى التعويج والنقصان
٥٢٥٩
أفكارها في المكر والكيد الذي
قد حار فيه فكرة الإنسان
٥٢٦٠
فجمالها قشر رقيق تحته
ما شئت من عيب ومن نقصان
٥٢٦١
نقد رديء فوقه من فضة
شيء يظن به من الأثمان
٥٢٦٢
فالناقدون يرون ماذا تحته
والناس أكثرهم من العميان
٥٢٦٣
أما جميلات الوجوه فخائنا
ت بعولهن وهن للأخدان
٥٢٦٤
والحافظات الغيب منهن التي
قد أصبحت فردا من النسوان
٥٢٦٥
فانظر مصارع من يليك ومن خلا
من قبل من شيب ومن شبان
٥٢٦٦
وارغب بعقلك أن تبيع العالي الـ
ـباقي بذا الأدنى الذي هو فان
٥٢٦٧
إن كان قد أعياك خود مثل ما
تبغي ولم تظفر إلى ذا الآن
٥٢٦٨
فاخطب من الرحمن خودا ثم قد
م مهرها ما دمت ذا إمكان
٥٢٦٩
ذاك النكاح عليك أيسر إن يكن
لك نسبة للعلم والإيمان
٥٢٧٠
والله لم تخرج إلى الدنيا للذ
ة عيشها أو للحطام الفاني
٥٢٧١
لكن خرجت لكي تعد الزاد للـ
أخرى فجئت بأقبح الخسران
٥٢٧٢
أهملت جمع الزاد حتى فات بل
فات الذي ألهاك عن ذا الشان
٥٢٧٣
والله لو أنّ القلوب سليمة
لتقطعت أسفا من الحرمان
٥٢٧٤
لكنها سكرى بحب حياتها الد
نيا وسوف تفيق بعد زمان
٥٢٧٥
فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اخـ
ـتر لنفسك يا أخا العرفان
٥٢٧٦
حور حسان قد كملن خلائقا
ومحاسنا من أجمل النسوان
٥٢٧٧
حتى يحار الطرف في الحسن الذي
قد ألبست فالطرف كالحيران
٥٢٧٨
ويقول لما أن يشاهد حسنها
سبحان معطي الحسن والإحسان
٥٢٧٩
والطرف يشرب من كؤوس جمالها
فتراه مثل الشارب النشوان
٥٢٨٠
كملت خلائقها وأكمل حسنها
كالبدر ليل الست بعد ثمان
٥٢٨١
والشمس تجري في محاسن وجهها
والليل تحت ذوائب الأغصان
٥٢٨٢
فتراه يعجب وهو موضع ذاك من
ليل وشمس كيف يجتمعان
٥٢٨٣
فيقول سبحان الذي ذا صنعه
سبحان متقن صنعة الإنسان
٥٢٨٤
لا اليل يدرك شمسها فتغيب عنـ
ـد مجيئه حتى الصباح الثاني
٥٢٨٥
والشمس لا تأتي بطرد الليل بل
يتصاحبان كلاهما أخوان
٥٢٨٦
وكلاهما مرآة صاحبه إذا
ما شاء يبصر وجهه يريان
٥٢٨٧
فيرى محاسن وجهه في وجهها
وترى محاسنها به بعيان
٥٢٨٨
حمر الخدود ثغورهن لآلئ
سود العيون فواتر الأجفان
٥٢٨٩
والبرق يبدو حين يبسم ثغرها
فيضيء سقف القصر بالجدران
٥٢٩٠
ولقد روينا أن برقا ساطعا
يبدو فيسأل عنه من بجنان
٥٢٩١
فيقال هذا ضوء ثغر ضاحك
في الجنة العليا كما تريان
٥٢٩٢
لله لاثم ذلك الثغر الذي
في لثمه إدراك كل أمان
٥٢٩٣
ريانة الأعطاف من ماء الشبا
ب فغصنها بالماء ذو جريان
٥٢٩٤
لما جرى ماء النعيم بغصنها
حمل الثمار كثيرة الألوان
٥٢٩٥
فالورد والتفاح والرمان في
غصن تعالى غارس البستان
٥٢٩٦
والقد منها كالقضيب اللدن في
حسن القوام كأوسط القضبان
٥٢٩٧
في مغرس كالعاج تحسب أنه
عالي النقا أو واحد الكثبان
٥٢٩٨
لا الظهر يلحقها وليس ثديها
بلواحق للبطن أو بدوان
٥٢٩٩
لكنهن كواعب ونواهد
فثديهن كألطف الرمان
٥٣٠٠
والجيد ذو طول وحسن في بيا
ض واعتدال ليس ذا نكران
٥٣٠١
يشكو الحليّ بعاده فله مدى الـ
أيام وسواس من الهجران
٥٣٠٢
والمعصمان فان تشأ شبههما
بسبيكتين عليهما كفان
٥٣٠٣
كالزبد لينا في نعومة ملمس
أصداف در دورت بوزان
٥٣٠٤
والصدر متسع على بطن لها
حفت به خصران ذا ثمان
٥٣٠٥
وعليه أحسن سرة هي مجمع الـ
ـخصرين قد غارت من الأعكان
٥٣٠٦
حق من العاج استدار وحوله
حبات مسك جل ذو الإتقان
٥٣٠٧
وإذا انحدرت رأيت أمرا هائلا
ما للصفات عليه من سلطان
٥٣٠٨
لا الحيض يغشاه ولا بول ولا
شيء من الآفات في النسوان
٥٣٠٩
فخذان قد حفا به حرسا له
فجنابه في عزة وصيان
٥٣١٠
قاما بخدمته هو السلطان بيـ
ـنهما وحق طاعة السلطان
٥٣١١
وهو المطاع أميره لا ينثني
عنه ولا هو عنده بجبان
٥٣١٢
وجماعها فهو الشفا لصبها
فالصبّ منه ليس بالضجران
٥٣١٣
وإذا يجامعها تعود كما أتت
بكرا بغير دم ولا نقصان
٥٣١٤
فهو الشهي وعضوه لا ينثني
جاء الحديث بذا بلا نكران
٥٣١٥
ولقد روينا أن شغلهم الذي
قد جاء في يس دون بيان
٥٣١٦
شغل العروس بعرسه من بعدما
عبثت به الأشواق طول زمان
٥٣١٧
بالله لا تسأله عن أشغاله
تلك اليالي شأنه ذو شان
٥٣١٨
واضرب لهم مثلا بصب غاب عن
محبوبه في شاسع البلدان
٥٣١٩
والشوق يزعجه إليه وما له
بلقائه سبب من الإمكان
٥٣٢٠
وافى إليه بعد طول مغيبه
عنه وصار الوصل ذا إمكان
٥٣٢١
أتلومه إن صار ذا شغل به
لا والذي أعطى بلا حسبان
٥٣٢٢
يا رب غفرا قد طغت أقلامنا
يا رب معذرة من الطغيان
٥٣٢٣
أقدامها من فضة قد ركبت
من فوقها ساقان ملتفان
٥٣٢٤
والساق مثل العاج ملموم يرى
مخ العظام وراءه بعيان
٥٣٢٥
والريح مسك الجسوم نواعم
واللون كالياقوت والمرجان
٥٣٢٦
وكلاهما يسبي العقول بنغمة
زادت على الأوتار والعيدان
٥٣٢٧
وهي العروب بشكلها وبدرها
وتحبب للزوج كل أوان
٥٣٢٨
وهي التي عند الجماع تزيد في
حركاتها للعين والأذنان
٥٣٢٩
لطفا وحسن تبعل وتغنج
وتحبب تفسير ذي العرفان
٥٣٣٠
تلك الحلاوة والملاحة أوجبا
إطلاق هذا اللفظ وضع لسان
٥٣٣١
فملاحة التصوير قبل غناجها
هي أول وهي المحل الثاني
٥٣٣٢
فإذا هما اجتمعا لصب وامق
بلغت به اللذات كل مكان
٥٣٣٣
أتراب سن واحد متماثل
سن الشباب لأجمل الشبان
٥٣٣٤
بكر فلم يأخذ بكارتها سوى الـ
ـمحبوب من إنس ولا من جان
٥٣٣٥
حصن عليه حارس من أعظم الـ
ـحرّاس بأسا شأنه ذو شان
٥٣٣٦
فإذا أحسّ بداخل للحصن ولـ
ـى هاربا فتراه ذا إمعان
٥٣٣٧
ويعود وهنا حين رب الحصن يخـ
ـرج منه فهو كذا مدى الأزمان
٥٣٣٨
وكذا رواه أبو هريرة أنها
تنصاغ بكرا للجماع الثاني
٥٣٣٩
لكن دراجا أبا السمح الذي
فيه يضعفه أولو الإتقان
٥٣٤٠
هذا وبعضهم يصحح عنه في التـ
ـفسير كالمولود من حبان
٥٣٤١
فحديثه دون الصحيح وإنه
فوق الضعيف وليس ذا إتقان
٥٣٤٢
يعطي المجامع قوة المائة التي اجـ
ـتمعت لأقوى واحد الإنسان
٥٣٤٣
لا أن قوته تضاعف هكذا
إذ قد يكون لأضعف الأركان
٥٣٤٤
ويكون أقوى منه ذا نقص من الـ
إيمان والأعمال والإحسان
٥٣٤٥
ولقد روينا أنه يغشى بيو
م واحد مائة من النسوان
٥٣٤٦
ورجاله شرط الصحيح رووا لهم
فيه وذا في معجم الطبراني
٥٣٤٧
هذا دليل أن قدر نسائهم
متفاوت بتفاوت الإيمان
٥٣٤٨
وبه يزول توهم الإشكال عن
تلك النصوص بمنة الرحمان
٥٣٤٩
وبقوة المائة التي حصلت له
أفضى إلى مائة بلا خوران
٥٣٥٠
وأعفهم في هذه الدنيا هو الـ
أقوى هناك لزهده في الفاني
٥٣٥١
فاجمع قواك لما هناك وغمض الـ
ـعينين واصبر ساعة لزمان
٥٣٥٢
ما ههنا والله ما يسوى قلا
مة ظفر واحدة ترى بجنان
٥٣٥٣
ما ههنا إلا النقار وسيّيء الـ
أخلاق مع عيب ومع نقصان
٥٣٥٤
هم وغم دائم لا ينتهي
حتى الطلاق أو الفراق الثاني
٥٣٥٥
والله قد جعل النساء عوانيا
شرعا فأضحى البعل وهو العاني
٥٣٥٦
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن
تفعل رجعت بذلة وهوان
٥٣٥٧
وإذا بدت في حلة من لبسها
وتمايلت كتمايل النشوان
٥٣٥٨
تهتز كالغصن الرطيب وحمله
ورد وتفاح على رمان
٥٣٥٩
وتبخترت في مشيها ويحق ذا
ك لمثلها في جنة الحيوان
٥٣٦٠
ووصائف من خلفها وأمامها
وعلى شمائلها وعن أيمان
٥٣٦١
كالبدر ليلة تمه قد حف في
غسق الدجى بكواكب الميزان
٥٣٦٢
فلسانه وفؤاده والطرف في
دهش وإعجاب وفي سبحان
٥٣٦٣
فالقلب قبل زفافها في عرسه
والعرس إثر العرس متصلان
٥٣٦٤
حتى إذا ما واجهته تقابلا
أرأيت إذ يتقابل القمران
٥٣٦٥
فسل المتيم هل يحل الصبر عن
ضم وتقبيل وعن فلتان
٥٣٦٦
وسل المتيم اين خلف صبره
في أي واد أم بأي مكان
٥٣٦٧
وسل المتيم كيف حالته وقد
ملئت له الأذنان والعينان
٥٣٦٨
من منطق رقت حواشيه ووجـ
ـه كم به للشمس من جريان
٥٣٦٩
وسل المتيم كيف عيشته إذا
وهما على فرشيهما خلوان
٥٣٧٠
يتساقطان لآلئا منثورة
من بين منظوم كنظم جمان
٥٣٧١
وسل المتيم كيف مجلسه مع الـ
ـمحبوب في روح وفي ريحان
٥٣٧٢
وتدور كاسات الرحيق عليهما
بأكف أقمار من الولدان
٥٣٧٣
يتنازعان الكأس هذا مرة
والخود أخرى ثم يتكئان
٥٣٧٤
فيضمها وتضمه أرأيت معـ
ـشوقين بعد البعد يلتقيان
٥٣٧٥
غاب الرقيب وغاب كل منكد
وهما بثوب الوصل مشتملان
٥٣٧٦
أتراهما ضجرين من ذا العيش لا
وحياة ربك ما هما ضجران
٥٣٧٧
ويزيد كل منهما حبا لصا
حبه جديدا سائر الأزمان
٥٣٧٨
ووصاله يكسوه حبا بعده
متسلسلا لا ينتهي بزمان
٥٣٧٩
فالوصل محفوف بحب سابق
وبلاحق وكلاهما صنوان
٥٣٨٠
فرق لطيف بين ذاك وبين ذا
يدريه ذو شغل بهذا الشان
٥٣٨١
ومزيدهم في كل وقت حاصل
سبحان ذي الملكوت والسلطان
٥٣٨٢
يا غافلا عما خلقت له انتبه
جد الرحيل فلست باليقظان
٥٣٨٣
سار الرفاق وخلفوك مع الألى
قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني
٥٣٨٤
ورأيت أكثر من ترى متخلفا
فتبعتهم ورضيت بالحرمان
٥٣٨٥
لكن أتيت بخطتي عجز وجهـ
ـل بعد ذا وصحبت كل أمان
٥٣٨٦
منتك نفسك باللحاق مع القعو
د عن المسير وراحة الأبدان
٥٣٨٧
ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا
ماذا صنعت وكنت ذا إمكان