منظومة · ابن القيم
فصل: في تعين الهجرة من الآراء والبدع إلى سنته كما كانت فرضا من الأمصار إلى بلدته عليه السلام
٤٥٣٥
يا قوم فرض الهجرتين بحاله
والله لم ينسخ إلى ذا الآن
٤٥٣٦
فالهجر الأول إلى الرحمن بالـ
إخلاص في سر وفي إعلان
٤٥٣٧
حتى يكون القصد وجه الله بالـ
أقوال والأعمال والإيمان
٤٥٣٨
ويكون كل الدين للرحمن ما
لسواه شيء فيه من إنسان
٤٥٣٩
والحب والبغض اللذان هما لـ
ـكل ولاية وعداوة أصلان
٤٥٤٠
لله أيضا هكذا الإعطاء والمنـ
ـع اللذان عليهما يقفان
٤٥٤١
والله هذا شطر دين الله
والتحكيم للمختار شطر ثان
٤٥٤٢
وكلاهما الإحسان لمن يتقبل الر
حمن من سعي بلا إحسان
٤٥٤٣
والهجرة الأخرى إلى المبعوث بالـ
إسلام والإيمان والإحسان
٤٥٤٤
أترون هذي هجرة الأبدان لا
والله بل هي هجرة الإيمان
٤٥٤٥
قطع المسافة بالقلوب إليه في
درك الأصول مع الفروع وذان
٤٥٤٦
أبدا إليه حكمها لا غيره
فالحكم ما حكمت به النصان
٤٥٤٧
يا هجرة طالت مسافتها على
من خص بالحرمان والخذلان
٤٥٤٨
يا هجرة طالت مسافتها على
كسلان منخوب الفؤاد جبان
٤٥٤٩
يا هجرة والعبد فوق فراشه
سبق السعاة لمنزل الرضوان
٤٥٥٠
ساروا أحث السير وهو فسيره
سير الدلال وليس بالذملان
٤٥٥١
هذا وتنظره أمام الركب كالعـ
ـلم العظيم يشاف في القيعان
٤٥٥٢
رفعت له أعلام هاتيك النصو
ص رؤوسها شابت من النيران
٤٥٥٣
نار هي النور المبين ولم يكن
ليراه إلا من له عينان
٤٥٥٤
مكحولتان بمرود الوحيين لا
بمراود الآراء والهذيان
٤٥٥٥
فلذاك شمر نحوها لم يلتفت
لا عن شمائله ولا أيمان
٤٥٥٦
يا قوم لو هاجرتم لرأيتم
أعلام طيبة رؤية بعيان
٤٥٥٧
ورأيتم ذاك اللواء وتحته الرسـ
ـل الكرام وعسكر القرآن
٤٥٥٨
أصحاب بدر والألى قد بايعوا
أزكى البرية بيعة الرضوان
٤٥٥٩
وكذا المهاجرة الألى سبقوا كذا الـ
أنصار أهل الدار والإيمان
٤٥٦٠
والتابعون لهم بإحسان وسا
لك هديهم أبدا بكل زمان
٤٥٦١
لكن رضيتم بالأماني وابتليـ
ـتم بالحظوظ ونصرة الإخوان
٤٥٦٢
بل غركم ذاك الغرور وسولت
لكم النفوس وساوس الشيطان
٤٥٦٣
ونبذتم غسل النصوص وراءكم
وقنعتم بقطارة الأذهان
٤٥٦٤
وتركتم الوحيين زهدا فيهما
ورغبتم في رأي كل فلان
٤٥٦٥
وعزلتم النصين عما وليا
للحكم فيه عزل ذي عدوان
٤٥٦٦
وزعمتم أن ليس يحكم بيننا
إلا العقول ومنطق اليونان
٤٥٦٧
فهما بحكم الحق أولى منهما
سبحانك اللهم ذا السبحان
٤٥٦٨
حتى إذا انكشف الغطاء وحصلت
أعمال هذا الخلق في الميزان
٤٥٦٩
وإذا انجلى هذا الغبار وصار ميـ
ـدان السباق تناله العينان
٤٥٧٠
وبدت على تلك الوجوه سماتها
وسم المليك القادر الديان
٤٥٧١
مبيضة مثل الرياض بجنة
والسود مثل الفحم للنيران
٤٥٧٢
فهناك يعلم كل راكب ما تحته
وهناك يقرع ناجذ الندمان
٤٥٧٣
وهناك تعلم كل نفس ما الذي
معها من الأرباح والخسران
٤٥٧٤
وهناك يعلم مؤثر الآراء والشـ
ـطحات والهذيان والبطلان
٤٥٧٥
أي البضائع قد أضاع وما الذي
منها تعوض في الزمان الفاني
٤٥٧٦
سبحان رب الخلق قاسم فضله
والعدل بين الناس بالميزان
٤٥٧٧
لو شاء كان الناس شيئا واحدا
ما فيهم من تائه حيران
٤٥٧٨
لكنه سبحانه يختص بالفضـ
ـل العظيم خلاصة الإنسان
٤٥٧٩
وسواهم لا يصلحون لصالح
كالشوك فهو عمارة النيران
٤٥٨٠
وعمارة الجنات هم أهل الهدى
الله أكبر ليس يستويان
٤٥٨١
فسل الهداية من أزمة أمرنا
بيديه مسألة الذليل العاني
٤٥٨٢
وسل العياذ من اثنتين هما اللتا
ن بهلك هذا الخلق كافلتان
٤٥٨٣
شر النفوس وسيء الأعمال ما
والله أعظم منهما شران
٤٥٨٤
ولقد أتى هذا التعوذ منهما
في خطبة المبعوث بالقرآن
٤٥٨٥
لو كان يدري العبد أن مصابه
في هذه الدنيا هما الشران
٤٥٨٦
جعل التعوذ منهما ديدانه
حتى تراه داخل الأكفان
٤٥٨٧
وسل العياذ من التكبر والهوى
فهما لكل الشر جامعتان
٤٥٨٨
وهما يصدان الفتى عن كل طر
ق الخير إذ في قلبه يلجان
٤٥٨٩
فتراه يمنعه هواه تارة
والكبر أخرى ثم يشتركان
٤٥٩٠
والله ما في النار إلا تابع
هذين فاسأل ساكني النيران
٤٥٩١
والله لو جردت نفسك منهما
لأتت إليك وفود كل تهان