الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا هو المجلس الأول من كتاب "التفسير" من كتب ابن أبي الدنيا.
وكانت النية أن يكون هناك بث، غير أنه شاء الله وقدر اللَّهُ مَا شَاءَ فَعَلَ، أن تنقطع الكهرباء عن المكان الذي نجلس فيه ونبث، وعليه فإن الدرس صار مسجلاً، ولا فرق عند كثير من الإخوة إن شاء الله تبارك وتعالى.
ما هو الكتاب الذي نقرأه وما سبب اختياره؟ الكتاب هو كتاب بعنوان، قد جمعه رجل معاصر، بعنوان: (كتاب التفسير من كتب ابن أبي الدنيا) ، وهذا للأخ (فاتح بوزيان بشير باشا الجزائري).
هذا الباحث مشكوراً، جزاه الله خيراً، جمع ما يتعلق بتفسير آيات القرآن من كتب ابن أبي الدنيا الكثيرة الواسعة، وعامتها إما أحاديث عن النبي «صلى الله عليه وسلم» ، وغالبها آثار موقوفة عن الصحابة والتابعين.
يقول الله عز وجل: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1-2]. ومعنى ذلك أن كلما كان الإنسان أتقى كان بالقرآن أهدى، وأهدى هذه الأمة وأتقى هذه الأمة القرون الثلاثة الفاضلة التي أثنى عليها النبي «صلى الله عليه وسلم».
التعريف بالمصنف وابن أبي الدنيا: وكتب ابن أبي الدنيا لمن لا يعرفها هي مصنفة على الموضوعات: (الإخلاص، التوبة، الزهد، اصطناع المعروف).
دائماً يأتي إلى باب من أبواب الخير ويجمع فيه ما استطاع أن يجمع من أحاديث وآثار وأشعار، وفي ضمنها يكون هناك استشهاد بآيات.
وابن أبي الدنيا من طبقة أصحاب الكتب الستة، هو: (أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي مولاهم البغدادي المؤدب).
وشيوخه جمعهم المزي فكانوا أكثر من مئة.
أقوال العلماء فيه:
- يقول الذهبي: (تصانيفه كثيرة جداً فيها مخبآت وأعجاب).
وهذا الذي قاله الذهبي هو الحال؛ كم من أثر صحيح نفيس تجده في كتب ابن أبي الدنيا، ففيها مخبآت وعجب. - يقول ابن كثير: (وقد روى عنه ابن ماجه في تفسيره) ، وهذه رواية أقران عن بعضهم البعض، وهذا ما يرفع من شأن الرجل أن يروي عنه أقرانه.
- وقال الحافظ ابن كثير: (الحافظ المصنف في كل فن، المشهور بالتصانيف الكثيرة النافعة الشائعة الذائعة في الرقاق وغيرها، وهي تزيد على مئة مصنف، وقيل نحو الثلاثمئة، وقيل أكثر).
- وقال ابن أبي حاتم: (كتبت عنه مع أبي).
وقال أبي (أبو حاتم): (هو الصدوق).
وهذه كلمة أبو حاتم يطلقها على كبار الحفاظ، فكلمة "صدوق" عند المتأخرين هي دون ولكن عند المتقدمين (كأبي حاتم) أطلقها على كبار الحفاظ بدليل أنه أطلقها على (الإمام مسلم) رحمه الله. - وحتى قيل من سعة معرفته: (أن ابن أبي الدنيا كان إذا جالس أحداً إن شاء أضحكه وإن شاء أبكاه) ؛ لأنه يحفظ النوادر.
وله كتاب في (المحتضرين)، وله كتاب في (البكاء والرقة).
والذهبي ذكر له (180 مصنفاً).
منهج التعامل مع مروياته: وكتب ابن أبي الدنيا على فضيلتها، الناس نفروا منها بسبب أن فيها أخباراً ضعيفة، والمصنف هنا جمع آثاراً فيها ثلاثة أسباب للتسامح:
- السبب الأول: من أسباب التسامح عند أهل العلم أن يكون الأثر مروياً في "الرقاق"، فهذا يتسامحون في أسانيده، يدل عليه قول سفيان بن عيينة: (خذوا عن بقية بن الوليد ما كان في الرقاق، وما كان في حلال وحرام فلا تأخذوه) أو كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله.
وهناك آثار كثيرة عن السلف أنهم يقولون في بعض الضعفاء: (يكتب حديثه في الرقاق). - السبب الثاني: أن غالب الآثار موقوفة ومقطوعة، يعني هي كلام للصحابة أو كلام للتابعين، وكلام الصحابة وكلام التابعين يتسامح في أسانيده ما لا يتسامح في المرفوعات؛ لأنه أولاً ليس "جادة"، لأن الغالب أن الناس يروون إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فمن روى موقوفاً أو مقطوعاً دل ذلك على حفظه لمخالفته الجادة والسائد، ولقصر الإسناد.
ولهذا مثلاً تراهم قبلوا أثر (ليث بن أبي سليم عن مجاهد في المقام المحمود)، والعادة أنهم لا يقبلون روايات ليث في المرفوعات.
وقال أحمد في بعض الرواة الضعفاء (أظنه "صدقة السمين" إن لم تخن الذاكرة): (ما روى مرفوعاً فهو منكر، وما روى عن مكحول فهو أسهل).
وهناك آثار كثيرة عن السلف في هذا وقد جمعت فيها مقالاً مفرداً. - السبب الثالث: أن عامة الآثار في التفسير، وهي ليست تفسيرات بالضرورة، قد تكون استنباطات أو استشهادات، كما قرأنا في رمضان المنصرم كتاب (أبي عبيد القاسم بن سلام) الذي اسمه "شواهد القرآن" وهو استشهادات السلف بالقرآن، فهذا مما يتسامح به؛ لأن أسانيد التفسير جرت عادة الأئمة أنهم يتسمحون بها، ونبه على هذا الخطيب وغيره؛ لأن كثيراً منها هي "صحف تفاسير" تروى رواية.
الكتب التي جمع منها الباحث الجامع من كتب ابن أبي الدنيا هي: (الإخلاص والنية) -وهذا لنا شرح عليه-، (الإخوان)، (الإشراف في منازل الأشراف)، (اصطناع المعروف)، (إصلاح المال)، (الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان)، (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، (الأولياء)، (البر والصلة)، (التواضع والخمول)، (التوبة)، (التوكل على الله)، (الجوع)، (حسن الظن بالله)، (الحلم)، (حلم معاوية)، (ذم البغي)، (ذم الدنيا)، (ذم الغيبة والنميمة)، (ذم الكذب)، (ذم الملاهي)، (الرضا عن الله بقضائه)، (الرقة والبكاء)، (الزهد)، (الشكر)، (الصبر والثواب عليه)، (صفة الجنة)، (صفة النار)، (الصمت وآداب اللسان) -وهذا لنا شرح عليه-، (العزلة والانفراد)، (العقل وفضله)، (العقوبات)، (العمر والشيب)، (العيال)، (الفرج بعد الشدة)، (فضائل رمضان) -وهذا أيضاً فضائل رمضان شرحناه-، (القبور)، (قرى الضيف)، (قصر الأمل)، (قضاء الحوائج)، (القناعة والتعفف)، (كلام الليالي والأيام)، (المتمنين)، (مجابو الدعوة)، (محاسبة النفس)، (المحتضرين)، (مداراة الناس)، (المرض والكفارات)، (المطر والرعد والبرق)، (مقتل علي رضي الله عنه)، (مكائد الشيطان)، (مكارم الأخلاق)، (المنامات)، (من عاش بعد الموت)، (النفقة على العيال)، (الهم والحزن)، (هواتف الجنان)، (الوجل والتوثق بالعمل)، (الورع)، (اليقين).
هذه الكتب التي جمع منها، وهي ليست كل كتب ابن أبي الدنيا.
يقول: (أما كتاب ذم المسكر وقضاء الحوائج فليس منهما شيء على شرط الكتاب).
فهذه ليست كل كتب ابن أبي الدنيا، هذا ما وقفنا عليه، وربما يوجد في خزانة مخطوطات من كتب ابن أبي الدنيا ما لم نقف عليه من قبل.
وأيضاً -وهذا أنا شبه متأكد منه- أنه يوجد في خزائن المخطوطات نسخ للكتب الموجودة هي أكمل من النسخ الموجودة، أو فيها استدراكات على النسخ الموجودة، وهذا ما أكثره، وهذا ما أكثره.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬