التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة الأعراف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف: 12]

حدثنا محمد بن بشير، قال: حدثنا عبد الرحمن بن جرير، قال: قال أبو حازم**:** "مَن رأى أنه خيرٌ من غيره فهو مستكبر؛ وذلك أن إبليس قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} فكان ذلك استكباراً".

كيف يغتر المرء بنفسه وهو لا يدري ما يؤول إليه حالك ولا حال الآخرين؟ فالبواطن عند الله، وكم من إنسان تراه اليوم على شر ثم يؤول حاله إلى خير وأنت لا تدري.


قوله تعالى: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} [الأعراف: 27]

حدثنا محمد بن أبي سمينة، قال: حدثنا إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، قال: حدثنا مخلد بن حسين، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}، قال: "كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة نُزع عنهما، وتُرك الظفر تذكرة".

يعني هذا الإظفرالموجود كان لباسا لعامة الناس ورواية النكري عن أبي الجوزاء قال عنها ابن عدي: "روى عنه أحاديث غير محفوظة"، ولا أدري يحتمل أم لا، وهو يروي أموراً غريبة.


قوله تعالى: {فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} [الأعراف: 38]

حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان قال: حدثني غير واحد عن السدي عن مرة عن عبد الله: ((ضعفاً من النار)) قال: "أفاعي" -يعني أهل النار في النار-.

وهذا ثابت في آثار كثيرة؛ تأتيهم أفاعٍ، هذه الأفاعي تلدغهم مع إحراق النار لهم -نعوذ بالله من عذاب جهنم-.


قوله تعالى: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41].

حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا علي بن ثابت عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي -موسى ضعيف لكن روايته عن محمد بن كعب قوله هين- ((لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)) قال:"المهاد الفراش، والغواشي اللحاف".

لأنه يغشاك اللحاف


((قوله تعالى: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]))

حدثنا أبو بكر بن أسلم، قال: حدثنا النضر بن شُميل، قال: حدثنا شعيب، عن أبي إسحاق، قال: سمعت الأغرَّ، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: "ينادى أهل الجنة: تصِحُّون فلا تمرضون أبداً، وتشبعون فلا تجوعون أبداً، وتشبُّون فلا تهرمون أبداً، لا تشعث أشعارهم، ولا تغير أبشارهم، ولا يلقون فيها بؤساً".

وهذا إسناد رجاله ثقات، إن سَلِمَ من اختلاط أبي إسحاق السبيعي.


قوله تعالى: {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50].

حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا موسى بن المغيرة -من أهل البصرة- عن أبي موسى الصفار قال: سألتُ ابن عباس -أو سُئل-: أي الصدقة أفضل؟ قال: سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: «سقي الماء»، ألم ترَ إلى أهل النار إذا استغاثوا قالوا: {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}.

طيب، الحديث هذا في سنده جهالة، والأخبار الواردة في أن أفضل الصدقة سقي الماء فيها بحث وفيها نظر، لكن هناك حديث أيضاً: «ألم نُرْوِكَ من الماء؟»؛ أنه يقال لابن آدم يوم القيامة: «ألم نُرْوِكَ من الماء؟».

وأيضاً خبر سعد بن عبادة في سنده انقطاع، لكنه يدل عليه أنه كان لهم وقف؛ سعد بن عبادة لما ماتت أمه جاء للنبي صلى الله عليه وسلم واستشاره بأمر بصدقة يتصدقها عن أمه، فاقترح عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لها بئر ماء، وجعل لها بئراً وسقاية.

وفي الحج لما كان العباس وأبناؤه يسقون الحاج، أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يسقي معهم لولا أن يجتمع عليهم الناس، وقال: «أنتم على عمل، أنتم على خير، أنتم على عمل صالح»، وشرب من سقايتهم، وإن كان العباس كان يريد أن يأتي له بماء من البيت؛ لأن هذا الذي في السقاية يكون فيه شيء مما يلوثه، فهذا كله يدل على فضل سقي الماء.


((قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50]))

حدثنا إسحاق، قال: حدثنا الفضل بن دُكين، عن سفيان (الثوري)، عن عثمان بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}، قال: "ينادي الرجل أخاه: يا أخي، قد احترقتُ فأغثني! فيقول: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}".
هذا إسناد قوي.

قوله تعالى: {هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73].

حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل.

هذا إسناد صحيح عن أبي الطفيل، أبو الطفيل ايش اسمه؟ عامر بن واثلة، ما صفته؟ له صفة مشهورة أحد يعرفها؟ آخر الصحابة؛ آخر الصحابة موتاً إطلاقاً.

يقول: لما قالوا لصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين، أراهم هضبة من الهضبات، فإذا هي تمخض كما تمخض الحامل، ثم تفرجت عن الناقة.

خروج الناقة من هضبة، هذا خبر صح عن أبي الطفيل.
بعض الناس -مثل رشيد رضا وغيره- يقولون: "هذه إسرائيلية"، وهذا صالح! ليس من أنبياء بني إسرائيل حتى تكون إسرائيلية، صالح من العرب، وأبو الطفيل كان صحابياً صغيراً، وأكثر أخذه كان عن علي بن أبي طالب.
ولابن حزم كلام سوء في حقه ولا ينبغي ذكره ولا يعتبر؛ هذا ابن حزم في حديث ما وجد أن يعله إلا هو الصحابي! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فقال لهم صالح: {هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73].


قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف: 80].

حدثنا الحسين بن علي قال: حدثنا محمد بن الصلت قال: حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس -الضحاك ما سمع ابن عباس ولكن سمع من تلاميذه، فروايته عنه تحتمل ما لم يروِ منكراً- في قوله عز وجل: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} قال: "أدبار الرجال".

وبشر ضعيف، لكنه يحتمل في التفسير.

حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم -هذا من؟ هذا ابن عُلَية، المرة هذه يذكر باسمه الذي يحبه؛ إسماعيل بن إبراهيم، عُلَية أمه- عن ابن أبي نجيح: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80].

قال عمرو بن دينار: "ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط".


قوله تعالى: {أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [الأعراف: 117].

حدثنا محمد بن أبي رجاء القرشي قال: حدثنا الطيالسي قال: حدثنا هشام بن أبي عبد الله -هذا الدستوائي، نادراً ما يذكر باسمه هشام بن أبي عبد الله، وغالباً يقال الدستوائي أو هشام الدستوائي- عن القاسم بن أبي بَزَّة -وهذا الذي أخذ التفسير عن مجاهد- قال:

"جمع فرعون سبعين ألف عصا، وسبعين ألف ساحر، وسبعين ألف حبل، فجاء موسى عليه الصلاة والسلام يُخيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوحى الله عز وجل أن ألقِ عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان فاغر فاه، فابتلع عصيهم وحبالهم، فخرّوا عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما، فعند ذلك قالوا: {لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات}.

وجعلت امرأة فرعون تقول: من غَلَب؟ فيقولون: موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون.
فبلغ ذلك فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، ففعلوا، فقال: انطلقوا بها فخيّروها؛ فإن اختارتهم فألقوا عليها الصخرة، وإن اختارته فهي امرأته.

قال: فانطلقوا إليها فأخبروها، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فرفعت رأسها فنظرت إلى بيت من الجنة، وانتُزِع روحها، وأُلقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح".

وإسناده صحيح إلى القاسم بن أبي بَزَّة.


قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146].

حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت الفضيل -هذا فضيل بن عياض- يقول: ذُكر عن نبي الله عز وجل صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أعظمت أمتي الدنيا نُزع منها هيبة الإسلام».

هذا نحواً من معنى حديث: «تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها»، قال: ومِن قِلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «لا، أنتم كثير ولكنكم كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن»، قال: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».

قال: «وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حُرمت بركة الوحي»، الله أكبر!

قال: وذكر سفيان نحوه، قال سفيان: ذلك في كتاب الله عز وجل: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146].

الأمر -ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- من الكبر؛ من الكبر من أي جهة؟ من جهة الآمر والمأمور:

  • أما الآمر: فيتكبر أن يُؤذى في ذات الله عز وجل -آه- فيقول يعني: ما تستحق إني أقول لشخص أقول له اتقِ الله فيرد عليّ رد سوء فأُوذى في ذات الله.
  • والمتكبر [المأمور]: أنه لا يقبل النصح، أنه لا يقبل النصح ولا يرضى به فيُحرم بركة الوحي، الآمر والمأمور.

قال: معناه "سأنزع عن قلوبهم فهم القرآن".

يقول: «وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حُرمت بركة الوحي»، قال: وذكر سفيان نحوه، قال سفيان: ذلك في كتاب الله عز وجل: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146]، قال معناه: "سأنزع عن قلوبهم فهم القرآن".

ولهذا ما حصل في الأزمة المتأخرة حين ترى إنساناً يفهم كتاب الله عز وجل على غير فهمه؛ فمثلاً يحرف آيات الصفات، ترى هذا من الصرف.
وشيخ الإسلام كان ينزل هذه الآيات على أهل التعطيل؛ الجهمية وغيرهم، هذا صرفٌ، صرفٌ عن عن معاني الآيات، أو يقول: هذه ظواهر وهذه لا تفيد اليقين ولا تفيد القطع، وغير ذلك، أو دروشة أو غير ذلك، هذا كله الصرف.
قد يكون الإنسان حافظاً لكتاب الله عز وجل ولكن لا يفهمه، بل يفهم فهماً منكوساً.


قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155].

حدثنا محمد بن يونس القرشي قال: حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا عمر بن سليم المدني قال: سمعت محمد بن كعب القرظي -محمد بن كعب القرظي تابعي من بني قريظة- في قوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} [الأعراف: 155] قال:

"اختار من صالحيهم سبعين رجلاً -وهذا الأثر تقدم- ثم خرج بهم، فقالوا: أين تذهب بنا؟ قال: أذهب بكم إلى ربي وعدني أن ينزل علي التوراة، قالوا: فلا نؤمن بها حتى ننظر إليه، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، فبقي موسى قائماً بين أظهرهم ليس معه منهم أحد، قال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وليس معي رجل ممن خرج معي؟! ثم قرأ: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56]" فقالوا: هدنا إليك، فبهذا تعلقت اليهود فتهودت بهذه الكلمة.


قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156].

حدثنا إبراهيم [قال]: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حماد بن زيد عن الكلبي -مكتوب الكبلي هو الكلبي-: ((ورحمتي وسعت كل شيء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون)) قال: "هي لهذه الأمة، لهذه الأمة يتقون الشرك"، ومن اتقى البدعة كان معه رحمة أكثر، ومن اتقى الشرك الأصغر كان معه رحمة أكثر، ومن اتقى الكبائر كان معه رحمة أكثر، وهكذا كل ما كنت لله أتقى كل ما كانت الرحمة التي معك أعظم.


قوله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [الأعراف: 163].

حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب قال: "كنت جالساً في المسجد" -عطاء اختلط ولكن هذه الرواية يذكر فيها قصة- "فإذا شيخ قد جاء فجلس وجلس إليه الناس" -هذا في الكوفة- "فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله" -عبد الله من؟ ابن مسعود؛ لأن هو الذي له شهرة في الكوفة- "فقال: سمعت عبد الله في قوله: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} إلى نهاية {كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163-165] قال:

"لما حرم الله عز وجل عليهم السبت كانت الحيتان تأمن يوم السبت فتجيء لا يستطيعون أن يمسوها، فكان إذا ذهب يوم السبت ذهبت، فكانوا يتصيدون كما يتصيد الناس، فلما فلما أرادوا فلما أرادوا أن يعتدوا في السبت اصطادوا فيه، فنهاهم قوم من صلحائهم فأبوا، وكاثرهم الفجار، فأراد الفجار قتالهم، وكان فيهم من لا يشتهون قتلهم؛ أبو أحدهم أو أخوه أو ذو قرابته، فلما نُهوا أبوا.

قال الصالحون: إذا أبيتم فإنا نجعل بيننا وبينكم حائطاً، ففعلوا، فلما فقدوا أصواتهم قال بعضهم لبعض: لو نظرتم إلى إخوانكم ما فعلوا؟ فنظروا فإذا هم قد مسخوا قروداً، فكانوا يعرفون الكبير بكبره والصغير بصغره فجعلوا يبكون إليهم".

هذا بعد موسى صلى الله عليه وسلم، يعني هذه القصة كلها حصلت بعد نبي الله موسى.

حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا ابن عُلَية عن أيوب قال: تلا الحسن ذات يوم قوله تعالى -هذا إسناد صحيح-: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} إلى آخر الآية، قال: فقال:

"حوت حرّمه الله عليهم في يوم وأحلّه لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في ذلك في فكان يأتيهم في اليوم الذي حرّمه عليهم كأنه المخاط ما يمتنع من أحد، فجعلوا يهمّون ويمسكون" -شوف الفتنة! هذا مثل الصيد في الحرم- "وقلّما رأيت أحداً يكثر الإهمام بالذنب إلا واقعه" -هذه انظر، هذه قاعدة يقولها الحسن، يقول: وقلّما رأيت أحداً يكثر الإهمام بذنب إلا واقعه- "فجعلوا يهمّون بالذنب ويمسكون، وأشدّه عقوبة في الآخرة، وايم الله للمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله عز وجل جعل موعدهم الساعة والساعة أدهى وأمر".


قوله تعالى: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164].

{لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.

حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: أخبرنا يحيى بن سليم الطائفي قال: سمعت ابن جريج يحدث عن عكرمة قال:

"دخلت على ابن عباس وهو يقرأ في المصحف قبل أن يذهب بصره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟" -عكرمة البربري تلميذ عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عباس تعاهده جداً حتى إنه كان يضع الكبل في قدميه يربطه عشان يعلّمه القرآن، فكان واسع العلم غاية-.

"فقلت: ما يبكيك جعلني الله فداك؟ قال: ويحك هل تعرف أيلة؟ قلت: وما أيلة؟ قال: قرية كان بها ناس من اليهود حرّم الله تعالى عليهم حيتانهم يوم سبتهم، وكانت حيتانهم تأتي تأتيهم يوم السبت بيضاً وسماناً كأمثال المخاط ينطح بأبنيتهم، فإذا كان غير يوم السبت ذهبت فلم يجدوها ولم يدركوها إلا في كبد ومشقة ومؤونة شديدة، فقال بعضهم لبعض: لعلنا لو اصطدناها يوم السبت لأكلناها في غير يوم السبت، فأخذها أهل بيت منهم فشووا، فوجد جيرانهم ريح الشواء فقالوا: والله ما نراه أصاب بني فلان شيء" -هذه صارت الفتنة، إنهم رأوهم خالفوا أمر الله وما حصل عليهم شيء- "قالوا: طيب نحن نتبعهم، فأخذها غيرهم حتى كثر ذلك فيهم وفشا، فافترقوا ثلاث فرق؛ فرقة أكلت، وفرقة نهت، وفرقة قالت: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}".

الآن الذين أكلوا هلكوا، والذين امتنعوا ونهوا نجوا، الفئة الثالثة التي كلمت الناهية وقالت لها: لِمَ تنهونهم؟ دعوا هؤلاء، ما حصل لهم؛ "فقالت الفرقة التي نهت: يا قوم إنا نحذركم أن يميتكم الله بمسخ أو خسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، والله لا نبايتكم مكاناً أنتم فيه، فخرجوا من السور، فلما كان من الغد أتوا السور ثم رقي منهم راقٍ فقال: يا عباد الله قردة والله لها أذناب تعاوى، فنزل ففتح الباب فدخل عليهم الناس، فعرفت القردة أنسابها من الناس" -القرد صار يعرف أبوه، يعرف أخوه- "ولم تعرف أنسابها من القردة، فيأتي قرد للإنسان فيقول له: أنت فلان؟ فيشير برأسه نعم ويبكي، وتجيء القردة إلى الإنسان فيقول: أنت فلانة؟ فتشير برأسها نعم وتبكي، فقالوا لهم: إنا قد حذرناكم عقاب الله عز وجل".

قال ابن عباس: "وأسمع وأسمع وأسمع الله تعالى يقول: {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165]".

طيب قال: "فما أدري ما فعلت الفرقة الثالثة، فكم فكم من منكر قد رأينا فلم ننهَ عنه" -عبد الله بن عباس يقول فخاف على نفسه، قال: فكم من منكر رأينا فلم ننهَ عنه، فمن هذا بكى ابن عباس، الله!-.

قال عكرمة: "فقلت له: ألا ترى جعلني الله فداك أنهم قد أنكروا وعرفوا حتى قالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا}؟ قال: فأعجبه قولي وأمر لي ببرد" -كافأه على أنه فرّج عنه؛ إن هؤلاء بما إنهم أنكروا على الأقل باللسان، فبهذا الحوار مجرد هذا الحوار دليل على أنهم منكر-.

وهذا ثابت، هذا الخبر هذه القصة كلها ثابتة.


قوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166].

حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء عن أبيه -من عطاء هذا؟ من ابن رباح؟ لا، عطاء الخراساني، الخراساني عطاء عطاء الخراساني- قال:

"نُودي أهل القرية الذين اعتدوا في السبت من السماء: يا أهل القرية، فانتبهت جماعة منهم، ثم نُودي الثالثة: يا أهل القرية، فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقيل لهم: كونوا قردة خاسئين".

حدثنا محمد بن علي بن شقيق -علي بن علي بن الحسن بن شقيق- قال: حدثنا حدثنا إبراهيم بن الأشعث -إبراهيم هذا من؟ هذا خادم الفضيل بن عياض- قال: حدثني شيخ من أهل أيلة قال: حدثني أشياخ من أهل العلم من أهل أيلة:

"أنهم أووا إلى قريتهم في في الليلة التي نزل فيها عذاب عذاب الله عز وجل، فلما مضى مضى ثلث الليل الأول نُودوا: يا أهل القرية، بصوت سمعه صغيرهم وكبيرهم، فوثبوا عن فرشهم فزعين مذعورين، فخرجوا يموج بعضهم في بعض ساعة من الليل ثم رجعوا إلى فرشهم، فلما مضى الثلث الأوسط نُودوا مثلها: يا أهل القرية، فوثبوا عن فرشهم يموج بعضهم في بعض ساعة من الليل ثم رجعوا إلى فرشهم، فلما كان عند انقضاء ثلث الليل الآخر نُودوا: يا أهل القرية كونوا قردة خاسئين".


في قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182].

حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم قال: حدثنا عبد الله بن داود عن سفيان في قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} قال: "نُسبغ عليهم النعم ونمنعهم الشكر".

فقال غير سفيان: "كلما أحدث ذنباً أحدثت له نعمة".

قال ابن داود: "وينسى" -وهذا صحيح عن سفيان الثوري من فضل-.

قال: حدثنا علي بن الحسين عن شيخ له أن ثابتاً البناني -ثابت بن أسلم البناني تلميذ أنس، ثابت دويبة أحبها وكان قاصاً- يعلّ عن الاستدراج فقال: "مكر الله بالعباد المضيّعين".

قال: وقال يونس: "إن العبد إذا كان له عند الله منزلة فحفظها وأبقى عليها ثم شكر الله بما أعطاه، أعطاه الله أشرف منها، وإذا ضيع الشكر استدرجه الله، وكان تضييعه الشكر استدراجاً".

والشكر يكون باللسان وبالعمل: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13]، ومن شكر النعمة طاعة الله عز وجل فيها، لا إله إلا الله.


قوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 187].

حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان -هذا الذي لُقِّب عبدان- أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا ابن جريج -عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وهو من فضلاء أتباع التابعين- في قوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قال: "عَظُمَ ذكرها في السماوات والأرض".

وقال أيضاً: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قال: "إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكُوِّرت الشمس، وسُيِّرت الجبال، وكان ما قال الله، فذلك ثقلها".


قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199].

حدثني يعقوب بن عبيد قال: حدثنا أبو مُسْهِر قال: أنبأنا سهل بن هشام عن إبراهيم بن أدهم قال: لما أنزل الله تبارك وتعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أن آخذ العفو من أخلاق الناس».

هذا لا يصح عن رسول الله، وصحَّ عن ابن الزبير.

هو ((خذ العفو)) كثير من المفسرين يفسرون العفو بأيش؟ العفو يعني الزائد عن الحاجة، الزائد عن قوتي عن القوت، يعني لما أكلنا قوتنا عفونا عنه وتركناه، فهذا يُعطى، ولهذا مثلاً في الزكاة المال الذي يبقى عاماً وله نصاب كذا.

وهناك تفسير آخر أن العفو؛ العفو الذي هو ضد العقوبة، وهذا كان اختاره ابن الزبير رواه البخاري في الأدب المفرد، نعم بل في صحيحه رواه، ورواه ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا سفيان قال: أنبأنا أمي الصيرفي قال: جاءه جبريل عليه السلام فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] -وهي {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} هذه توحي بأنه فعلاً هي من أخلاق الناس- فقال:

"يا جبريل، أي شيء هذا؟ قال: ما أدري حتى أسأل العالم، ثم جاءه فقال: يا محمد، إن الله عز وجل يأمرك أن تصل من قطعك، وتُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك".

هذا طبعاً في بعضه ليس على الوجوب.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل