قوله تعالى: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21].
((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم الأسدي، عن الحكم: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}، قال: بلغني أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من ولد آدم)).
وهذا فيه آثار عن السلف وذكرها البربهاري في عقيدته: "أن مع كل حبة من المطر ملكاً".
الله! هذا كثير، والملائكة صح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن منهم صغاراً كأمثال الذر -نعرف نحن الملائكة العظيمة- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أثر أن منهم صغاراً كأمثال الذر
أكثر من ولد آدم عليه السلام وولد إبليس، يحصون كل قطرة وأين تقع ومن يرزق ذلك النبات.
وهذا الحكم بن عتيبة، وهذا ذكر في العقائد حتى الغزالي الأشعري يذكره في عقيدته أن مع كل قطرة من المطر ملكاً ينزل.
((حدثنا يوسف، قال: حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي جحيفة، عن ابن عباس، عن ابن مسعود)) -ويزيد ضعيف هذا- قال: "ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه عمن يشاء"، ثم قرأ: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ} [الحجر: 21].
المعنى هذا: "ما من عام أمطر من عام" صح عن رسول الله ﷺ، ولكن الله يصرفه حيث يشاء.
قوله تعالى: {لَوَاقِحَ} [الحجر: 22].
((حدثنا محمد بن عبد الله المدني، قال: حدثنا عبيس بن ميمون، عن أبي المهزم)) -وأبو المهزم هذا متهم- ((عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح، وهي التي ذكر الله عز وجل في كتابه فيها منافع للناس، والشمال من نار تخرج فتمر بالجنة فتصيبها نفحة منها فبردها هذا من ذاك)).
وهذا عبيس وأبو المهزم كلاهما متروك، فهذا حديث ضعيف جداً، إلى الوضع أقرب.
((حدثني فضيل بن عبد الوهاب، قال: أنبأنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله)) -وهذا إسناد قوي إن شاء الله- في قوله: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} قال: "تلقح السحاب".
هذا عبد الله بن مسعود.
((حدثنا يوسف بن موسى، قال: أنبأنا أبو معاوية وجرير، عن الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}، قال: يبعث الله عز وجل الريح فتلقح السحاب، ثم تمر به فتدرُّ كما تدر اللقحة، ثم تمطر)).
يعني الدابة الناقة لقحت، وهذا إسناد صحيح.
((حدثنا فضيل، عن يزيد بن زريع، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: تلقح الشجرة والسحاب، الرياح تلقح الشجرة والسحاب)).
وهذا الصحيح عن الحسن.
((حدثنا يوسف، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبيد بن عمير)) -مكتوب عمر وهو خطأ، إنما هو عبيد بن عمير- قاصّ أهل مكة، كان واعظ أهل مكة تابعي كبير مخضرم، كان ابن عمر يحضر مجالسه ويبكي من وعظه، صُحفت في بعض الكتب "قاضي أهل مكة" وهو "قاصّ أهل مكة"، تعرفون الموعظة المشهورة الذين يقولون: "القبر بيت الدود"؟ هذه موعظته هو.
قال: "يبعث الله عز وجل ريحاً فتعم الأرض، ثم يبعث الله عز وجل المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلف فتؤلفه، ثم يبعث الله عز وجل لواقح فتلقح الشجر"، ثم قرأ عبيد بن عمير: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}.قال الريح وإسناده قوي.
عجيب أمر المحقق يقول: "عبيد بن عمير كان هو المترجم في الميزان فقد قال عنه..."، يعني ما تعرف عبيد بن عمير الذي تروى عنه الأخبار الواعظ؟! صراحة هذا جزاه الله خيراً المحقق على جمعه، لكن سبحان الله ما يعرف عبيد بن عمير! يقول: "إن كان مترجماً في الميزان"، يا أخي هذا رجل مشهور وله رواية في الكتب ومترجم في "سير أعلام النبلاء"، والله عجيب!
قوله تعالى: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} [الحجر: 44].
((حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا حجاج))؛ هذا المصيصي (حجاج بن محمد المصيصي)، ((قال ابن جريج)) -وهذا في تفسير ابن جريج- في قوله تعالى: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} قال: "أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم وفيه أبو جهل، ثم الهاوية".
وهذا قوي عن ابن جريج.
((حدثنا علي بن الجعد، قال: أنبأنا محمد بن يزيد، عن جهضم، قال: سمعت عكرمة في قوله: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ}، قال: لها سبعة أطباق)).
((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عمرو بن حمران، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} [الحجر: 44]، قال: هي والله منازل بأعمالهم)).
يعني نار جهنم؛ الناس ليسوا شيئاً واحداً، كما أن الجنة درجات فالنار دركات، لهذا مثلاً: المنافقون في الدرك الأسفل من النار، وأبو طالب في ضحضاح.
هذا إذاً الكافر تنفعه حسناته في أنه يعني تخفف عنه شيئاً.
قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} [الحجر: 74].
((حدثنا القاسم بن هاشم))، ((حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى أبي حبيب قاضي حمص يسأله: كم عقوبة اللوطي؟ فكتب إليه: أن عليه أن يرمى بالحجارة كما رجم قوم لوط، قال الله عز وجل: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}، فقبل عبد الملك ذلك منه وحسنه من رأيه)).
وهذا مروي عن جماعة من الصحابة.
في قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92-93].
((حدثني بشر بن معاذ، عن شيخ من قريش، قال: قال عمر بن عبد العزيز: يا معشر المستترين اعلموا أن عند الله مسألة فاضحة، قال الله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ})).
هذا الأثر يُوعظ به الناس في زماننا أكثر من أي زمن آخر؛ لأن عندنا الآن مستترين تحت أسماء مستعارة في مواقع التواصل الاجتماعي، فيكتب تحت اسم مستعار ينشر الكذب، ينشر الضلالات، يفتري على الناس، يسب، يشتم، يقول ما شاء الله أن يقول، ويظن بمقاسه أنه تحت اسم مستعار، وكله عند الله عز وجل "باسم صريح"، كله عند الله عز وجل باسم صريح.
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن طارق، عن سالم))؛ نعم وسالم بن عبد الله بن عمر، في قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} قال: "الموت".
((حدثنا عبد الله، قال: وقال بعض الحكماء: من ضعف اليقين تدخل الآفة على المريدين)).
هذا ما هو من كلام عبد الله، هذه كلمة ابن أبي الدنيا علق بها: "انتهى الأثر عند الموت"، ثم قال: "بعض الحكماء يقول: تدخل الآفة على المريدين، وبقوة اليقين وصدق المطالبة يكون الجد والاجتهاد، وبصدق الخوف والحذر تسلو النفس عن الشهوات".
طيب، هذا وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فهذا هو المجلس السابع من كتاب "التفسير" من كتب ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى.