قوله تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} [القمر: 8]
((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا إبراهيم بن عيينة، قال: حدثنا إسماعيل بن رافع -الضعيف جداً- عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال)): (( "ينزل الله ماءً من تحت العرش يقال له الحيوان، ويمطر الله السماء أربعين يوماً حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعاً، ثم يأمر الله الأجساد فتنبت كنبات البقل أو كنبات الطراثيث حتى تتكامل أجسادكم فتكون كما كانت" )).
(( "ثم يدعو الله عز وجل بالأرواح فيؤتى بها فتخرج كمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيلقيها في الصور؛ أرواح المسلمين تتوهج نوراً والأخرى ظلمة مظلمة، ثم يأمر الله الأرواح فتدخل على الأجساد في الأرض، فتدخل في الخياشيم فتدب -قيل كدبيب السم في اللديغ- ثم يقول الله عز وجل ليحيا حَمَلة العرش فيحيون" )).
(( "ثم يأمر الله إسرافيل فيلقيها في الصور فيقول: انفخ نفخة قيام لرب العالمين، فتخرجون حفاة عراة غلفاً؛ وذلك يوم الخروج، {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا}، {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}" )).
قوله تعالى: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 15]
((حدثنا خالد بن خداش، قال: سمعت صالحاً المري -أو حُدثت- قال)): (( "دخلتُ دار المرزبان -ويبدو أنها لبعض الجبابرة- فاستخرجتُ منها ثلاث آيات: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا}، {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا}، {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}" )).
(( "فخرج عليَّ أسود من ناحية الدار فقال: يا صالح، هذه سخطة مخلوق! فكيف بسخطة الخالق؟!" )).
-يبدو أنهم قوم كانوا على غنى وكانوا على خير، ثم سخط عليهم أحد المخلوقين فدمرهم؛ كما حصل للبرامكة-.
قوله تعالى: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]
((حدثنا الفضل بن غانم، عن سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عمن لا يُتهم، عن عكرمة، عن ابن عباس)): أنه حدثهم: بينما أنا عند عمر بن الخطاب وهو خليفة وهو يعرض الناس على ديوانهم -الديوان الذي منه يُسلّم الناس العطاءات-، إذ مرَّ به شيخ كبير أعمى، يجبذه قائده جبذاً شديداً -الأعمى له قائد يقوده وهذا قائده كان سيء الخلق يجبذه جبذاً شديداً-؛ فقال عمر حين رآه: (( "ما رأيتُ كاليوم منظراً أثقل!" )).
فقال رجل من القوم جالس عنده: (( "ما تعرف مَن هذا يا أمير المؤمنين؟" ))، قال: (( "لا" ))، قال: (( "هذا ابن ضبُعة السلمي ثم البهثي الذي بهله بُريق" )).
فقال عمر: (( "قد عرفتُ أن بُريقاً لقب، فما اسم الرجل؟" ))، قالوا: عياض.
فدعا به فقال: (( "أخبرني خبرك وخبر بني ضبعة" )) -بهله يعني غلبه في المباهلة-.
قال: (( "يا أمير المؤمنين، أمرٌ من أمر الجاهلية قد انقضى شأنه وقد جاء الله عز وجل بالإسلام.
يا أمير المؤمنين، كان بنو ضبعة عشرة، فكنتُ ابن عم لهم لم يبقَ من بني أبي غيري، وكنتُ لهم جاراً، وكانوا أقرب قومي لي نسباً، وكانوا يضطهدونني ويظلمونني -هم عشرة وواحد- ويأخذون مالي بغير حقه، فذكّرتهم الله والرحم والجوار ألا ما كفوا عني، فلم يمنعهم ذلك مني، فأمهلتهم حتى إذا دخل الشهر الحرام رفعتُ يدي إلى السماء ثم قلتُ: اللهم أدعوك دعاءً جاهداً .. اقتل بني الضبعاء إلا واحداً ثم اضرب الرجل فذره قاعداً .. أعمى إذا ما قيد عني القائداً فتتابع منهم تسعة في عامهم موتى، وبقي هذا الواحد الأعمى" )).
قال: (( "فعَيَّ -يعني مرض- ورماه الله في رجله بما ترى، فقائده يلقى منه ما رأيت" )) -يعني بعد فيه عرج-.
فقال عمر: (( "سبحان الله! إنَّ هذا للعجب" )).
فقال رجل من القوم: (( "يا أمير المؤمنين، فشأن أبي تقاصف الهذلي ثم الخناعي أعجب من هذا" )).
قال: (( "وكيف كان شأنه؟" )).
قال: (( "كان لأبي تقاصف تسعة وهو عاشرهم، وكان لهم ابن عم هو منهم بمنزلة عياض من بني ضبعة، فكانوا يظلمونه ويضطهدونه ويأخذون ماله بغير حق، فذكرهم الله والرحم ألا ما كفوا عنه فلم يمنعهم ذلك منه، فأمهلهم حتى إذا دخل الشهر الحرام رفع يديه إلى الله ثم قال: لاهُمَّ كلَّ امرئٍ آمِنٍ وخائفِ .. وسامعٍ هُتافَ كلِّ هاتفِ إنَّ الخناعيَّ أبا تقاصفِ .. لم يعطني الحقَّ ولم يناصفِ فاجمع له الأحبةَ بالـمَـلاطفِ .. بين كُرانَ ثُمَّ والنواصفِ قال: فتدلوا حيث وصف في قليب لهم اجتمعوا يصلحونه، فتهور عليهم جميعاً، فإنه لقبر لهم جميعاً" )).
فقال: (( "سبحان الله! إنَّ هذا للعجب" )).
فقال رجل من القوم: (( "يا أمير المؤمنين، فشأن بني المؤمل من بني نصر أعجب من هذا كله" )).
قال: (( "وكيف كان شأن بني المؤمل؟" )).
قال: (( "كان لهم ابن عم وكان بنو أبيه قد هلكوا، فألجأ ماله إليهم ونفسه ليمنعوه -يعني يحمونه من الناس-، فكانوا يظلمونه ويضطهدونه ويأخذون ماله بغير حق، فكلمهم فقال: يا بني مؤمل إني اخترتكم على من سواكم وأضفتُ إليكم مالي ونفسي لتمنعوني، فظلمتموني وقطعتم رحمي وأكلتم مالي وأسأتم جواري، فأذكركم الله والرحم والجوار ألا ما كففتم عني" )).
(( "فقال رجل منهم يقال له رباح: يا بني مؤمل، قد صدق والله ابن عمكم فاتقوا الله فيه، فإن له رحماً وجواراً، وإنه قد اختاركم على غيركم من قومكم؛ فلم يمنعهم ذلك منه.
فأمهلهم حتى إذا دخل الشهر الحرام خرجوا عُمَّاراً -يعني معتمرين- فرفع يديه إلى الله عز وجل في أدبارهم -يعني من وراءهم يوم سافروا- وقال: اللهم زُلهم عن بني مؤملِ .. وارمِ على أقفائهم بمُنكلِ بصخرةٍ أو عُرْضِ جيشٍ جحفلِ .. إلا رباحاً إنه لم يفعلِ فبينما هم نزول إلى جبل في بعض طريقهم، أرسل الله صخرة من جبل تجر ما مرت به من حجر أو صخرة حتى دكتهم دكاً واحداً، إلا رباحاً وأهل جنابه" )) -رباح الذي قال لهم اتقوا الله-.
فقال عمر: (( "سبحان الله! إنَّ هذا للعجب" )).
لما يرون أن هذا كان يكون، قالوا: (( "أنت يا أمير المؤمنين أعلم" )).
قال: (( "أما إني قد علمتُ لِما كان ذلك؛ كان أهل الجاهلية لا يرجون جنة ولا يخافون ناراً، ولا يعرفون بعثاً ولا قيامة، فكان الله يستجيب للمظلوم منهم على الظالم ليدفع ذلك بذلك بعضهم ببعض، فلما أعلم الله العباد معادهم وعرفهم الجنة والنار والقيامة قال: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}" )).
-فكانت النظرة والمدة والتأخير إلى ذلك اليوم-.
-وهذا الأثر جليل؛ لأنه من معنى أن النبي ﷺ رحمة للعالمين أنه لا يُؤخذ الناس بعذاب الاستئصال في الدنيا-.
هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فهذا مجلس جديد من كتاب التفسير من كتب ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى، ووصلنا عند سورة الرحمن.