سورة الأنعام
قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17].
قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17].
((حدثنا الحسين)) هذا الحسين المروزي الذي روى كتاب "البر والصلة" عن ابن المبارك، وطبع الكتاب منسوباً للحسين وهو "لابن المبارك" رحمه الله، وإنما يرويه عنه.
((قال حدثنا عبد الله قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا محمد بن الحسن المخزومي))
وخذها قاعدة في هذه الطبقة: إذا رأيت "محمد بن الحسن" فاعلم أنك أمام متروك؛ فهو إما الشيباني، وإما المخزومي، وإما ابن زبالة -ما أدري إن كان هو هذا نفسه ابن زبالة-.
((قال حدثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن عبد القيس)) -وهو الراهب- قال: ((ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات في كتاب الله عز وجل: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود: 6])).
يعني: هذه الآية جعلته يعلم أن الرزق مكتوب فلا يهتم، فلا يهتم بعد ذلك.
وقوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 2].
وهذه الآية على معنى الخبر المروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
فهذا الفهم جعله لا يهتم، ولا يؤمّل الناس كثيراً.
وقوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17].
وهذه الآية جعلته يتوكل على الله تبارك وتعالى، ولا ينظر إلى الناس ولا يؤمل فيهم كثيراً، وهذا هو القصد.
((قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 44-45])).
حدثني سُريج بن يونس، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن شيخ من بني بكر بن وائل (وهو مبهم)، عن الحسن البصري قال: قرأ الحسن هاتين الآيتين: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ...} إلى قوله: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، فقال الحسن: "مُكِرَ بالقوم وربِّ الكعبة! أُعطوا حاجتهم ثم أُخذوا".
وهذا المكر بالإنسان أنه يعمل للدنيا ويظن أنه قد تمكن منها أشد التمكن، وأنه قد نال غاياته وحاجاته، ويغفل عن أمر آخرته.
ومتى يفطن أن هذه النعم استدراج؟ إذا أُخذ إذا قبضه رب العالمين ورأى أمر الآخرة، {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}، فإنه حينئذٍ يدرك أن ما كان فيه من النعم التي كان يؤملها ويحلم بها ويُغبط عليها، إنما كانت مكراً به فحسب، واستدراجاً له.
((قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام: 62]))
حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: دخلت على عاصم وهو يموت -وهو عاصم بن أبي النجود، صاحب القراءة المشهورة، وأبو بكر بن عياش هو راوي "شعبة" عنه- قال: فكان يقرأ: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ}، خفضاً كما كان يقرؤها، وما أعلمه يعقِل (أي أنه من شدة سكرات الموت لم يعد يعي ما حوله، لكن جرى لسانه بما اعتاد عليه من القرآن).
قال: ودخلت على أبي حصين قبل أن يموت -وهو أيضاً من القراء- وهو يقرأ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76].
قال: ودخلت على الأعمش قبل أن يموت فقال: "لا تُؤذن بي أحداً، فإذا صليت الفجر فاخرج بي فاطرحني".
(والأعمش سليمان بن مهران من كبار الثقات الذين عليهم مدار الحديث، وهو أيضاً من القراء).
قال: ودخلت مع القراء على حبيب بن أبي ثابت -فقيه الكوفة وكان صاحب مذهب- قبل أن يموت، وتحته رقعة وهو يقول: "آه"، فلما خرجنا من عنده مات، وهذا الخبر قوي إلى أبي بكر بن عياش.
((قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]))
حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني علي بن بحر، قال: حدثني محمد بن المعلى الكوفي، عن زياد بن خيثمة، عن أبي داود (الأعمى وهو كذاب)، عن عبد الله بن سَخْبَرة.
قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن ابتُلي فصبر، وأُعطي فشكر، وظُلِم فغفر، وظَلَم فاستغفر»، ثم سكت، قالوا: ما له يا رسول الله؟ قال: «{أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}».
ومعناه صحيح فالإنسان ما بين ابتلاء ونعمة، فيشكر على النعمة فيؤجر، ويبتلى فيصبر فيؤجر، وظَلَمَ فاستغفر، ظلم نفسه يعني، فإذا أذنب استغفر الله عز وجل، وظَلَمَ فغَفَرَ عَفَا، ومن عفا أجره على الله عز وجل، ومن عفا فله العفو، فحتى حين يُظْلَم يأخذ بأعالي الأمور، {أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
هم أَمَّنُوا الناس من حقوقهم، فآمَنَهم الله عز وجل، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
((قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ...} [الأنعام: 94]))
وحدثني أبو عبد الرحمن الأسدي، قال: قال أبو مُسهر: قيل لعبد الملك بن مروان في مرضه: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: "أجدني كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}".
عبد الملك -لمن لا يعرف عبد الملك بن مروان- هذا كان رجلاً من القرّاء، كان عنده زهد وعبادة وكذا، ثم سبحان الله غلب عليه طلب الملك، وطلب الملك حتى آلت إليه الدولة الإسلامية ككل، فأخذ الملك من عبد الله بن الزبير، قام معه الشاميون وبقي في حروب حتى صار هو الخليفة لبلاد المسلمين من أولها إلى آخرها.
فكانت أم الدرداء تقول له: "بلغنا أنك بعدنا شربت الطلاء" -وهذا شيء كانوا يكرهونه لأنه يؤدي إلى السكر، وعبد الملك ما كان يسكر بلا نزاع، حتى إنه سأل الأخطل مرة: كيف يكون السكر يعني صفه لي؟ لأنه ما كان يسكر، والأخطل نصراني فيشرب الخمر- فقال لها: "والدماء"، يعني شربت الطلاء والدماء، يعني شرب الدماء بمعنى أنه سفك الدم الحرام، ويكفيك أن سيئة من سيئاته الحجاج بن يوسف الثقفي.
فهو في مثل هذا الموطن يقرأ هذه الآية، قال الله كما أجدني كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]، لأنه كان ملكاً وعنده حشم وكذا وحراس وغير ذلك، لكن الآن بعد أن يموت سيأتي لله عز وجل فرداً منزوعاً عنه هذا الملك، لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار!
{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 94].
مُلك عبد الملك تركه وراء ظهره، ما خوله ما ملكه، كان يملك هذه الدنيا.
اليوم تدخل على إنسان له منصب في وزارة أو في إدارة أو في غير ذلك فترى الكبر يكاد يخرج من عينيه، فما بالك بهذا الرجل؟! اليوم مثلاً لما يجتمع رؤساء جامعة الدول العربية مثلاً أو رؤساء العالم الإسلامي، هذا الذي يحكمه كل هؤلاء كان عبد الملك يحكمه وحده، هذا كان كله تحته.
{وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94].
وهذه الآية وإن كانت في المشركين فهي مثلٌ أيضاً يضرب لأهل الإيمان، وهذا من فقه من فقه عبد الملك بن مروان عفا الله عنه.
((قوله تعالى: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام: 96]))
حدثني محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن طلحة، عن أبي حميدة (هو أبو حميد).
قال: رأيت رجلاً غرق في نهر "بلخ" وهو يقول: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} حتى مات.
يعني يُعزي نفسه ويسلِّيها بهذا القدر لما أدركه الغرق.
((قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]))
حدثنا داود بن عمر الضبي، قال: حدثنا محمد بن الحسن الأسدي.
- "محمد بن الحسن الأسدي" هذا ما أدري هو ثقة أو متروك (بخلاف الشيباني أو المخزومي الذين مرَّ ذكرهم)، وهذا الخبر موجود في كتاب "الزهد" لابن المبارك.
قال: حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله، قال: حدثتني أم الدرداء.
وهذا إسناد صحيح
(وهي أم الدرداء الصغرى "هجيمة"، تزوجها أبو الدرداء وهي ابنة تسع سنين، وهي تابعية جليلة، أما الكبرى "الأوصابية" فهي "خيرة" الصحابية وماتت قديماً).
قالت: أغمي على أبي الدرداء رضي الله عنه وبلالٌ ابنه عنده.
(وهذا خبر صحيح في احتضار عويمر -أبي الدرداء- حكيم هذه الأمة، المتوفى سنة 32هـ من أكبر الصحابة الذين ماتوا في الشام).
فقال: "أخرج عني"، ثم قال: "من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ من يعمل لمثل ساعتي هذه؟"، ثم قرأ: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.ثم يغمى عليه ثم يفيق فيكررها حتى قُبض رضي الله عنه.
(وهذا خبر جليل وإسناده صحيح).
((قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]))
حدثني محمد بن عبد الله أبو الحسن البصري، قال: حدثنا إسحاق بن إدريس.
إسحاق بن إدريس هذا -والله المستعان- مَتْروك
قال: حدثنا محمد بن عيسى أبو مالك، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عوف، عن أبيه، عن أم هانئ رضي الله عنها.
قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ... (وهذا الخبر قرأناه في المجالس الماضية في الصبر والثواب، وفيه أن النبي ﷺ بشرها بأن الحسنات يذهبن السيئات وقلنا أن هذا له شاهد أن الصلاة للصلاة تذهب ما بينها وأن الحسنة بعشر أمثالها وهذا يدل على أن الله يعاملنا بالفضل لا بالعدل فلو شاء لجعلها حسنة ولكنه جعلها عشرة، ولو شاء لجعل المصائب عبرة ولكنه رحيم فجعلها عبرة وكفارات، ولو شاء رب العالمين لجعل المباحات بعدد المحرمات ولكنه سبحانه وتعالى جعلها أكثر من المحرمات بكثير، ولو شاء لجعل الطاعات حسنات فحسب ولكنه جعلها حسنات وكفارات وما إلى غير ذلك من الفضل العظيم فلا يهلك على الله إلى هالك).
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬