التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة السجدة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]

((حدثنا أحمد بن عيسى -هذا المصري وهو متهم لكن الخبر له طرق-: حدثنا عبد الله بن وهب -هذا أيضاً المصري الإمام الثقة- قال: حدثنا أبو صخر حميد بن زياد، أن أبا حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي)): -أصل هذا الحديث في مسلم- قال: (( "شهدتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قرأ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} إلى قوله {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}" )).

قال (حميد بن زياد أبو صخر): (( "فأخبرتُ بها محمد بن كعب القرظي -وهو تابعي مفسر مشهور- فقال: أبو حازم حدثك بهذا؟ قلتُ: نعم.
قال: إنَّ ثَمَّ لَكَيٌّ كثيراً! يا هذا، إنهم أخفوا لله عملاً، فأخفى لهم ثواباً؛ فلو قدموا عليه أقرَّ تلك الأعين" )).

-الله! جميلة جداً هذه؛ عبارة ابن كعب عبارة جليلة والخبر قوي عنه.
النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ حدثهم عن فضل الجنة ثم قال: هناك شيء لا يُعرف، لا تعرفونه حتى ترونه؛ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومحمد بن كعب القرظي كيف فهمها؟ قال: هؤلاء أهل الجنة أخفوا أعمالهم فأخفى الله لهم الثواب تشويقاً.
نعم؛ مَن استطاع أن يكون له خبيء من عمل صالح فليفعل-.


((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان، عن مطرف بن طريف- مطرف ضعيف -، قال: سمعت الشعبي، قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: سأل موسى ربه تبارك وتعالى: "أي رب، أي أهل الجنة أدنى منزلة؟")).

(( "فقال: هو رجل يأتي بعدما أخذ الناس أخذاتهم ونزلوا منازلهم، فيقال: ادخل الجنة.
فيقول: أي رب، أدخل وقد نزل الناس منازلهم؟ فيقال: أترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك؟ فيقول: نعم.
فيقال: لك هذا وخمسة أمثاله.
فيقول: رضيت يا رب وفزت.
فيقال: إن لك مثل هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت.
فيقول: رضيت يا رب" )).

(( "قال: يا رب، فمن أفضلهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردتُ، وسأخبرك؛ غرستُ كرامتهم بيدي وختمتُ عليها، فلم تَرَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}" )).
وأصل الحديث في "صحيح مسلم".

((حدثنا حمزة بن العباس، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك)) -وهذا تجدونه في كتاب "الزهد" لابن المبارك، ففي كتب الزهد دائماً يذكرون أخبار الجنة والنار- ((عن أيوب بن بشير العجلي، عن شُفَيِّ بن ماتع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب، وأنهم يؤتون يوم الجمعة بخيل مُسرجة مُلجمة، لا تروث ولا تبول، فيركبونها حيث شاء الله، فتأتيهم مثل السحابة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، فيقولون: أمطري علينا؛ فما يزال المطر عليهم حتى ينتهي ذلك فوق أمانيهم»)).

(( «ثم يبعث الله عز وجل ريحاً غير مؤذية، فتنسف كثباناً من المسك عن أيمانهم وعن شمائلهم، فيأخذ ذلك المسك في نواصي خيولهم وفي معارفها وفي رؤوسهم، ولكل منهم جُمَّة على ما اشتهت نفسه، فيتعلق ذلك المسك في الجمام وفي الخيل وفيما سوى ذلك من الثياب» )).
-والجُمَّة هي "القذلة"؛ وفي هذا عزاء لإخواننا "الصلع"-.

(( « ثم يقبلون حتى ينتهوا إلى ما شاء الله فإذا المرأة تنادي: بَعْلَكَ يا عبد الله، ما لك فينا حاجة؟ فيقول: من أنتِ؟ وما أنتِ؟ فتقول: أنا زوجتك وحبُّك، فيقول: ما كنتُ أعلم بمكانكِ.
فتقول المرأة: أوَما علمتَ أن الله عز وجل قال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]؟ فيقول: بلى وربي فلعله يشتغل عنها بعد ذلك الموقف مقدار أربعين خريفاً لا يلتفت إليها ولا يعود، وما يشغله عنها إلا ما هو فيه من النعيم والكرامة» )).


((حدثني أزهر بن مروان، قال: حدثنا عبد الله بن عراد الشيباني، قال: أنبأنا القاسم بن مُطيِّب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مرآة كأحسن المراء وأضوائها، وإذا في وسطها لمعة سوداء، فقلت: لمن هذه اللمعة التي أرى فيها؟ قال: هذه الجمعة.
قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم من أيام ربك عظيم، وأخبرك بفضله وشرفه في الدنيا وما يُرجى فيه لأهله، وأخبرك باسمه في الآخرة»)).

-وقد صح عن ابن مسعود أن الناس يقتربون من الله عز وجل يوم القيامة على قدر قربهم من الإمام يوم الجمعة-.

(( «أما شرفه وفضله في الدنيا: فإن الله عز وجل جمع فيه أمر الخلق.
وأما ما يُرجى فيه لأهله: فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم ولا أمة مسلمة يسألان الله عز وجل فيها خيراً إلا أعطاهما إياه.
وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه: فإن الله عز وجل إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جرت عليهم هذه الأيام والليالي -وليس فيها ليل ولا نهار- فأعلمهم الله عز وجل مقدار ذلك وساعاته» )).

(( «فإذا كان يوم الجمعة، نادى أهل الجنة منادٍ: يا أهل الجنة، اخرجوا إلى وادي المزيد.
-ووادي المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله عز وجل- فيه كثبان مسك رؤوسها في السماء، فيخرج الأنبياء عليهم بمنابر من نور، ويخرج المؤمنون بكراسي من ياقوت، فإذا وُضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم، بعث الله عز وجل من تحت ثيابهم وتخرجهم من وجوههم وأشعارهم تلك ريح أعلم كيف يصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها كل طيب على وجه الأرض فقيل لها لا يمنعك فيه قلة كانت تلك الريح أعلم بما يصنع بهذا المسك من تلك المرأة لو دفع إليها ذلك الطيب» )).

(( «ثم يوحي الله عز وجل إلى حملة عرشه بين أظهرهم فيكون أول ما يسمعون منه: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، وصدقوا رسلي واتبعوا أمري؟ فسلوني، فهذا يوم مزيد.
فيجتمعون على كلمة واحدة: ربنا رضينا عنك فارضَ عنا.
فيرجع الله عز وجل إليهم: يا أهل الجنة، لو لم أرضَ عنكم لم أسكنكم دياري، فسلوني فهذا يوم مزيد.
فيجتمعون على كلمة واحدة: ربَّنا، وجهك ننظر إليه» )).

(( «فيكشف الله عز وجل عن تلك الحجب، فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى أنهم لا يحترقون لاحترقوا مما يغشاهم من نوره، ثم يقول لهم: ارجعوا إلى منازلكم.
فيرجعون وقد أُعطي كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه، فيرجعون إلى أزواجهم وقد خُفوا عليهن وخفين عليهم مما غشيهم من نوره -يعني الأشكال ازدادت حسناً-» )).

(( «فإذا رجعوا فلا يزال النور يهدأ حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، فيقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم في غيرها! فيقولون: ذلك أن الله تجلى لنا فنظرنا إليه وإنه والله ما أحاط به خلق ولكنه أراهم من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم.
فذكر قوله فنظر فإذا هم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه فذلك قوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}» )).

الحديث في عامته له شواهد صحيحة، وإن كان فيه زيادات وأمور لا تُستغرب، وقد نبه ابن تيمية في "الأجوبة المصرية على الاعتراضات الحموية" أن أخبار الثواب والعقاب -خصوصاً أخبار الجنة- مما يشتد التسامح فيها، وقد تُذكر مع التنبيه على ضعفها لأن لها شاهداً عظيماً في هذه الآية.

فكل ما يُروى ليس ببعيد، وله شاهد عام، وهذا يدلك على أن أهل الجنة هم أهل السنة؛ فمن لا يؤمن أن لله وجهاً ولا يؤمن بالرؤية هذا لا يكون من أهل الجنة هذا من أهل الجحيم هذا كفر فله الحرمان، كما قال أنس رضي الله عنه: "من لم يؤمن بالحوض فلا شرب منه"، فكذلك الرؤية.
ونحن نرجو بكثرة الحديث عن هذا أن يُنيلنا الله عز وجل ذلك بفضله ومنه وكرمه.


((حدثنا الحسن بن محبوب، قال: أخبرنا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى)) -وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الفقيه الضعيف- ((عن منهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس)) في قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] قال:

(( "اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها أخرى أطبقها بلؤلؤة واحدة، ثم قرأ: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62]، وهي التي قال الله عز وجل فيها: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، وهي التي لا يعلم الخلائق ما فيها، يأتيهم منها كل يوم تحفة أو تفضل أو تحية" )).

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل