التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة المعارج
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4]

((حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري)): قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}؛ ما أطول هذا! ما أطول هذا! فقال رسول الله: «والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا».

-وهذا الخبر ضعيف، وغير أنَّ معناه صحيح؛ وهذا الحديث ضعيف لحال ابن لهيعة القاضي المصري ودراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، غير أنَّ معنى الخبر صحيح، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"؛ فتفريج الكرب يذهب كرب يوم القيامة، فمَن ذهبت عنه الكرب يوم القيامة ما شعر بها.
وأيضاً الوارد أنَّ من المؤمنين من يمر على الصراط كمثل البرق، وهذا معناه أنَّ الذي يأخذه غيره في وقت طويل هو يأخذه في زمن يسير.
وأيضاً ورد الخبر في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذا معناه أنَّ اليوم سيكون خفيفاً عليهم جداً.
وأيضاً ورد الخبر في أنَّ فقراء المهاجرين يدخلون قبل أغنيائهم بخمسمئة عام، وهذا معناه أنَّ يوم القيامة يكون عليهم كأخف ما يكون.
وأيضاً ورد الخبر في الذين يقومون عن يمين الرحمن على منابر من نور يغبطهم الأنبياء ومَن دونهم، وهذا معناه أنهم يكونون في مكانٍ عليٍّ فلا يشعرون بشيء مما يشعر به الآخرون-.

((حدثنا يوسف، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن عوف، عن ليث، عن مجاهد)): في قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}؛ قال: (( "من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع السماوات، ذلك يوم مقداره خمسون ألف سنة" )).

((حدثنا يوسف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة)) -سفيان هذا الثوري، وسماك هو ابن حرب احتج به مسلم، وأما عكرمة فاحتج به البخاري، وأما رواية سماك عن عكرمة فلم تخرج لا في البخاري ولا في مسلم ولكن هنا الخبر يمضي-: في قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}؛ قال: (( "يوم القيامة" )).

((حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي، قال: حدثنا المنهال بن عيسى العبدي، قال: حدثنا حوشب، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم)) -وهذا من مراسيل الحسن البصري وتنازع الناس فيها والأكثر على تضعيفها جداً، ولكن هذا مرسل في المواعظ، فالحسن لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم بل هو تابعي-: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر يوم القيامة ومقامهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ (( "محزونين نادمين قد اسودت وجوههم وازرقت أبصارهم وقلوبهم عند حناجرهم، يبكون الدموع بعد الدموع الدم، حتى لو أُرسلت السفن المواقير في دموعهم لجرت المواقير -يعني التي فيها بضاعة كبيرة لجرت-.
قد عُظّموا لجهنم مسيرة ثلاثة أيام ولياليها للراكب الجواد، وإنَّ ناب أحدهم لمثل الجبل العظيم، وإنَّ دبره لمثل الشِّعب، مغللة أيديهم إلى أعناقهم حتى قد جُمع بين نواصيهم وأقدامهم، يضربون بالمقامع وجوههم وأدبارهم، يُساقون إلى جهنم فيقول العبد للملك: ارحمني! فيقول: كيف أرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟ وجهنم يُحمى عليها من أول يوم الدهر إلى يوم القيامة، على طعامها وشرابها وأغلالها؛ فلا يفنى حرها ولا حماها، ولو أنَّ غُلاً منها وضع على جبال الدنيا لرضَّها، ولو أنَّ عذاب الله كان بينه وبين الجبل مسيرة خمسمئة سنة لذاب ذلك الجبل.
طعامهم من نار، تُحذى لهم نعال من النار، وخفاف من النار في سرادق، وأطول عذاب النار في الأجساد أكلاً أكلاً، وصهراً صهراً، وحطماً حطماً؛ بدن لا يموت، حجر موصد، وإنهم في السلسلة من آخرهم فتأكلهم النار، وتبقى الأرواح في الحناجر تصرخ تدعو بالويل والحسرة والندامة، وإنها لتأكل كل يوم لهم سبعين ألف جلد" )).
-فنعوذ بالله من النار، والمنهال بن عيسى هذا لا يُعرف-.


قوله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج: 5]

((حدثني إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: حدثني سعيد بن عبد الله المعافري)) -وأنت إذا رأيت "المعافري" فاعلم أنَّ السند غالباً مصري-: ((عن عبد الأعلى بن الحجاج، عن أخيه قيس بن الحجاج)): في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}؛ قال: (( "أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يُعرف مَن هو" )).
-يعني من جميل صبره؛ رجل يموت له قريب أو تقع عليه ملمة أو غير ذلك، فتأتي في القوم يعزونه فلا تعرفه-.


قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا} [المعارج: 6]

((حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا سفيان -هذا الثوري- عن الأعمش)): {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا}؛ قال: (( "الساعة" )).


قوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} [المعارج: 8]

((حدثنا إسحاق، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس)): {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ}؛ قال: (( "كعَكَرِ الزيت" )).


قوله تعالى: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} [المعارج: 10]

((حدثنا فضيل، قال: حدثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك)): {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا}؛ قال: (( "يرى أمه وزوجته وحميمه فلا يسأل عنه من الخوف" )).


قوله تعالى: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} [المعارج: 16]

((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك)): {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى}؛ قال: (( "نزع الجلد واللحم عن العظم" )).

((حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا سيار، عن جعفر، قال: سمعتُ ثابتاً البناني)) -ثابت ثقة وكان يقص يعني يعظ أحياناً، وهذا من مجالس قصصه-: في قوله تعالى: {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى}؛ قال: (( "لمكارم وجه ابن آدم" )).
-يعني من العينين واللسان وكذا، غير أنَّ مواضع السجود تُتّقى من المؤمن فلا تحرقها النار-.


قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج: 19-22]

((حدثنا ثابت بن أحمد الخزاعي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سليمان بن صالح، قال: حدثنا علي بن أبي حفص، عن أبي الصيداء، قال)): أرسل الحجاج إلى حُطِّي، وبلغه عنه أنه كان يقول: (( "اللهم إني أعاهدك لئن أعطيتني لأشكرنَّ، ولئن ابتليتني لأصبرنَّ" )).
فسأله فصدقه، فلم يكن يسأله عن شيء إلا صدقه وهو في ذاك ينكته بقضيبه.
فقال له (حُطي): (( "أمسك عني يديك، وإلا عاهدتُ الله ألا أكلمك كلمة حتى ألقاه" )) -يعني الحجاج يسأله ويضرب بالقضيب عليه-.
يقول: فأبى الحجاج إلا تناوله وسكت حُطّي، فأراده على الكلام فأبى، ودعا صاحب العذاب فأمره أن يحمله على (الأشقر) -والأشقر حبل من ليف ممدود بين سارتين يحمل عليها الرجل، ويُفضي بفرجه إليه، يُرجل به ويمسه الرجال-.

ففعل ذلك به أياماً، كلما قرح ما هنالك عادوا به عليه، فيقول إذا رُجِل به: (( "{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ}" ))، ثم يمطط في قوله: (( "{إِلَّا الْمُصَلِّينَ}" )) فيمدها، ولا ينبث بكلمة حتى يُرفع عنه العذاب.

فلم يزل كذلك حتى هجم الحبل على جوفه، ثم قال: (( "اذهبوا بي إلى الحجاج فأكلمه" )).
فانطلق البُشراء فقالوا: أجزع الخبيث؟ -يعني فرح الحجاج أنه أجزعه وجعله يخالف عهده لله-.
قال: ائتوني به.
فلما جاؤوا به قال: (( "إيه! أجزعتَ؟" )).
قال: (( "لا والله ما جزعتُ، ولا طمعتُ في الحياة، وإني لأعلم أني ميت، ولكني جئتُ لأوبخك بأعمالك الخبيثة وأشفي صدري، ألستَ صاحب كذا؟ ألستَ صاحب كذا؟" ))؛ يوبخه حتى أمحكه، فدعا بالحربة فأوجرها إياه -يعني طعنه فيها-.

-والحجاج له إجرام عظيم، يعني حتى ذكر الترمذي أنَّ أُحصي الذين قتلهم كانوا تقريباً سبعين ألفاً قتلهم صبراً، يعني قتلهم في سجن لوحده.
واليوم من السفه الشديد أنه والله الحجاج قائد، عنده فتوحات، عنده.. هذا بطيخ كله! هذا رجل مجرم، رجل خبيث.
وسبحان الله بعض الناس يأبون إلا أن يشركهم الله عز وجل بالآثام؛ إنسان خبيث مبير في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تُثني عليه! "المرء مع مَن أحب"؛ تُثني على أفعاله أن تصير شريكاً له؟ كثير من الناس مع الظلمة الآن ومع الظلمة القدامى يجلس يؤيد، أنت أصلاً يا.. على ملك غيرك تجلس تؤيد الناس؟ هذا يظلم هذا يفجر هذا كذا هذا كذا؛ تجلس أنت تتحدث تُثني وتُحلل ثم تكون شريكاً له في الإثم والبلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذا الأمر (الحجاج) تواترت أخباره في ظلمه وعسفه، تواترت حتى المذكور عن عمر رضي الله عنه قال: "عُجّل لهم الفتى الثقفي الذي يحكم فيهم بحكم الجاهلية"؛ يعني خلاص هو الرجل لا يحكم بما أنزل الله، رجل يحكم بحكم الجاهلية-.


قوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المعارج: 30-31]

((حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأسدي، قال: حدثني محمد بن هانئ، عن بعض أصحابه قال: قال رجلٌ لأبي حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟)): قال: (( "إن رأيتَ بهما خيراً أعلنته، وإن رأيتَ بهما شراً سترته" )).
قال: فما شكر اليدين؟ قال: (( "لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما" )).
قال: فما شكر البطن؟ قال: (( "يكون أسفله طعاماً وأعلاه علماً" )).
قال: فما شكر الفرج؟ قال: (( "كما قال الله عز وجل: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} إلى قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}" )).
قال: فما شكر الرجلين؟ قال: (( "إذا رأيتَ حياً غبطته استعملتَ بهما عمله، وإن رأيتَ ميتاً مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله.
فإما مَن شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء، فأخذ بطرفه ولم يلبسه فلم ينفعه من الحر والبرد والثلج والمطر؛ {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا}" )).


قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [المعارج: 43]

((حدثنا يوسف، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عوف، عن أبي العالية)) -أبو العالية هذا تابعي، رفيع بن مهران الرياحي، تابعي مخضرم، أسلم وقرأ القرآن ولم يَرَ الصحابة (في أول أمره)، نعم هذا اسمه رفيع-: وكان يقول: (( "كنا نرى علينا حقاً أن نقرأ القرآن كل يوم" )) -يقول حتى جاءنا الصحابة؛ كانوا يختمون القرآن كل يوم- (( "يقول حتى جاءنا الصحابة وأخبرونا أنَّ هذا يعني لا يُشرع، لابد أن يُقرأ في ثلاث" )).

-وله تفسير القرآن لعموم القرآن؛ {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} يقول: كأنهم إلى غاياتٍ يستبقون-.
-الغاية: الأمد، أمد النهاية في السباق يسمونها الغاية؛ (خط النهاية) الذي نسميه باللغة العصرية خط النهاية-.

((حدثنا يوسف، قال: حدثنا موسى بن إبراهيم، قال: حدثنا قرة بن خالد، عن الحسن)): {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ}؛ قال: (( "يبتدرون" )).
-وهذا الصحيح عن الحسن، والسابق ماضٍ عن أبي العالية-.


فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل