التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة البقرة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فضائل السورة:

((حدثنا علي بن الجعد)) -هذا الجوهري، ثقة ثبت، ولكنه قال بالوقف فنفر منه الناس، وله كلام سوء في معاوية- ((أخبرني عكرمة بن عمار)) -وهذا ثقة يغلط في رواية يحيى بن أبي كثير، ولكنه هنا لا يروي عنه- ((عن عاصم)) -عاصم بن بهدلة صاحب القراءة التي نقرأ فيها-.

تنبيه: ذكر "عكرمة بن عمار" هنا وهم، هو عكرمة بن إبراهيم على الصحيح والله أعلم، يبدو أن ذكر عكرمة بن عمار هنا وهم، كما ذكر المحقق أنه في (ابن عساكر) رواه عن عاصم.

((قال حدثني زر -زر بن حبيش- قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: خرج رجل من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فلقي الشيطان فاشتجرا فاصطرعا، فصرعه الذي من أصحاب محمد «صلى الله عليه وسلم»)) -هذا نظير قصة أبي هريرة مع الشيطان- ((فقال الشيطان: أرسلني أحدثك حديثاً عجباً يعجبك، قال: فأرسل، قال: فحدثني، قال: لا، فاتخذ الثانية فاصطرع فصرعه الذي من أصحاب محمد «صلى الله عليه وسلم»، قال: أرسلني فلأحدثنك حديثاً يعجبك، فأرسله فقال: فحدثني، قال: لا، فاتخذ الثالثة فصرعه الذي من أصحاب محمد «صلى الله عليه وسلم»، ثم جلس على صدره وأخذ بإبهامه يلوكها، قال: أرسلني، قال: لا أرسلك -يعني الشيطان أو وضع إبهامه في فمه والله أعلم- قال: لا أرسلك حتى تحدثني، قال: سورة البقرة؛ فإنه ليس منها آية تقرأ في وسط شياطين إلا تفرقوا، ولا تقرأ في بيت فيدخل ذلك البيت شيطان)) هي لا تستطيعها البطلة، هذا ثابت في الصحيح نعم، ((فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فمن ذاك الرجل؟ قال: فمن ترونه إلا عمر بن الخطاب)).
والخبر هنا هذا لا يصح، ولكن له شواهد والمحقق أطال في الكلام عنه.


قوله عز وجل: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15]

((حدثنا عبد الله، حدثنا حمزة بن العباس، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا الكلبي)) -الكلبي هذا كذاب- ((عن أبي صالح)) -أبو صالح هذا باذان مولى أم هانئ، وليس هو أبو صالح السمان ذكوان- ((في قول الله عز وجل: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}، قال: يقال لأهل النار وهم في النار)) -وهو تابعي- ((اخرجوا، ويفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله عز وجل: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}))؛ يعني والمؤمنون أيضاً يستهزئون بهم حين غلقت دونهم، فذلك قوله عز وجل: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين: 34-36]. وهذا ليس بعيداً وإن كان كما قلنا الخبر فيه الكلبي المتهم، ومن الناس من يُمشي روايته عن باذان في التفسير ولا يظهر ذلك، لهذا الطبري اتقى رواياته بالإطلاق.


قوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24]

((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا ابن عيينة، عن مسعر)) -العلاقة بين ابن عيينة ومسعر أن كلاهما هلالي؛ ابن كدام- ((عن عبد الملك بن ميسرة، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، قال: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، قال: حجارة من كبريت خلقها الله عنده كيف شاء)).
وهذا أثر قوي الإسناد، وأحسب أنني ذكرته في "صحيح المسند من آثار عبد الله بن مسعود".
(عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه): (حجارة من كبريت لكن ليس هو كبريت الدنيا الذي نعرفه، بل هو كبريت من نوع خاص) كما إذا وقع الحديث عن أنهار الجنة وأنها ليس إلا الأسماء، وكذلك في النار.

((حدثنا إسحاق، قال: حدثنا وكيع، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن ابن صابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله نحوه وزاد ذكر رجل ثقة)).


قوله عز وجل: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25]

((حدثني محمد بن حسين، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا قيس بن سليم العنبري)) -وقبيصة عادة يروي عن سفيان وروايته عن سفيان فيها كلام، ولكن أما الرواية التي هنا فيبدو والله أعلم أنها تمشي إن كان بقية الرجال ثقات- ((عن الضحاك بن مزاحم ومحمد بن حسين شيخه البرجلاني الذي له كتب أيضاً، قال: بينما ولي الله عز وجل في منزله إذ أتاه رسول من الله فقال: الآذن استأذن لرسول الله عز وجل على ولي الله هذا -يعني في الجنة- فيدخل الآذن فيقول: يا ولي الله، هذا رسول من الله -يعني هذا ملك- فيضع بين يديه تحفة -يعني هدية- فيقول: يا ولي، إن ربك يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تأكل من هذه، فيشبهه بطعام أكل آنفاً -يعني هذا ولي الله الذي في الجنة، المؤمن في الجنة- يقول: كأنه الطعام الذي أكلته سابقاً، فيقول: إنما أكلت من هذا الآن، فيقول: إن ربك يأمرك أن تأكل منها، فيأكل منها فيجد منها طعم كل ثمرة في الجنة، فذلك قوله عز وجل: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا})).وهذا إسناد قوي للضحاك)


قوله تعالى: {فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25]

((حدثنا حمزة… قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا مبارك)) -وهذه الروايات يغلب على الظن أنها في كتاب "الزهد" لابن المبارك، ففي كتاب الزهد ابن المبارك رحمه الله كان يورد أخباراً في صفة الجنة- ((قال: أخبرنا ابن جريج، عن مجاهد)) -وابن جريج لم يسمع مجاهداً ولكن روايته عنه في التفسير ماشية، لأنها أخذها من كتاب القاسم عن مجاهد- ((في قوله: {فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}، قال: مطهرة من الحيض، والغائط، والبول، والنخام، والمخاط، والبذاق، والمني، والولد)).

الآن النساء ما فتنتهن؛ النساء ما أعظمها في الدنيا، ما أعظم فتنة النساء، والنساء في الدنيا ما أكثر سوء الخلق فيهن، وفيهن المناتن كالحيض والغائط والبول والنخام والمخاط وغيره، فيهن مناتن كثيرة، حتى قامت صناعة التجميل لمحاولة تخفيف مثل هذا، ومع ذلك هن فتنة عظيمة.
أما النساء في الجنة اللواتي يخطبن بالعمل الصالح، وينالهن المرء بالعمل الصالح، ما فيهن شيء من هذا، مع حسن الخلق والجمال الأخاذ.
وأما مسألة الولد فهذه تكلم عنها (ابن القيم) في "حادي الأرواح" وفي "النونية" وأورد أخباراً متعارضة، وأورد خبراً مرفوعاً عن رزين العقيلي وفيه نفي الولد، وهناك أثر أنهم إن شاءوا الولد وجدوه، وجمع بعض أهل العلم أن الولد لا يكون رغماً عنهم.


في قوله تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]

((قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله «صلى الله عليه وسلم» يقول: إن آدم لما أهبطه الله عز وجل إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، قالوا: أي ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله عز وجل للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان، قالوا: ربنا هاروت وماروت، فأُهبطا إلى الأرض، ومُثلت لهما الزُهَرَة -هكذا لفظه الصحيح- امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: لا والله لا نشرك بالله شيئاً، فذهبت عنهما، ثم رجعت بالصبي فسألاها نفسها، قالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، قالا: لا والله لا نقتله، فذهبت ثم رجعت بقدح من الخمر تحمله فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً مما أبيتما عليَّ إلا فعلتما حين سكرتما، فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا)).

هذا لا يصح مرفوعاً، لكن هذا المعنى صح عن ابن عمر وابن عباس وعلي بن أبي طالب على اختلاف في التفاصيل بينهم، لكن قصة فتنة هاروت وماروت وبعض المتأخرين كـ(ابن كثير) ومن تبعه يردون هذا الخبر بحجة أنه "إسرائيلية"، وقد رد عليه (ابن حجر) بأنه ثبت عن علي وأبي وروي عن عمر ولا يعرف عن السلف غيرهم، فكيف يكون إسرائيلية باطلة والكل تتابعوا على قوله؟ والخبر طيب.
يقول: (الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم)، هؤلاء استثنوا، هؤلاء خصوص من العموم، فالقصة ثابتة بالجملة ولا إشكال في متنها في أي شيء، وبعضهم يقول أنها من حضارة قديمة، طيب الحضارات القديمة فيها بقايا نبوات، لا شك ففي بعض الحضارات بقايا نبوات وبعدها هم يزيدون أو ينقصون.


قوله تعالى: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]

((حدثنا أبو صالح المروزي، قال: سمعت أبا وهب محمد بن مزاحم، قال: قيل للشعبي: إنا لنستحي من كثرة ما تُسأل فتقول: لا أدري)) -يعني تلاميذه، وهذا أثر نفيس جداً، هذا من مخبآت كتب ابن أبي الدنيا، وتلاميذ الشعبي وهو (عامر بن شراحيل الشعبي) وهو تابعي كوفي رأى علياً بعينيه، ومشهور من فقهاء الكوفة، فقيه مجتهد إمام مجتهد- ((يقول له التلاميذ: إننا نستحي من كثرة ما تُسأل وتقول: لا أدري، ونحن نقول للناس هذا عالم)) -كما مالك بن أنس قصته المشهورة رجل سافر له وضرب له أكباد المطي ثم قال لا أدري- ((فقال: لكن ملائكة الله المقربون لم يستحيوا حين سُئلوا عما لا يعلمون أن قالوا: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ})).

وهذا أثر فيه موعظة للعلماء ولطلاب العلم وتنبيه لهم ألا يستحوا من أن يقولوا "لا أدري".
النبي «صلى الله عليه وسلم» لما سُئل: (أي البقاع أعظم؟)، قال: «لا أدري» حتى جاءه جبريل وأعلمه.
فكلمة "لا أدري" سنة، حتى إن رجلاً سأله (عمر بن الخطاب) سؤالاً فقال: (الله أعلم)، فضربه عمر بالدرة وقال: (قل أدري أو لا أدري)؛ لأن بعض طلاب العلم ماذا يفعل؟ يتصنع يوهمك كأنه متواضع فيقول: (اسأل العلماء) حتى تقول الشيخ متواضع، وهو عنده علم في المسألة، فهنا لا، أدب نفسك وقل: (لا أدري) أو أخبره (أنا لا أعرف في هذه المسألة).

-وهذا الأثر عن الشعبي أثر ماضٍ، غير أن محمد بن مزاحم لا يعلم سماعه من الشعبي أو إدراكه له، لكن هذا أثر يتسامح به-.

قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37]

((قال: حدثنا يعقوب بن عبيد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا العوام بن حوشب، قال: حدثني عبد الكريم المكتب، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية)) -أولاد يزيد بن معاوية كلهم صلحاء؛ معاوية بن يزيد بن معاوية صالح، وعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية صالح، وخالد بن يزيد بن معاوية صالح، وعاتكة بنت يزيد بن معاوية صالحة، كلهم مشهورون بالصلاح- ((قال: الكلمات التي تلقى آدم من ربه فتاب عليه: "لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين.
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني وأنت خير الراحمين.
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم")).

هذا في كتاب "التوبة".
وهذه دعوات تحفظ وتقال في مثل هذه الأيام؛ انظر إلى الدعاء أوله تعظيم لله وآخره تعظيم لله وفي المنتصف مسألة.
وعبد الكريم المكتب هذا فيه كلام، لكن هذا خبر دعاء.

((قال: أخبرنا علي بن الحسين بن إبراهيم العامري، قال: أخبرنا علي بن عاصم)) -وهذا فيه ضعف- ((عن سعيد بن أبي عروبة)) -هذا اختلط وعلي بن عاصم روى عنه بعدما اختلط- ((عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إليها جعل يشتد في الجنة فتعلق شعره ببعض أغصان الجنة، فناداه الرحمن: يا آدم -وهذا فيه إثبات الصوت- متى تفر مني؟ يا آدم أمني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياءً منك)).

هذا كالوارد عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا ينظرون إلى السماء حياءً من الله.
((قال: أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم يا آدم.
فذلك قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ})).
والحسن البصري لم يسمع من أبي بن كعب، فهذا خبر فيه كلام، وهناك وجه يروى عن قتادة عن الحسن عن عتي عن أبي موقوفاً وليس مرفوعاً (يعني كلام أبي) وهذا هو الأقرب، وهذا الوجه استنكره أيضاً ابن عدي.


قوله تعالى: {ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41]

((قال محمد بن علي بن شقيق، عن أبيه، قال: أخبرنا عبد الله)) -ابن المبارك- ((قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر)) -هذا شامي ثقة- ((عن هارون بن زيد، قال: سُئل الحسن عن قوله تعالى: {ثَمَنًا قَلِيلًا}، ما الثمن القليل؟ قال: الدنيا بحذافيرها)).

هذا الخبر فيه جهالة لكن معناه صحيح؛ الدنيا بحذافيرها ثمن قليل، فالدنيا ثانية في مقابل الجنة التي لا نهاية لها، فبالمقارنة هي ثمن قليل.
كم تعيش في الدنيا؟ 60، 70، 80 سنة، و تضمن ألا تحزن ولا تمرض ولا تهتم؟ لا مقارنة ،بينما يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس في الجنة غمسة فيقال له: (هل رأيت بؤساً قط؟)، فيقول: (ما رأيت)، ينسى تماماً.


قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44]

((حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن هارون الرازي)) -أظنه أبو حاتم- ((قال: حدثنا عمرو بن صفوان المزني، قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: نعوذ بالله أن نأمر الناس بالبر وننسى أنفسنا))، تلا: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}.
وزيد بن أسلم هذا أبوه أسلم مولى عمر بن الخطاب، وفي سنده جهالة ولكن المعنى صحيح.


قوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41]

((حدثنا بسام بن يزيد، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا حميد: أن إياس بن معاوية لما استقضى)) -مكتوب استقصى، والصواب استُقضي أي طُلب للقضاء- ((بكى إياس، فقال له الحسن: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار)) -هذا لأنه لم يبذل جهده في طلب الحق- ((ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة.
فقال الحسن: إن فيما قص الله عز وجل من داوود وسليمان ما يرد قول هؤلاء)).

في الواقع أنه لا رد، هي قسمة رباعية؛ فالمخطئ على نوعين: مخطئ بذل الوسع فهذا معذور، ومخطئ قصر في طلب الحق فهذا ليس معذوراً.
يقول الله عز وجل: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78-79]. موطن الشاهد أن داوود حكم حكماً وسليمان حكم حكماً، وحكم سليمان هو الصواب، وداوود لم يُثرب عليه، فأثنى الله عز وجل على سليمان ولم يذم داوود.

((ثم قال الحسن: إن الله تبارك وتعالى أخذ على العلماء ثلاثاً: لا يشترون به ثمناً قليلاً، ولا يتبعون فيه الهوى، ولا يخشون فيه أحداً.
ثم قرأ الآية: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة: 43] إلى قوله: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا})).
وهذا الأثر رجاله ثقات، والبخاري علق بعضه في "صحيحه".


قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]

((حدثنا أحمد بن عبده، قال: حدثنا الضبي، قال: حدثنا سفيان، عن بعض المحدثين، عن مجاهد، قال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، قال: الصيام)).
وهذا موجود في "تفسير ابن أبي نجيح" عن مجاهد، وتفسير ابن أبي نجيح ماضٍ، المحقق يتكلم فيه وهو تفسير صحيح، وهذه طريقة كثير من المحققين الذين يتعنتون في أسانيد التفسير.
فالصيام يُستعان به؛ أليست الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ نعم، والصيام أيضاً ينهى عن الفحشاء والمنكر: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. وأيضاً الصلاة يتعزى بها المرء ويتعلم منها الصبر، والصيام يتعلم منه الصبر.


قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 55-56]

((حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا موسى بن أيوب، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت عروة بن رويم البلخي يقول في قوله عز وجل: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون}، قال: أخذت بعضهم)) -عروة بن رويم البلخي هذا تابعي شامي- ((وبعضهم قيام ينظرون فردت إليهم أزواجهم، ثم أخذت النصف الباقي وهؤلاء ينظرون، ثم تلا هذه الآية: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ})).
وهذا أثر صحيح إلى عروة، والمحقق إذا رأى تابعياً يروي أخبار الأولين يقول "مرسل" يعني لابد أن يكون عن رسول الله، وهذا خطأ، هذه ليست عادة السلف؛ هو إذا يحكي ولا يسند خلاص يقال: (صحيح إلى فلان)، ثم هذه الأخبار قد يكون أخذها من أخبار أهل الكتاب أو سمع بعض شيوخه.

((قال: حدثنا محمد بن يونس القرشي، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا عمر بن سليم المدني، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى)) -ومحمد بن كعب القرظي من بني قريظة، كان من التابعين من بني قريظة رحمه الله- (( {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} [الأعراف: 155]، قال: اختار من صالحيهم سبعين رجلاً، ثم خرج بهم، فقالوا: أين تذهب بنا؟ قال: أذهب بكم إلى ربي وعدني أن ينزل عليَّ التوراة، قالوا: فلا نؤمن بها حتى ننظر إليه، قال: فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، فبقي موسى قائماً بين أظهرهم)) -هؤلاء أمرهم عجيب؛ رأيتم فرعون ورأيتم الآيات سبحان الله!- ((قال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وليس معي رجل ممن خرج معي؟ ثم قرأ: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، هؤلاء الصالحين منهم، فقالوا: {هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156])) قال: فبهذا تعلقت يهود فتهودت بهذه الكلمة.
والأثر معناه وارد في التفسير، ومحمد بن يونس (الكديمي) مشهور أنه ضعيف.


قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]

((حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن كلثوم، قال: حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس)) -وهذا الأثر قوي عن ابن عباس، إسناده حسن- ((قال: كان مدينتان في بني إسرائيل؛ إحداهما حصينة ولها أبواب والأخرى خربة، فكان أهل المدينة الحصينة إذا أمسوا أغلقوا أبوابها وإذا أصبحوا قاموا على سور المدينة ينظرون هل حدث فيما حولها حدث، فأصبحوا يوماً فإذا شيخ قتيل مطروح بأصل مدينتهم، فأقبل أهل المدينة الخربة فقالوا: قتلتم صاحبنا.
وابن أخ له شاب يبكي عنده ويقول: قتلتم عمي)) -في الحقيقة هذا هو القاتل- ((قالوا: والله ما فتحنا مدينتنا مذ أغلقناها، وما ندينا من دم صاحبكم هذا بشيء.
فأتوا موسى عليه الصلاة والسلام، فأوحى الله عز وجل إلى موسى «صلى الله عليه وسلم»: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 67-71])).

((قال: وكان في بني إسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له، وكان له أب شيخ كبير، فأقبل رجل من بلد آخر يطلب سلعة له عنده، فأعطاه بها ثمناً، فانطلق معه ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب، والمفتاح مع أبيه، فإذا أبوه نائم في ظل الحانوت، فقال: أيقظه، فقال: والله إن أبي لنائم كما ترى، وإني أكره أن أروعه عن نومه)) -شوف هذا من البر، العبرة في القصة أن هذا لما كان باراً جداً عوضه الله- ((فانصرف إلى الشيخ وهو يغط نوماً، قال: أيقظه، قال: والله إني لأكره أن أروعه من نومته، فانصرف فأعطاه ضعف ما أعطاه، فعطف على أبيه فإذا هو أشد ما كان نوماً، قال: أيقظه، قال: لا والله لا أوقظه)).
الرجل يريد سلعة والسلعة في المحل والمفتاح عند أبيه، ومن شدة بره لا يريد إيقاظ أبيه، والرجل أعطاه ضعف المبلغ ولم يوقظه، فلما استيقظ الشيخ ((فقال له ابنه: يا أبتاه، والله لقد جاءنا هاهنا رجل يطلب سلعة كذا وكذا، فكرهت أن أروعك من نومك، فلامه الشيخ، فعوضه الله من بره لوالده أن نتجت بقرة من بقره تلك البقرة التي يطلبها بنو إسرائيل، فأتوه فقالوا: بعناها، فقال: لا أبيعكموها، فقالوا: إذاً نأخذها منك، قال: إن غصبتموني سلعتي فأنتم أعلم، فأتوا موسى عليه الصلاة والسلام فقال: اذهبوا فأرضوه من سلعته، أعطوه السعر وأرضوه، فقالوا: حكمك، قال: حكمي أن تضعوا البقرة في كفة الميزان وتضعوا ذهباً صامتاً في الكفة الأخرى فإذا مال الذهب أخذته، قال: ففعلوا، وأقبلوا بالبقرة حتى أتوا إلى قبر الشيخ وهو بين مدينتين، واجتمع أهل المدينتين وابن أخيه عند قبره يبكي، فذبحوها فضُرب بضعة من لحمها القبر فقام الشيخ ينفض رأسه يقول: قتلني ابن أخي، طال عليه عمري وأراد أخذ مالي، ومات ولا ميراث)).
هذه قصة جميلة جداً وثابتة عن ابن عباس، وهي من نفائس كتب ابن أبي الدنيا.


قوله عز وجل: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]

((حدثنا خلف بن هشام)) -هذا البزار القارئ المعروف الذي كان يشرب النبيذ ثم لما تاب أعاد كل الصلوات- ((حدثنا خالد بن عبد الله)) -هذا الطحان- ((عن عبد الملك)) -الميزان؛ عبد الملك بن أبي سليمان- ((عن عطاء)) -ابن أبي رباح- ((في قوله عز وجل: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، قال: للناس كلهم المشرك وغيره، ما هو الحسن؟ تقول له: قل لا إله إلا الله)).

((حدثنا محمد بن قدامة الجوهري، قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء وأبي جعفر)) -أبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين- ((في قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، قال: للناس كلهم)).


[[قوله عز وجل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة: 124]]] ((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن دينار، قال: حدثنا محمد بن سيف -أبو رجاء- قال: سمعت الحسن يقول)) -وهذا إسناد قوي، مسند صحيح- ((في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}، قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه)) -وهذا يوحي بأنه كان ناظراً لا مناظراً- ((وابتلاه بذبح ابنه فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالنار فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه)).
(فرضي عنه) ليس موجوداً بالأصل لكن السياق يقتضيه.


قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]

((حدثني حمزة بن عباس، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن رشدين بن سعد)) -هذا ضعيف جداً- ((قال: أخبرني ابن أبي أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة، يسنده إلى النبي «صلى الله عليه وسلم» قال: إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل، فيقول له ربه: ما فعلت بعهدي؟ هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم ربي قد بلغته جبريل، فيُدعى جبريل فيقال: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغني، فخُلي عن إسرافيل.
ويقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ يقول: نعم قد بلغت الرسل، فتُدعى الرسل فيقال لهم: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم ربي، فيُخلى عن جبريل.
ويقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلغنا أممنا، فتُدعى الأمم فيقول: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب ومنهم المصدق، فتقول الرسل: إن لنا عليهم شهداء يشهدون أن قد بلغنا شهادتك، فيقول: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد «صلى الله عليه وسلم»، فتُدعى أمة محمد «صلى الله عليه وسلم» فيقول: تشهدون أن رسل هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسل إليه؟ قال: نعم ربي شهدنا أن قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: وكيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول الرب تبارك وتعالى: كيف تشهدون على من لم تدركوه؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، فقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب عز وجل: صدقوا)).

تعليق: وهذا الخبر -وإن كان لا يصح- يدل على أن ما في القرآن كالذي عاينته؛ ولهذا فإن أي نظرية تجريبية أو استنباط عقلي ضعيف إذا خالف النص الشرعي فالنص الشرعي أقوى منه لثبوته ببراهين قطعية، فهو كالحس وكالمشاهد.

وقوله: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}؛ والوسط هو العدل.
قال ابن أبي أنعم: (فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد إلا من كان في قلبه حنة على أخيه).
وهذا ابن أنعم ضعيف ورشدين ضعيف جداً.

((حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»)) -وهذا الخبر في البخاري- ((يدعى نوح «صلى الله عليه وسلم» يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، قال: فيشهدون أن قد بلغ ويكون الرسول عليهم شهيداً، وذلك قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}))، والوسط هو العدل.


في قوله عز وجل: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]

((حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه قال: لما اشتد وجع الحسن بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: نفيسة ضعيفة، وأمر هؤلاء عظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون)).
وهذا ثابت عن (الحسن البصري).

((حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا المحاربي، عن شعيب بن سليمان، عن محرز بن عمر، عن الحسن، قال: إن الله -وله الحمد لا شريك له- رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يطيقون، وأحل لهم في حال الضرورة كثيراً مما حرم عليهم، وأعطاهم خمساً:))

  1. ((أعطاهم الدنيا قرضا، وسألهم إياها قرضاً، فما أعطوه عن طيب نفس منهم فلهم به الأضعاف الكثيرة من العشرة إلى سبعمئة ضعف)) -يعني الله عز وجل يعطيك من الدنيا مالاً ثم يقول لك تصدق، فإذا تصدقت يعطيك الأجر ويضاعفه أضعافاً كثيرة، تقع الصدقة في كف الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه فيجدها يوم القيامة كأحد.
    من الذي أنعم عليك؟ الله.
    ومن الذي يكافئك على الصدقة؟ الله.
    فانظر إلى كرم الكريم- وذلك قوله عز وجل: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245].
  2. ((وما أخذ منهم كرهاً فصبروا واحتسبوا فلهم به الصلاة والرحمة وتحقيق الهدى)) -إذا أخذ منك شيئاً من دنياك؛ مات لك ولد أو ذهب لك مال، فصبرت واحتسبت فلك أجر، مع أن الأمر هبة من الله ابتداءً- وذلك لقوله عز وجل: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156-157]. حتى الشوكة يشاك بها المرء تكفر عنه سيئاته.
  3. ((والثالثة: أن شكروا أن يزيدهم)) -والنعمة ما دامت عندك إن شكرتها، فأنت لم تتصدق بها ولم تذهب منك ولكنها عندك، فتشكر وتحمد الله فيزيدك ويثيبك على هذا الشكر- وذلك لقوله جل وثناؤه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
  4. ((والرابعة: أن أحدهم لو عمل من الخطايا والذنوب حتى يبلغ الكفر ثم تاب أن يتوب عليه)) -أي مهما عظم ذنبك إذا تبت يغفر لك- ويوجب له محبته، وذلك لقوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].
  5. ((والخامسة: لو أعطيها جبريل وميكائيل وجميع النبيين لكان قد أجزل لهم العطاء حيث يقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60])).
    الله أكبر! ما أعظم هذا الأثر وما أجله!

قوله عز وجل: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]

((حدثني محمد بن يزيد الآدمي، قال: حدثنا عبيد بن حميد، عن منصور، عن مجاهد رضي الله عنه: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}، قال: دواب الأرض العقارب والخنافس؛ مُنعت القطر) بخطايا بني آدم فيلعنون بني آدم)).
وعكسها: (يستغفرون للرجل الصالح الذي يعلم الناس الخير).
وهذا الأثر عن (مجاهد بن جبر) قوي -التابعي الذي عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات- إسناده قوي صحيح.


قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 168

((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن القاسم بن الوليد الهمداني، قال: سألت قتادة)) -وإسناد قوي- ((عن قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 168]، قال: كل معصية فهي من خطوات الشيطان)).


قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]

((حدثنا علي بن الجعد، وسعيد بن سليمان -سعدويه، "لو نطقت بغلتي لقالت إنها سنية"- عن فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت)) -فضيل شيعي ولكنه مأمون بالجملة، والخبر في مسلم- ((عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله عز وجل أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) -هذا من حديث الأربعين النووية المشهورة- ((فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، قال: ثم ذكر عبداً أشعث أغبر يطيل السفر، رافعاً يديه: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لهذا؟)).
فيه أن أكل الحرام من موانع استجابة الدعوة.


قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 177]

((حدثنا داوود بن عمر، قال: حدثنا محمد بن الحسن الأسدي)) -للأسف هذا متروك- ((عن عبيد بن الطفيل، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ}، قال: أما البأساء فالفقر، وأما الضراء فالمرض)) -الفقراء يدخلون قبل الأغنياء؛ فقراء المهاجرين، والمرض كفارة- ((وأما حين البأس فهو حين القتال)).


قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]

((حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي)) -وهذا ضعيف ويقال إنه كان يُشبه- ((قال: حدثنا أبو بكر بن عياش)) -هذا صاحب القراءة شعبه- ((حدثنا الكلبي)) -كذاب- ((عن أبي صالح، عن ابن عباس، حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي «صلى الله عليه وسلم» قرأ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قريب أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، فقال النبي «صلى الله عليه وسلم»: اللهم إنك أمرت بالدعاء وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن وعدك حق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور)).
وهذا كما قلنا في سنده الكلبي.


قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]

((ذكر إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا يعقوب بن كعبة، قال: حدثنا يوسف بن أسباط، يقول: سمعت سفيان الثوري: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، قال: أحسن الظن بالله)).
وهذا إسناد قوي إلى سفيان الثوري وهذا تفسير جميل.


قوله تبارك وتعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]

((قال: حدثنا رحيم المعولي، قال: حدثنا عبد القاهر بن شعيب بن الحبحاب، قال: حدثنا شعبة، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» دخل على رجل يعوده كان كأنه يتوجع، فقال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: ألا تقول... أو هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)).

والخبر في مسلم، وهذا من السنن أن المريض يقول هذا، وهذه سنة لا يعرفها كثير من الناس.
والحديث هكذا لفظه في مسلم: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو بشيء أو تسأله شيئاً؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟» يقول: فدعا الله له فشفاه.


قوله تبارك وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208]

((حدثنا الحسين بن عبد الله، قال: حدثنا منذر بن عمار الكاهلي، قال: حدثنا محمد بن أبي الحثحاث العجلي، عن أبيه، قال: خرج علي بالسحر يوقظ الناس للصلاة فاستقبله ابن ملجم ومعه سيف صغير، فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ})) -فظن علي أنه يستفتحه؛ يعني يتلو الآية ليشجع نفسه حتى يقتله- ((فقال علي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، فضربه بالسيف على قرنه)).
وسنده فيه جهالة.


قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210]

((حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو)) -العقدي- ((عن زمعة بن صالح)) -وهذا فيه كلام- ((عن سلمة بن وهرام)) -وهذا فيه كلام- ((عن عكرمة، عن ابن عباس: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}، قال: في ظلل من السحاب قد قُطعت طاقات)).

((وقال عمار بن نصر: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: سألت زهير بن محمد المكي عن قول الله تعالى: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}، قال: ظلل من الغمام منظمة بالياقوت مكلل بالجوهر والزبرجد)).
وهذا ظاهره أنهم يثبتون المجيء حقيقة لله عز وجل.


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذا هو المجلس الثاني من كتاب التفسير من كتب ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى.

يقول المصنف رحمه الله: ((قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222])).

قال: حدثنا علي بن الجعد؛ هذا الجوهري الثقة الثبت الذي جنح إلى الوقف بآخره.

قال: أنبأنا سفيان بن سعيد؛ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الإمام المعروف.

قال الشعبي: سفيان الثوري ما أدرك الشعبي، لم يدرك الشعبي، ولكن هنا يحكيها عنه حكاية: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له».
سفيان بن سعيد الثوري لم يدرك الشعبي، لكن هذا أثر كما قلنا من الآثار الموقوفة التي يتسامح فيها.

قال: ثم تلى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]

يعني الشعبي إن الله عز وجل -يريد الشعبي رحمه الله- أن الله عز وجل ما أحبه إلا وقد زال عنه الضرر، إن الله عز وجل أحبه لأنه عامله كأنه لم يفعل الذنب قط؛ هذا وجه استشهاد الشعبي بهذه الآية، أولأن الله عز وجل جعل التوابين يحب التوابين ويحب المتطهرين، فهذا معناه أن من تاب فقد تطهر، فهو كمن لا ذنب له.

يقول: حدثنا عبد الرحمن بن صالح؛ هذا الأزدي ثقة متشيع، قال: حدثنا المحاربي؛ عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن شعيب بن سليمان، عن محرز بن عون، وهذان مجهولان، عن الحسن قال: "إن الله وله الحمد لا شريك له رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يطيقون، وأحل لهم في حال الضرورة كثيراً مما حرم عليهم".

هذا الأثر تقدم معنا وهنا أعاده، وأعطاهم خمسة؛ الآن هنا الحسن البصري يشاهد فضل الله عز وجل، فالله عز وجل أعطانا خمسة أمور، ما هي؟

  1. الأولى: أعطاهم الدنيا قرضاً وسألهم إياها قرضاً، فما أعطوه من طيب نفس منهم فلهم به الأضعاف الكثيرة من العشرة إلى السبعمائة ضعف.

هذا الآن الدنيا والمال الذي يعطيك الله إياه هو منٌّ من الله عز وجل، هو ليس لك ملكاً مطلقاً وما أخذته كابراً عن كابر، ولكن الله عز وجل أنعم به عليك، ولكنك إن تصدقت به فإنه يكافئك عليه إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلم علمه إلا الله عز وجل، وذلك قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245].

  1. الثانية: وما أخذ منهم -ما أخذ منك من مال أو حبيب أو غير ذلك كرهاً- فصبروا واحتسبوا فلهم به الصلاة والرحمة وتحقيق الهدى، وذلك لقوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156-157].
  2. الثالثة: طيب ما تصدقت ولا ذهب مال (فلا أجر الصدقة ولا أجر الصبر) يبقى الشكر؛ الثالثة أن شكروا أن يزيدهم، وذلك لقوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
  3. الرابعة: أن أحدهم لو عمل من الخطايا والذنوب حتى يبلغ الكفر ثم تاب أن يتوب عليه ويوجب له محبته، وذلك لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]؛ هذا لكي لا يدخل القنوط إلى قلبك فتقول: أنا فعلت ذنوباً كثيرة فما وجهي أمام الله تبارك وتعالى؟ يقال لك: إن تبت الآن فأنت لن يعفى عنك فقط، بل ستصير حبيباً لله عز وجل.
  4. الخامسة: لو أعطيها جبريل وميكائيل عليهما السلام وجميع النبيين لكان قد أجزل لهم العطاء حيث قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243].

قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، عن حسين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف.
وإسناده قوي، وهلال بن يساف هذا تابعي، أذكر أنه راوي حديث: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف».

في قول الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} قال: "كان أناس من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع ذهب أغنياؤهم وأشرافهم وأقام فقراؤهم وسفلتهم".

الآن السنة أن الطاعون إذا وقع في أرض لا يخرج منها أحد ولا يدخلها أحد، بنو إسرائيل قالوا: لا، الأغنياء يخرجون ويتركون السفلة والفقراء يستعر بهم الموت، هؤلاء أقاموا ولم يصب الآخرين شيء.
فلما كان عام من تلك الأعوام قالوا: "إن أقمنا كما أقاموا هلكنا كما هلكوا"، وقال هؤلاء: "لو صنعنا كما صنع هؤلاء نجونا كما نجوا"، فأجمعوا في عام على أن يفروا ففعلوا، حتى بلغوا حيث شاء الله أن يبلغوا، فأرسل الله عليهم الموت حتى صاروا عظاماً تبرق، فكنسها أهل الديار وأهل الطريق فجمعوها في مكان واحد.

فمر عليهم نبي، قال حسين: حسبت أنه قال حزقيل -وهذا الذي في كتب النصارى اسمه (حزقيال)- قال: "يا رب، لو شئت أحييت هؤلاء فيعبدوك، ويعمروا بلادك، ويلدوا عبادك"، قال: «أو أحب إليك أن أفعل؟»، قال: "نعم"، قال: فقيل له قل، فتكلم بأمر أُمر به، فنظر إلى العظام تكسى لحماً وعصباً، ثم تكلم بأمر أُمر به فإذا هم صور يكبرون -يعني صوراً عادت وجوههم، ما هي هياكل عظمية- لا، عادت الوجوه يكبرون ويسبحون ويهللون، فعاشوا ما شاء الله أن يعيشوا.

وهذه القصة مشهورة في جدل الإسلام النصراني؛ فإن النصارى يقولون: المسيح له خصائص ومن خصائصه أنه يحيي الموتى، ولا يحيي الموتى إلا الله، فكان علماء المسلمين يحتجون عليهم بقصة حزقيال هذه، وهي موجودة عند النصارى، فكانوا يستدلون عليهم بها.


قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245].

أورد أثر الحسن البصري الذي تقدمت قراءته ولا نعيد؛ لأننا قرأناه في المجلس الماضي وفي هذا المجلس.

وهذه المضاعفة وردت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تصدق الرجل من كسب طيب...».

«إذا وقعت الصدقة في كف الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه، فيجدها يوم القيامة مثل أُحُد»؛ فالصدقة وإن قلت يضاعفها الله، ولهذا تصدقت امرأة بكسرة من تمر، والنبي ﷺ يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنها غفر لها بهذه الكثرة (بهذا الشق).
يقول أبو مسعود الأنصاري: "كنا نتصدق بالمد من الطعام، كان يعامل أحدنا فيتصدق بالمد من الطعام"، فهذا القليل يضاعفه الله عز وجل أضعافاً كثيرة.


آية الكرسي

قال: حدثنا عبد الملك بن إبراهيم البارودي، قال: حدثنا معاذ بن هشام القصار، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه؛ وهذا ابن أبي ليلى ضعيف.

قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن الغول تدخل عليّ من سهوة لي" -الغول: الغيلان سحرة الجن، إذا تغولت الغيلان فأذنوا- يقول عمر بن الخطاب: "إذا رأيتها فقل: أجيبِي رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال: "فرأيتها فأخذتها فخدعتني وقالت: لا أعود، فخليتها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما فعل أسيرك؟»، قلت: أخليته، فقال: «أخليتها؟»، قلت: حلفت لي ألا تعود، قال: «كذبت وهي معاودة للكذب»".

قال: "فأخذتها مرة أخرى فحلفت ألا تعود فخليتها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما فعل أسيرك؟»، قلت: أخذتها فحلفت ألا تعود فخليتها، قال: «كذبت ستعود»".

قال: "فعادت فأخذتها، فقالت: خلِّ عني وأخبرك بشيء إذا قلته لم يقربك شيطان، فخليتها، فقالت: اقرأ آية الكرسي.
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما فعل أسيرك؟» فأخبرته، قال: «صدقتك وهو كذوب»".

وهذا الخبر (خبر أبي هريرة) الذي رواه عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وأما عن بقية الصحابة فلا يصح.
وهذا ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب "مكائد الشيطان".


قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن إسحاق، قال: سمعت من أبي أمي (جدي من جهة أمي) مالك بن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه، عن جده أبي أسيد الساعدي الخزرجي رضي الله عنه؛ وهذا فيه جهالة.

"أنه قطع ثمرة حائطه (بستانه) فجعله في غرفة، فكانت الغول تخالفه إلى مشربه فتسرق ثمره وتفسد عليه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تلك الغول، فاستمع منها فإذا سمعت اقتحامها (وجبتها) فقل: باسم الله أجيبِي رسول الله»".

"ففعل، فقالت: يا أسيد، إن تتركني أذهب إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم وأعطيك موثقاً من الله لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق ثمرك، وأدلك على آية تقرؤها على بيتك فلا تخالف أهلك، وتقرؤها على إنائك فلا ينكشف غطاؤه، قال: فأعطته الموثق الذي رضي، وقالت: آية الكرسي، ثم سلت استها تضرط.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه قصتها، قال: «صدقت وهي كذوب»".

وهذا كله في معنى الخبر أن آية الكرسي تقيك من تسلط الشياطين.


قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة (حماد بن أسامة ثقة)، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثنا أبو إسحاق السبيعي (وقد اختلط وهو من الثقات).

قال: "خرج زيد بن ثابت -وهو لم يدرك زيداً- إلى حائط له فسمع فيه جلبة، فقال: ما هذا؟ قال: رجل من الجن أصابتنا السَّنَة (القحط) فأردنا أن نصيب من ثماركم، أفتطيبونه؟ (يستأذن الجني)، قال: نعم.
ثم خرج الليلة التالية فسمع أيضاً جلبة، قال: ما هذا؟ قال: رجل من الجن أصابتنا السنة فأردنا أن نصيب من ثماركم، أفتطيبونه؟ قال: نعم.
فقال له زيد بن ثابت: ألا تخبرني ما الذي يعيذنا منكم؟ قال: آية الكرسي".
(هذا منقطع).

قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، قال: حدثتني عبيدة بنت الوليد بن مسلم، عن الوليد أبيها: "أن رجلاً أتى شجرة فسمع فيها حركة فتكلم فلم يُجب، فقرأ آية الكرسي فنزل إليه فقال: إن لنا مريضاً فبما تداويه؟ قال: بالذي أنزلتني به من الشجرة (بآية الكرسي)".
وهذا فيه جهالة، ولا شك أن آية الكرسي من الرقية.

قال: حدثنا نعيم بن حبيب، قال: حدثنا الأزهر بن قاسم، قال: حدثنا الدستوائي (هشام وهو إسناد قوي )، عن قتادة ( والمحقق يعل بعنعنة قتادة وعنعنة قتادة ما يعل بها رواياته في الصحيحين بالعنعنة إنما عنعنته عن شيوخه الذين لم يسمع منهم وإلا قتادة لا تصطاد له الألفاظ وقال الحاكم أنه لا يدلس إلا عن ثقة -هذا إن دلس فأكثر تدليسه إرسال خفي- فالمحقق عمله على الكتاب جيد لكن على الآثار سطحي)، عن الحسن: "أن رجلاً رأى فيما يرى النائم، فقال الحي للميت: أي شيء وجدتم أفضل؟ (هذا أثر قوي عن الحسن) قال: وجدنا القران(هذه رؤية منام ولم يبق من النبوة إلا المبشرات)، قال: أي القرآن وجدتم أفضل؟ قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، قال: ما ترجو لنا من شيء؟ قال: نرجو أعمالكم، إنكم تعملون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نعمل".

وهذا أثر جليل جداً؛ حي رأى ميتاً فقال له في المنام: "نحن نعلم ولا نعمل وأنتم تعملون ولا تعلمون".
وأنت انزل نفسك منزلة الميت في العلم وأنت الآن حي تعمل، - لأن ابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، ولهذا يحرص المرء على الصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به والولد الصالح.
يزيد الرقاشي يقول " من يصلي لك بعدك ؟ من يصوم لك بعدك؟-

عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن عفريتاً من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي».
وهذا يشهد له خبر أبي هريرة، وهو من مراسيل الحسن رحمه الله، وأمره في الفضائل هين.


((قوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة: 259])).

قال: حدثنا خلف بن هشام وغيره، قالوا: حدثنا حزم بن أبي حزم، قال: سمعت الحسن (وهذا إسناده صحيح).

في هذه الآية قال: "ذُكر لي أنه أماته ضحوة ثم بعثه حين سقطت الشمس قبل أن تغرب"، فهو ظن نفسه في هذا الوقت من الضحى إلى العصر، قال: {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 259].

قال: "إن حماره ليحييه، وطعامه وشرابه قد مُنع منه الطير والسباع مائة سنة منعت.
{وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} [البقرة: 259]، لقد ذُكر لي أن أول ما خُلق منه عيناه، فجعل ينظر إلى العظام عظماً عظماً كيف يرجع إلى مكانه، فلما تبين له قال: {أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]".

قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان (الثوري)، عن الأعمش: ((وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ)) قال: "جاء شاباً وأولاده شيوخ".

يعني هذه قصة؛ جاء هو أولاً وجد أولاده كبروا وهو كما هو فصار آية للناس.


((قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260])).

قال: حدثنا أبو حفص الصفار، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء.
وعمرو بن مالك رواياته عن أبي الجوزاء إذا رُفعت تكون منكرة، لكن هذه أمرها هي، وأبو الجوزاء (أوس بن عبد الله) تابعي مشهور يروي عن عائشة وعن ابن عباس، وفي سماعه كلام وشيء معروف.

في قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} قال: "فقيل له: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] أي: فعلِّمهنَّ حتى يُجبنك، ثم أمر بذبحهن حين أجبن.
قال: فذبحهن ثم نتفهن وقطعهن فخلط دماءهن بعضها ببعض" -والروايات أنها أربعة أنواع طيور مختلفة- "وقسمها هو على عدة أواني، ثم قيل له:اجعل على أربعة جبال ثم {اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260]".

قال: "ففعل، ثم دعاهن فجعل الدم يذهب إلى الدم، والريش يذهب إلى الريش، واللحم إلى اللحم، وكل شيء إلى مكانه حتى أجبنه، فقال: {أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]".

لا إله إلا الله.


((قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: 261])).

قال: حدثنا محمد بن عبد الله أبو الحسن البصري، قال: حدثنا إسحاق بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن عيسى أبو مالك، قال: حدثنا عبد الله بن عوف، عن عوف بن محمد، عن أبيه، عن أم هانئ.
وهذا الحديث فيه إسحاق بن إدريس وهو متروك بل متهم بالوضع.

قال: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: «أبشري؛ فإن الله عز وجل قد أنزل لأمتي الخير كله، وقد أنزل: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]»".

وهذا المعنى في أخبار كثيرة، كما في قوله ﷺ: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، و «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقوله: «الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما»، و «العمرة إلى العمرة»، و «الحج إلى الحج»، و «الجمعة إلى الجمعة»؛ هذه الحسنات يذهبن السيئات.

  • فقالت: "بأبي أنت وأمي، ما تلك الحسنات؟ قال: «الصلوات الخمس»".
    وهذا له شاهد؛ فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما.
  • ثم دخل عليها فقال: "«أبشري؛ فإنه قد نزل خير لا شر بعده»، قلت: وما هو بأبي أنت وأمي؟ قال: «أنزل الله جل ذكره: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]»".

الآن رب العالمين لو أراد أن يجعل الحسنات ليست كفارة، ولا تكفر الذنوب إلا بالتوبة، لكان ذلك عدلاً منه، أليس كذلك؟ لكنه عاملنا بالفضل سبحانه وتعالى.
أيضاً الحسنات لو أراد الله عز وجل أن يجعلها بواحدة لكان، لكن تفضل رب العالمين فجعل الحسنة بعشر أمثالها.

"فقلت: يا رب زد أمتي، فأنزل الله تبارك وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 261]" -والنفقة هنا في الجهاد وفي العلم؛ لأن الجهاد يقاس على العلم- "إلى سبعمائة ضعف".
وقد جاء صحابي بناقة في سبيل الله فقال النبي ﷺ: «ليجدنها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة في سبيل الله».

ثم قال: "{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: 261]، فقلت: يا رب زد أمتي، فأنزل الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]".

حديث جميل جداً، لكن الله المستعان (موضوع).


((قوله تعالى: {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} [البقرة: 266])).

قال: حدثنا الفضل بن يعقوب، قال: حدثنا الفريابي(وفي روايته عن هارون كلام لكن هذا موقوف)، عن هارون بن عنترة، عن أبيه.
وإسناده صحيح

عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} قال: "ريح فيها سَمُومٌ شديد".


((قوله تعالى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267])).

قال: حدثنا علي بن الجعد (الثبت الواقفي)، أخبرنا شعبة بن الحجاج، عن الحكم (الحكم بن عتيبة).
وهو فقيه من فقهاء الكوفة، وشيخ لأبي حنيفة وسفيان، وكان إمام مذهب تذكر في كتب الفقه أقواله، وكان إذا ذهب للحرم يخلون له الحرم لجلالته في نفوسهم.

عن مجاهد (مجاهد بن جبر المفسر المعروف) قال في قوله: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} قال: "التجارة"؛ يعني: تاجروا وأنفقوا، إن التجارة كسب طيب.
وعمر رضي الله عنه يقول: "ألهانا الصفق بالأسواق".

ويقول التابعي: "حدثنا اثنان من فضلاء الصحابة: زيد بن أرقم والبراء بن عازب"، وكانا تاجرين، وأبو بكر رضي الله عنه كان تاجراً، وللخلال كتاب معروف وهو "الحث على التجارة والصناعة".


((قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267])).

وبه -يعني بالإسناد- بإسناد عمرو بن صالح الأزدي، عن عمرو بن هاشم الجنبي، عن أبي بكر بن عياش، عن الكلبي.
وهذا الإسناد كله شيعة إلا أبا بكر بن عياش.
في قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} قال: "من الحب".


((قوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268])).

قال: حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب (هذا اختلط)، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود رضي الله عنه يرفعه -يعني يجعله حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم-:

«إن للشيطان لَمّةً بابن آدم، وللملك لَمّةً؛ فأما لَمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق»؛ ومن ضمن الحق: «اللهم أعطِ منفقاً خلفاً»، و «ما نقص مال من صدقة».
فأنت إذا بخلت وخفت، فأنت كذبت بالحق هذا الوعد الذي وعدته فإيعاد بالشر؛ أنك إن فعلت الخير يقول لك الشيطان: "انتبه، إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر سيصيبك البلاء، انتبه إذا تصدقت ستفتقر".
كما قال المتنبي: "لولا المشقة ساد الناس كلهمُ.. الجود يفقر والإقدام قتال"؛ هذا "الجود يفقر" هو وعد الشيطان.

«وأما لَمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق؛ فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان»، ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268].


((قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284])).

  • قال: حدثنا إبراهيم بن راشد، قال: حدثنا حجاج بن منهال وأبو ربيعة، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة (وكلهم ثقات)، عن علي بن زيد (الضعيف)، عن أمية أنها سألت عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} والآية: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]؛ جمعت بين الآيتين (فمعناه النوايا).
  • فقالت عائشة: "ما سألني أحد منذ سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «يا عائشة، هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب الأحمر من الكير»".

القصد أن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها؛ هذا الفضل، لكن ما الذي بقي مما في النفس نثاب عليه؟ الهمّ الذي يصيبك؛ هذا تؤجر عليه بالحزن الذي يصيبك من الشيء.
وأيضاً النية الصالحة؛ إذا تمنيت للناس الخير تؤجر عليه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فهذا تؤجر عليه وإن لم يكن أمراً ظاهراً.


قال: حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن زيد بن الحباب، قال: حدثني عبد المؤمن بن خالد الحنفي (من أهل مرو، والحنفي هنا قبيلة بني حنيفة)، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الدؤلي (هذا إمام النحو، ظالم بن عمرو).

وعبد الله بن بريدة فيه نقاش لكن له رواية في البخاري.
قال: قلت لمعاذ بن جبل: أخبرني عن قصة الشيطان حين أخذته.

وهذا ظاهر إسناده السلامة لكن فيه غرابة، خصوصاً أن إدراك الدؤلي لمعاذ فيه نظر؛ لأن معاذ مات متقدماً في طاعون عمواس (سنة 17 أو 18 للهجرة)، أي بعد النبي ﷺ بنحو ست سنوات، وأبو الأسود الدؤلي هو الذي أسس النحو وقصته مع علي ومعاوية مشهورة حين سمع لحناً فقرر تأسيس النحو.

قال: قلت لمعاذ بن جبل أخبرني، فقال: "جعلني رسول الله ﷺ على صدقة المسلمين، فجعلت التمر في غرفة، فوجدت فيه نقصاً، فأخبرت رسول الله ﷺ بذلك، فقال: «هذا الشيطان يأخذه»".

فدخلت الغرفة -وللمعلومية- قديماً من قلة الطعام ومن شدة الجوع كان يلاحظ نقص التمرة الواحدة والاثنتين إذا نقصت، ولهذا النبي ﷺ نهى عن القِران (أن يأكل الرجل تمرتين معاً دون استئذان أصحابه)، أما في زماننا لكثرته لا تلاحظ شيئاً أصلاً.

«هذا الشيطان يأخذه».
قال معاذ: "فدخلت الغرفة وأغلقت الباب، فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب، ثم تصور في صورة ثم تصور في أخرى، فدخل من شق الباب، فشددت إزاري علي، فجعل يأكل من التمر، فوثبت عليه فضبطته، فالتفت يداي عليه فقلت: يا عدو الله، فقال: خلِّ عني فإني كبير ذو عيال وأنا فقير، وأنا من جن نصيبين، وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم، فلما بُعث أخرجنا منها، فخلِّ عني فلن أعود إليك.
فخليته وجاء جبريل عليه السلام فأخبر رسول الله ﷺ بما كان".

قال: "فصلى النبي ﷺ الصبح فنادى مناديه: أين معاذ بن جبل؟ فقمت إليه، قال رسول الله ﷺ: «ما فعل أسيرك؟» فأخبرته، قال: «أما إنه سيعود فعد»".

قال: "فدخلت الغرفة وأغلقت علي الباب، فجاء فدخل من شق الباب فجعل يأكل من التمر، فصنعت به كما صنعت في المرة الأولى، فقال: خلِّ عني فإني لن أعود إليك، فقلت: يا عدو الله، ألم تقل إنك لن تعود؟ قال: فإني لن أعود، وآية ذلك ألا يقرأ منكم أحد خاتمة البقرة فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة -وهي من {آمَنَ الرَّسُولُ} إلى آخر السورة-".

هنا سبحان الله ذُكر أمر مما يشاهد عند الوثنيين الذين يعبدون الأصنام -وهم أكثر أهل شعوب غرب آسيا وفي أفريقيا- أن لهم عادة، ويبدو أن العادة من الشياطين؛ يضعون طعاماً للأصنام، ويضعون طعاماً للموتى، ويصبون الخمر على قبور الموتى، ويضعون الطعام الذي يحبه الميت في ذكرى وفاته عنده، فسبحان الله لعلها من هذا.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل