التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة طه
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، وقوله تعالى: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} [طه: 72]

ثم أورد الخبر؛ خبر القاسم بن أبي بزة وقد قرأناه في المجالس الماضية وإسناده قوي: ((أن سحرة فرعون كانوا سبعة آلاف، ومعهم سبعون ألف عصا، وأنهم لما آمنوا الله عز وجل أراهم الجنة والنار، رأوها بأعينهم من مقامهم))؛ لهذا قالوا: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ}، فهي ليست بينة الحية فحسب، بل رأوا شيئاً.
وهذا خبر قوي عن القاسم بن أبي بزة، وهو تابعي.


قوله تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]

((حدثنا عبيد الله بن سعد القرشي، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق)) -أبوه هو إبراهيم بن سعد الذي يروي عن ابن إسحاق، وهذا له خصوصية في الرواية عن ابن إسحاق؛ أنه يروي عنه أخباره التي صرح فيها بالسماع ولم يدلس فيها.
ومحمد بن إسحاق بن يسار هو صاحب أقدم كتاب سيرة بين أيدينا- ابن هشام بنى سيرته على سيرته.

((قال: حدثني محمد بن كعب القرظي)) -وهو عالم مفسر من بني قريظة- ((عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي)) -وهو تابعي كبير- قال: (( "لقد ذُكر لي" )) -والذي ذكره بالتأكيد هم الصحابة والإسناد قوي- (( "أن فرعون خرج في طلب موسى عليه السلام على سبعين ألف دهم من الخيل، سوى ما في جنده من شبه الخيل" )).

((قال ابن إسحاق: وخرج موسى ببني إسرائيل حتى إذا قابله البحر لم يكن عنه منصرف)).
وكان بنو إسرائيل سبعين ألفا وفرعون يصفهم بأنهم شرذمة قليلون لعظمة من معه من ناحية العدد.

((فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61]، قال: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} للنجاة، حتى وعدني ذلك ولا خلف لموعوده.
فأوحى الله عز وجل -فيما ذُكر لي- إلى البحر: إذا ضربك موسى بالعصا فانفلق.
قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضاً فَرَقاً من الله عز وجل وانتظاراً لما أُمر به.
وأوحى الله عز وجل إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها وفيها سلطان الله عز وجل الذي أعطاه فانفلق، فكان كل فِرْقٍ كالطود العظيم عن يبس من الأرض))؛ يعني انفلق البحر إلى جهتين اليمين والشمال وصار في المنتصف يابسة.

يقول الله عز وجل: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى}، فلما شق له البحر عن طريق قاعه يبس، تلا موسى ببني إسرائيل فاتبعه فرعون وجنوده، وأُطبق الله البحر على فرعون وجنوده ونجى بني إسرائيل.


قوله تعالى: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه: 81]

((حدثنا حمزة بن العباس، قال: أخبرنا عبدان -عبد الله بن عثمان- قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش)) -وهذا الخبر تقدم معنا، وذكرنا أن إسماعيل بن عياش إذا روى عن أهل الشام فروايته قوية، وإن هذا الخبر في سنده جهالة-.

عن شفي بن ماتع الأصبحي قال: (( "في جهنم جبل يدعى صعوداً، يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه" -قال الله عز وجل: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا}- "وإن في جهنم قصراً يقال له هوى، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي في جهنم أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله" )).
اللهم إنا نعوذ بك من نار جهنم.

قال الله عز وجل -وهذا موطن الشاهد-: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.
(( "وإن في جهنم وادياً يدعى غياً يسيل قيحاً ودماً، فهو لمن خلق له" -قال تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}- "وإن في جهنم وادياً يدعى أثاماً فيه حيات وعقارب، في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة سم" )) -والقلة هي القلّة الكبيرة؛ كقوله «إذا بلغ الماء قلتين»- (( "والعقرب منهن مثل البغلة المؤكفة، تلدغ الرجل فلا يلهيه ما يجد من حر جهنم حموة لدغتها، فهو لمن خلق له" )).
يعني حريق النار لا يشغله عن ألم هذه اللدغة من شدة قوتها.
(( "وإن في جهنم سبعين داءً -يعني مرضاً- كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم" )).


قوله تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108]

((حدثنا هارون، قال: أنبأنا الوليد، قال: حدثنا أبو عمرو الأوزاعي)) -هذا الوليد بن مسلم- ((أنه سمع بلال بن سعد)) -وإسناده صحيح إلى بلال بن سعد، وهو تابعي شامي كان واعظاً وله مواعظ حسنة، وتعرفون كلمته المشهورة: "لا تنظر إلى صغر معصيتك، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت"، هذه كلمته هو- قال: (( "يفزع يوم القيامة فزعة فيزولون" )).
قال الأوزاعي: وقرأ: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} قال: (( "همس الأقدام" )).
وهذا تفسير عامة السلف، ولا يخطر على البال أن الهمس هو همس الأقدام، لكن هذا هو التفسير المشهور عن السلف.

((قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا جرير)) -ابن عبد الحميد الضبي- ((عن عطاء بن السائب)) -وعطاء ثقة اختلط وجرير روى عنه بعد الاختلاط لكن هذا خبر يسير- ((عن سعيد بن جبير)): {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} قال: (( "وطء الأقدام" )).

((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: أنبأنا خلف بن خليفة)) -وفيه ضعف لكن الخبر ماشي بالجملة- ((عن منصور بن زاذان، عن الحسن)) في قوله تعالى: {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} قال: (( "نقل أقدامهم" )).

((حدثنا فضيل، قال: أنبأنا خلف بن خليفة، عن الكلبي قال: "هو ذاك من الكلام الخفي" )).
والكلبي وحده شذ، والتفسير الأشهر أنه نقل الأقدام.
وهنا تنبيه: المحقق يضعف الخبر بالكلبي، والكلبي هنا يتكلم، وهذه مشكلة عند كثير من محققي الكتب؛ الرجل هو يتكلم فلا يصلح أن تقول هو ضعيف، ضعيف إذا هو روى عن غيره، أما إذا هو تكلم فلا تقل هو ضعيف.


قوله تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111]

((حدثنا يوسف، قال: أنبأنا عمرو بن حمران، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة)): {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ} قال: (( "ذلت" )).


قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112]

((حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا عمرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة)): {فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} قال: (( "لا يُحمل عليه ذنب غيره، ولا يُهضم حسناته" )).

هذا تعريف الظلم عند الأوائل، مثل تعريف الظلم الذي اشتهر عند كثير ممن يتكلمون في أصول الدين والفقه أن "الظلم هو تصرفك فيما لا تملك"، واشتهر عند طلاب العلم السلفيين أن هذا التعريف هو تعريف الجبرية، وقد تكلم به جماعة من أهل الحديث مثل البربهاري والملاطي والآجري ولم يقصدوا به معنى الجبرية.
وهناك مناظرة إياس بن معاوية وحُملت على التنزل لما قال له القدرية: ما الظلم عندكم؟ قال: "تصرفك في ملك غيرك"، قال: "فكل شيء لله عز وجل".

غير أن في كلام المفسرين -يخص مقاتل بن سليمان وهنا نجدها في كلام قتادة- أن الظلم هو (وهذا من معانيه وهو المعنى الذي اختاره ابن تيمية وابن القيم) أن "يُعذب على غير ذنب، وأن يُحمل عليه ذنب غيره وأن لا يثيب على الحسنات"، لأن عند الجبرية لو عذب الله عز وجل المطيعين وأثاب العاصين فلا بأس ولا يسمى هذا ظلماً.
والمسألة بسطناها في دروس العقيدة، لكن هذا مجرد تنبيه عليها.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل