التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة الحديد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجَعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَدُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: 13-15]

((حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: حدثنا أبي، قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك، قال: أنبأنا صفوان بن عمرو)) -هنا الآن صحيح، كان يقال (ابن عمر) وخطأ هو ابن عمرو- ((قال: أنبأنا سليم بن عامر)) -وهذا إسناد قوي إلى سليم بن عامر الكبائزي، وهو تابعي شامي كبير عامة شيوخه من الصحابة-: قال: (( "خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة -صُدي بن عجلان الباهلي آخر الصحابة موتاً في الشام- فلما صُلّي على الجنازة وأخذوا في دفنها؛ قال أبو أمامة يعظ عند القبر: أيها الناس، إنكم أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر -وأشار إلى القبر-" )).
-هذه موعظة أبي أمامة عند قبر رجل مات-: (( "بيت الوحدة، وبيت الظلمة" )) -هذا صحيح عن أبي أمامة- (( "وبيت الدود، وبيت الضيق" )) -هذه الموعظة المشهورة قلنا صحت عن عبيد بن عمير وصحت أيضاً عن أبي أمامة إلا ما وسع الله-.

(( "ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فأيكم لفي بعض تلك المواطن إذ يغشى الناس أمرٌ من أمر الله؛ فتبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه.
ثم تنتقلون إلى منزل آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يُقسم النور فيُعطى المؤمن نوراً، ويُترك الكافر والمنافق فلا يُعطون شيئاً" )).
-يعني أول شيء سواد وجوه وبياض وجوه، ثم بعد ذلك توزيع النور، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه فقال: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]-.

(( "فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً" )).
-وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين؛ قال الله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]؛ إيش الخدعة هذه؟ أنهم يقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، فيرجعون إلى المكان الذي قُسم فيه النور فلا يجدون شيئاً؛ لأنهم في الدنيا كانوا أهل خداع يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر فيُجازون في الآخرة بذلك-.

(( "فينصرفون وقد ضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ينادونهم ألم نكن معكم؟ نصلي صلاتكم ونغزو مغازيكم" )).
-شوف سبحان الله! "ألم نكن معكم نصلي صلاتكم"؛ هذا المنافق الذي كان يصلي نفاقاً، أما الذي لا يصلي فهذا خارج البحث-.
(( "قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ومأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير" )).
-واليوم سبحان الله تجد كثيراً من الناس ينشأ في التوحيد أو ينشأ في السنة وينشأ في بلاد الإسلام فيأبى إلا أن يهلك نفسه، وترى أناساً يأتون من آخر الدنيا كانوا على كفر وشرك ويكونون على توحيد وعلى خير وسنة-.

((قال سليم: فما يزال المنافق مغتراً حتى يقسم الله النور ويميز بين المؤمن والمنافق)).
-يعني المنافق يكون مغتراً يوم القيامة يظن نفسه أنه سيصيبه شيء من النجاة بما كان يفعل في الدنيا من الخير-.

((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: سمعت شريك بن عبد الله)): في قوله تعالى: {فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} قال: (( "بالشهوات واللذات" )).
-وهذا اليوم أكثر بلاء أهل النفاق من باب الشهوات واللذات؛ لهذا "جاهد الكفار والمنافقين" واغلظ عليهم، وترون اليوم العلماني والليبرالي والنسوية إيش بابهم؟ الشهوات واللذات تأخذهم إلى الكفر-.
{وَتَرَبَّصْتُمْ} قال: (( "بالتوبة" )).
{وَارْتَبْتُمْ} قال: (( "شككتم" )).
{حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} قال: (( "الموت" )).
{وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} قال: (( "الشيطان" )).

((حدثنا فضيل، قال: حدثنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن بعض العلماء مثله)).
-وهذا إسناد ماضٍ مع شريك-.


قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16]

((حدثنا الحسن بن الصباح، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عثمان بن واقد -وهذا فيه كلام لكن إن شاء الله ماشي- عن نافع، عن ابن عمر)): أنه كان إذا أتى على هذه الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} بكى حتى يبل لحيته ويقول: (( "بلى يا رب" )).


قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22]

((حدثنا يعقوب بن إبراهيم العبدي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور بن عبد الرحمن قال)): كنتُ جالساً مع الحسن، فقال لي رجل: (( "سَلْه عن قول الله عز وجل: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}" ))؛ فسألته عنها، فقال: (( "سبحان الله! ومَن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن تُبرأ النسمة" )).
-وهذا لأن الحسن كان يُتهم بقول القدرية، فكانوا يسألونه عن مثل هذا رجاء أن يصدر منه ما يبريه-.


قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27]

-وهذا آخر أثر معنا اليوم-: ((حدثنا شجاع، قال: حدثنا هشيم، قال: أنبأنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي -وزكريا هذا فيه ضعف- قال: سمعت أبا أمامة الباهلي صاحب رسول الله ﷺ يقول)): (( "أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يُكتب عليكم، وإنما كُتب عليكم الصيام؛ فدوموا على القيام -التراويح- لا تتركوه" )).
-والنبي ﷺ قامها زمناً ثم تركها خشية أن تُفرض، وبعد وفاته هذه الخشية زالت فعاد عمر لها-.
(( "ولا تتركوه؛ فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة لم تُكتب عليهم، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، فعاقبهم الله بتركها؛ فقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}" )).

-واليوم سبحان الله نسأل الله عز وجل ألا يمقتنا، والله ما نقوم بحقها ولا بعشر حقها، بل الأمر تسمح ثلث ساعة أو نصف ساعة، والآن على أدنى سبب منعوها بشيء يسير جداً، وتجد الناس يتثاقلون ويقولون للإمام: أطلتَ وأطلتَ! ولا حول ولا قوة إلا بالله-.


هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فهذا مجلس جديد من كتاب التفسير من كتب ابن أبي الدنيا، وصلنا عند سورة المجادلة.

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل