سورة المائدة
((قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27])).
حدثنا أبو جعفر الكندي، قال: حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه (وأبو رواد لم يدرك علياً): "كونوا لقبول العمل أشد هماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}؟".
وقبول العمل يكون بالإخلاص والمتابعة؛ فمن اتقى الرياء والسمعة واتقى البدعة فهو المتقي الذي يُقبل عمله.
وهذا جمعٌ بين النص القرآني والأحاديث: «إنما الأعمال بالنيات»، و «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
حدثنا يعقوب بن إسماعيل، قال: أخبرنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا رشدين بن سعد (ضعيف جداً)، عن شرحبيل بن يزيد، عن عبيد بن عمرو.
أنه سمع فضالة بن عبيد رضي الله عنه يقول: "لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إليّ من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}".
حدثنا عمر بن الحسين، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا همام بن يحيى.
قال: بكى عامر بن عبد الله (كان يلقب بالراهب لعبادته) في مرضه الذي مات فيه بكاءً شديداً، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: "آية في كتاب الله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}".
((قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...} [المائدة: 33])).
وحدثني الفضل بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: أخبرني مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي.
قال: "كان حارثة بن بدر التميمي (من أهل البصرة) قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم الحسن بن علي وابن عباس وابن جعفر وغيرهم من قريش فكلموا علياً فأبى أن يؤمنه (لأنه مفسد) فذهب حارثة إلى سعيد بن قيس الهمداني في داره، فانطلق سعيد إلى علي وخلفه في داره، فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقول فيمن أفسد في الأرض وحارب؟ فقال علي: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...} حتى ختم الآية.
فقال سعيد: أرأيت من تاب من قبل أن يقدر عليه؟ قال علي: أقول كما قال الله وأقبل منه.
قال: فإنه حارثة بن بدر قد تاب من قبل أن يقدر عليه".
"فأتاه به فأمنه وكتب له كتاباً، فقال حارثة أبياتاً من الشعر":
أَلا أَبـلِغَـن هَـمـذانَ إِمّا لَـقِـيـتَـهـا ... سَلاماً فَلا يَـسـلَم عَـدُوٌّ يَـعـيـبُـهـا
لَعَـمـرُ إِلَهي إِنَّ هَـمـذانَ تَـتَّـقي ... الإِلَهَ وَيَـقـضـي بِـالـكِـتـابِ خَـطـيـبُـهـا
إِذا اِقتَسَمَ الأَقوامُ عِلماً وَسُؤدُداً ... فَخَيرُ نَصيبٍ عِندَ ذاكَ نَصيبُها
تُـشـيـبُ رَأسي وَاِستَـخَـفَّت حُـمُـولَهُ ... رُعُـودُ المَـنـايـا حَـولَـنـا وَبُـرُوقُـهـا
وَإِنّـا لَـتَـسـتَـحـلِي الـمَـنـايـا نُـفُـوسُـنـا ... وَنَـتـرُكُ أُخـرَى مَـرَّةً مـا نَـذُوقُـهـا
والخبر موجود في "المصنف" والطبري وابن عساكر، وكلهم من طريق ابن أبي الدنيا.
((قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} إلى قوله: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [المائدة: 43-44])).
حدثنا بسام بن يزيد، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا حميد، عن إياس بن معاوية.
لمَّا استُقضي (أُمر بالقضاء) أباه، استبكى إياس، فقال له الحسن: "ما يبكيك؟"، قال: "يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة ثلاثة" -وهذا الخبر ذكرناه آنفاً؛ أنه خاف أن يكون قاضي النار؛ لأن الحديث فيه أن القضاة ثلاثة ولا ينجو إلا من عرف الحق وحكم به-.
فذكر له الحسن البصري قصة داوود وسليمان عليهما السلام، فحكم سليمان كان هو الصحيح وحكم داوود كان خطأً، والله عز وجل ما عتب على داوود وقال: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79]؛ فهون عليه الحسن.
والجمع بين الأخبار أن القضاة أربعة:
- قاضٍ عرف الحق وحكم به فهو في الجنة.
- وقاضٍ عرف الباطل وحكم به فهو في النار.
- وقاضٍ فرّط في طلب الحق (مع قدرته) وحكم بخلافه فهذا في النار.
- وقاضٍ بذل جهده ولكنه أخطأ بعد بذل الجهد فهذا مأجور.
((قوله تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62])).
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، قال: حدثنا معلّى بن زياد.
قال: لما ولي يزيد بن المهلب خشيتُ أن أؤخذ فأُجعل عريفاً (ولا بد للناس من عريف)، والعريف هو رأس القوم.
فاتيتُ الحسن في أهله وخادم له يقال له برزة يناوله ثيابه، فقلت: "يا أبا سعيد، كيف بهذه الآية في كتاب الله عز وجل؟"، قال: "أية آية؟"، قلت: قوله تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ...} يا أبا سعيد، فسخط الله على هؤلاء بقولهم الإثم وأكلهم السحت، وذمَّ هؤلاء حيث لم ينهوا.
(خشي أن يجعلوه عريفاً فلا يستطيع أن ينهى).
فقال الحسن: "يا عبد الله، إن القوم عرضوا السيف فحال السيف دون الكلام"، قلت: "يا أبا سعيد، هل تعرف لمتكلم من فضلاً؟"، قال: "ما أعرفه".
((قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78])).
قال: حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا أبو شهاب، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(أبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود ولم يسمعه، وروايته عن أبيه يمشّيها العلماء لأنه أخذ حديث أبيه من أهله).
قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة نهاه الناهي تعذيراً، فإذا كان الغد جالسه وأكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس.
فلما رأى الله تبارك وتعالى ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داوود وعيسى بن مريم؛ {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}» ثم قال ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه فلَتأطُرُنّه على الحق أطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم».
وكانت لنا رخصة في هذه الأمة؛ فمن أنكر بقلبه فقد برئ، وهذا تهوين وتخفيف، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يتكل دائماً على هذا فلابد من أمر بالمعروف ونهي عن منكر.
((قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ...} إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90-91])).
عن ربيع بن كلثوم(وهذا منتصف سند ما أكمله ما أدري من أين جاء)، قال: حدثني أبي، قال: خطبنا ابن الزبير بمكة فقال: "يا أهل مكة، بلغني أن رجالاً من قريش يلعبون لعبة يقال لها (النردشير) -أي الزهر- وإن الله عز وجل يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}.
وإني أقسم بالله لا أوتى برجل لعب هذه اللعبة إلا عاقبته في شعره وبشره، وأعطيتُ سلبه مَن أتاني به".
سلبة يعني ما عليه من ثياب وكذا (وإسناده صحيح).
قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عمرو بن حمران، عن سعيد (بن أبي عروبة)، عن قتادة قال: "كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حزيناً سليبًا ينظر إلى ماله في يد غيره" -وهذا هو القمار واليوم هو كثير- "وكانت تورث بينهم العداوة والبغضاء، فنهى الله عز وجل عن ذلك وأخبر{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} ".
واليوم صالات القمار في بعض الدول يقال إنها سياحة، وهي حالة إدمانية يُتلاعب فيها بالناس، والله المستعان.
((قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105])).
حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد الضبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم.
(وهذا إسناد صحيح، وقيس بن أبي حازم سمع من تسعة من المبشرين بالجنة).
قال: "قرأ أبو بكر رضي الله عنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، ثم قال: إن الناس يضعون هذه الآية على غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، والمنكر فلم يغيروه، عمهم الله بعقابه»".
(وهذا خبر ثابت، والمنقول عن الصحابة يؤكد أن تسلط الأشرار على الأخيار مبدأه ترك الأخيار إنكار المنكر، ثم يدعون الله فلا يستجاب لهم لأنهم قصروا في البداية حتى تحدث توبة).
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني، قال: حدثنا القاسم بن الحكم العرني، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن إسماعيل بن أبي خالد وبيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر رضي الله عنه يقول: "يا أيها الناس، لا تغرنكم هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}؛ لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب لهم".
حدثنا أبو هشام، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول: "يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ...}، وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب»".
ما معنى الآية إذاً؟ معناها أن إثمه لا يضرك أنت بعد أن تعذر إلى الله وتؤدي ما عليك من النصح، فلا تحزن وتضيق بنفسك إذا استمر الآخر على ذنبه، فـ "لا تزر وازرة وزر أخرى".
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا هشام بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثنا الحكم بن عبد الله بن سعيد الأيلي، عن محمد بن عبد الله التيمي، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
أن رسول الله ﷺ قال: «ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من قوم قد مرجت عهودهم وخربت أماناتهم»، قالوا: فكيف بنا؟ قال: «تعرفون ما تعرفون، وتنكرون ما تنكرون».
وقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ في ذلك المجلس يقول: «ما ترك قوم القتال في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل، ولا قرَّ المنكر بين أظهرهم إلا عمهم الله بعقاب، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقاب من عنده إلا أن تتلوا هذه الآية على غير ما أنزلها الله عز وجل عليه على غير أمر بالمعروف ونهي عن المنكر): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}».
(وهذا الخبر فيه ضعف لكن معناه صحيح).
أخبرنا أحمد بن جميل المروزي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عتبة بن أبي حكيم، قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي، قال: حدثني أبو أمية الشعباني.
قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني رضي الله عنه صاحب رسول الله ﷺ فقلت: "يا أبا ثعلبة، كيف تصنع في هذه الآية؟"، قال: "أية آية؟"، قلت: قول الله عز وجل: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
قال: "أما والله لقد سألت عنها خبيراً؛ سألت رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام؛ فإن من ورائكم أيام الصبر، صبرٌ فيهن مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله»".
قيل: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم»".
"وهذا اللفظ بتمامه فيه ضعف، وعامة الأخبار في (أجر خمسين منكم) فيها كلام، ومن صححها حملها على غير اعتبار المضاعفة، بل باعتبار أجر الصبر لوحده.
وإلا فإن الصحابة -كما يقول سعيد بن زيد رضي الله عنه-: «لمشهدٌ شهده أحدهم مع رسول الله ﷺ خير من عمل أحدكم ولو عُمِّرَ عُمر نوح».
وقال النبي ﷺ لخالد رضي الله عنه: «لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه».
((قوله تعالى: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 117-118])).
ذكر الحسن بن عبد العزيز الجروي أنه حُدِّث عن عبد الله بن وهب، قال: ذكر عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة -وهذا الإسناد بدأ مصرياً ثم ذهب إلى الشام- عن عبد الرحمن بن جبير -وهذا شامي- والإسناد كله مصريون إلا هذا (الذي) في المنتصف فإنه شامي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما
(وهذا الخبر في صحيح مسلم): "أن النبي ﷺ تلا قول إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، وقال عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، فرفع يديه وبكى وقال: «اللهم أمتي أمتي»".
"فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال -وهو أعلم- ، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك".
حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن المغيرة بن نعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فوعظ الناس فقال: «يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً(أي غير مختونين): {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}».
«فيجيء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات اليسار، فأقول: يا رب أصحابي (وفي رواية: أمتي أمتي)، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ...} الآية، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم وأول من يكسى إبراهيم».
(الحديث رواه البخاري).
هذا هو حديث "الذود عن الحوض"، ومن الناس من حمله على المرتدين الذين مرقوا وارتدوا عن الإسلام كليّة، ولكن هؤلاء لا يقال فيهم "أمتي".
وفي رواية عند البخاري يقول النبي ﷺ: «فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم»، فذكر أن منهم ناجين، وهذا معناه أنهم ليسوا كفاراً خارجين عن الملة.
ولفظ "الردة" هنا يُقصد به الردة عن الاستقامة؛ كما وصف النبي ﷺ الخوارج فقال: «يمرقون من الإسلام»، ولم يرد أنهم كفار، وإنما المروق من كمال الإسلام وصحيحه، كقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
من الذين يُذادون عن الحوض؟
نصَّ ابن عبد البر على أنهم أهل البدع؛ استدلالاً بحديث: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، وهؤلاء هم الذين يُحدثون في الدين.
وقال أيضاً: أئمة الجور؛ لحديث النبي ﷺ: «يكون عليكم أمراء لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم أو أعانهم على ظلمهم فليس مني ولا يرد عليَّ الحوض».
وقد قيل: إن كان (المعينُ) للظالم لا يرد الحوض، فإن الظلمة أنفسهم من باب أولى.
ويشهد لهذا أيضاً الحديث -وإن كان لا يصح رفعه عند البعض-: «صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: كل غالٍ مارق (وهذه في البدع)، وكل إمام ظلوم غشوم».
وهذا الحديث مشاه الألباني (لكن فيه كلام)، وهو عند الطبراني يدل على هذا المعنى في العمق.
فهؤلاء هم الذين يُذادون عن الحوض من الأمة.
ولقد مرَّ معنا أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن أكثر هلاك الأمة في الذي يعمل عملاً سيئاً ويظنه صالحاً».
هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذا مجلس جديد في التعليق على "كتاب التفسير" من كتب ابن أبي الدنيا، وقد وصلنا عند سورة الأنعام.