التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة يوسف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حدثنا الحسين بن يزيد، قال: حدثنا النضر بن إسماعيل، عن أبيه، قال:

تعرضت امرأة العزيز ليوسف حين مرَّ بها في الطريق، فقالت: "الحمد لله الذي جعل الملوك بمعصيته عبيداً، وجعل العبيد بطاعته ملوكاً!".
فتزوجها فوجدها بكراً، وكان صاحبها من قبل لا يأتي النساء.
ومات من النسوة اللاتي قطعن أيديهن تسع عشرة امرأة كمداً.
(كمداً يعني حسداً لما تزوجها.. استغفر الله! وكانت رؤيا يوسف ليلة القدر).
طبعاً هذه القصة لا تصح؛ إسنادها فيه جهالة، جهالة مطبقة، بس هذه القصة الناس يحبونها دائماً يذكرونها.

حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا الأسود بن عامر، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عمرو بن قيس الملائي.

في قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}؛ قال: "الرضا بالمصيبة والتسليم".

حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن يحيى، عن حِبّان بن أبي جَبَلة (رفع إلى رسول الله ﷺ).

في قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}؛ قال: «صبرٌ لا شكوى فيه».


هذا، وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذا هو المجلس السادس من كتاب "التفسير" من كتب ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى، على ما جرت به العادة نبحث عن تلك المخبآت النفيسة التي أودعها ابن أبي الدنيا رحمه الله في كتبه وجمعها المحقق مشكوراً جزاه الله خيراً.


قوله تعالى: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42].

((حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا عبد العزيز القرشي، عن جعفر بن سليمان، عن بسطام بن مسلم، عن مالك بن دينار))؛ ومالك بن دينار تابعي، وكان يكثر النظر في كتب أهل الكتاب يستخرج منها المواعظ، قال: "لما قال يوسف للساقي: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]، قيل: يا يوسف، اتخذت دوني كفيلاً؟ لأطيلن سجنك.
فبكى يوسف وقال: يا رب، أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، فويل لإخوتي".

يعني الخبر، والخبر في سنده جهالة؛ أن يوسف يقول: أنا ابتليت لأجل كلمة قلتها؛ {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، وهذا فيه آثار أن سبب طول سجن يوسف أنه فكر أول ما فكر بالواسطة، فقيل له: نسيتني؟ فطال عليه البلاء، فيوسف يقول: فما يصنع بإخوتي؟ يعني أشفق عليهم، يقول: ما يصنع بإخوتي الذين فعلوا بي ما فعلوا؟!

((حدثني محمد بن الحسين ومحمد بن عباس، قالا: حدثنا عبيد الله بن محمد التيمي، قال: حدثنا معاذ بن زياد مولى بني تميم، قال: لما قال يوسف للذي ظن أنه ناجٍ منهما: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]، حدّر الله له جبريل، فقال: يا يوسف، إن الله يقول لك: من حببك إلى أبيك؟ قال: هو سبحانه.
قال: فمن أحسن بك من الذين وقعت فيهم؟ قال: هو سبحانه.
قال: فمن منع منك؟ قال: هو.
قال: فمن قيض لك السيارة؟ قال: هو، أراد بي الخير.
قال: فمن صرف عنك وباء المعصية إذ هممت بها؟ قال: هو.
قال: وفرجت له الأرض وقوي بصره لذلك حتى أمضى إلى الصخرة، قيل: ما ترى؟ قال: أرى صخرة وأرى درة.
قيل: ما ترى عندها؟ قال: أرى طعماً من طعمها.
قال: فإن ربي أرسلني إليك يقول: أولم أعقل في هذا الموضع إذ هيأت لك رزقاً -يعني طعاماً وهو في السجن- تراني كنت أغفلك حتى تستعين في أمرك بغيري؟ ولتمكثن في السجن بضع سنين)).

هذا لفظ ابن العباس، والسند فيه جهالة، لكنها قصة جميلة، والمعنى الإجمالي وارد عن جماعة من السلف.


قوله تعالى: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [يوسف: 52].
القائل بلا نزاع عند المتقدمين يوسف.

((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، قال: لما قال يوسف: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [يوسف: 52]، قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ حين حللت السراويل؟ قال: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53])).

من قال أو اختار أن القائل امرأة العزيز فقد أخطأ خطأ بيناً؛ فامرأة العزيز مدانة أصلاً، ولا أعلم أحداً قال بهذا من السلف.

وقد اختاره ابن تيمية وظن أن فيه خلافاً، والواقع أن الآية بلا نزاع في مَن القائل بها؛ نبي الله يوسف.
وقد وقع لبعض مشايخنا -غفر الله له وتوفي- هو أنه انتقد هذا الذي صار الآن إمام الحرم (المغامسي)، لما المغامسي قال: "إن القائل يوسف"، وقال: "هذه مقالة لا تليق بالأنبياء" وغير ذلك، والحق أنه قد قال بها جميع السلف.

وأما الخبر الوارد أن نبي الله يوسف همَّ هماً حقيقياً حتى رأى برهان ربه -يعني هو أصلاً أراد أن يقع بالمرأة- هذا صح عن ابن عباس وصح عن عموم السلف ولا يعلم لهم مخالف، وهم العالمون بما يليق بالأنبياء وما لا يليق، وأصلاً هذا يدل على أن فيه شهوة وأنها هي مثلها يُشتهى، فقد يقع في نفس الإنسان أنه ربما نفرت نفسه منها لقبح فيها أو لضعف شهوة فيه -صلى الله عليه وسلم- ولكن لما كان هذا منه دل على أنه قد جاهد نفسه، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة.

نعم، وأبو صالح هنا هو ذكوان السمان، وأهل مكة يسمونه الزيات، وهو تابعي سمع من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعائشة -وروايته عن عائشة قليلة نادرة- واستفتى سعد بن أبي وقاص في مسألة، وروى عن جماعة، وأكثر روايته يروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.


قوله تعالى: {فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84].

((حدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، قال: عن يحيى بن المختار، عن الحسن: {فَهُوَ كَظِيمٌ}؛ الصبور.))

((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، عن هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84]، قال: كميد.))

((حدثنا علي بن الجعد، عن بعض أصحابه، عن همام، عن قتادة، قال: كظم حزنه، كظم على الحزن فلم يقل إلا خيراً.))

((حدثنا فضيل، عن هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: {يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ} [يوسف: 84]، قال: يا حزناه.))

نعم، وهذا ما يظن، وإن كان جويبر فيه كلام، لكن هذا خبر مقطوع، والضحاك تابعي وقتادة هؤلاء كلهم من التابعين الذين لهم تفاسير، فسروا عموم القرآن، فإذا قرأت في أي كتاب من كتب التفسير المأثور تجد تكراراً لذكر قتادة والضحاك، هؤلاء مفسرو التابعين، نعم.


قوله تعالى: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86].

((حدثني الحسين بن عمرو بن محمد القرشي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن يحيى بن عبد الملك، عن رجل، عن أنس بن مالك)) -وإسناده ضعيف- عن النبي ﷺ، بل هذا استنكره بعض أهل العلم، قال: «كان ليعقوب أخ مؤاخٍ -يعني صديق يعده مثل أخ- فقال له: يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين.
فأوحى الله إليه: يا يعقوب أما تستحي تشكوني إلى غيري؟ فقال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}.
ثم قال: يا رب ارحم الشيخ الكبير، أذهبت بصري وقوست ظهري، اردد علي ريحانتي يوسف أشمه، ثم افعل بي ما أردت.
فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول لك أبشر وليفرح قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك، واصنع طعاماً للمساكين، فإن أحب عبادي إليَّ الأنبياء والمساكين، فإن الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك وصنع إخوة يوسف به ما صنعوا؛ أنكم ذبحتم شاة فأتاكم رجل صائم فلم تطعموه».

فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديه فنادى: "من كان يريد الغداء من المساكين فليتغدَّ مع يعقوب".
صح عن عبد الله بن عمر أنه كان لا يفطر إلا وعلى مائدته المساكين، وإن كان صائماً أمر فنادى: "من كان صائماً من المساكين فليفطر مع يعقوب.

((حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم))؛ هذا ابن عُلية، وكان يكره أن يقال له: "ابن عُلية"، ومع ذلك المحدثون كانوا يسمونه ابن عُلية؛ لأن هكذا أسهل، اسمه أسهل؛ لأن "إسماعيل بن إبراهيم" اسم متكرر، ((عن سليمان التيمي -ابن طرخان- عن أبي عثمان النهدي -عبد الرحمن بن مُل- عن سلمان الفارسي))؛ إسناده صحيح، يقول: "بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة".

أنت لما تقرأ الأحداث في القرآن تظنها يسيرة، هذه الأحداث أربعون سنة، هذه القصة كلها لما سُجن، بينما حدث له، رأى الرؤية وعود يعقوب وسجود أبويه وإخوته له أربعون سنة، أنت تتعجب حين تقرأ بالتفسير أصلاً ما كان بين موسى لما ذهب إلى ميقات ربه وذهابه إلى فرعون، بعض المفسرين يقول: ثلاثون سنة.


قوله تعالى: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92]، وقوله تعالى: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98].

((حدثنا إبراهيم بن هانئ، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا ضمرة، عن رجاء بن أبي سلمة، عن عطاء الخراساني، قال: "طلب الحوائج إلى الأحداث أقرب منها إلى الشيوخ، ألم تر إلى يوسف قال لإخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، وقال يعقوب عليه الصلاة والسلام: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي}"))؛ يعني أن يوسف عفوه كان أسرع.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل