التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة لقمان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [لقمان: 6]

((حدثنا صالح بن إبراهيم الترمذي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن صابط، عن عائشة)): قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم القينة -يعني المغنية- وبيعها، وثمنها، وتعليمها، والاستماع إليها»، ثم قرأ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.

وهذا خبر لا يصح، لكن ابن المنذر نقل الإجماع على أن المغنية والنائحة لا يجوز دفع الثمن لهما ولا شراؤهما لأجل هذا.

وقال الشافعي: "إن جعل الرجل جاريته تغني للناس دياثة".
أما نساءهم فما كانوا يجعلون نساءهم.

وحتى يذكر الفقهاء أنَّ الجارية إذا كانت مغنية تُباع على أنها خَلْقاء؛ لأنَّ هذا نقصٌ فيها، لأنها تختلف، قال: أيُّ الرقاب أفضل؟ قال: «أثمنها عند أهلها»، فتختلف في الأثمان؛ فمثلاً الطباخة كذا... هذا في الجواري قديماً، ويفترض أن يكون في الزوجات الآن، لكن الحين كله تسعيرة واحدة يعني!

فتختلف من واحدة إلى واحدة بحسب المميزات؛ فمثلاً إذا كان هذا عبدٌ يحسن القراءة والكتابة، أو عنده صنعة أو كذا، يكون ثمنه غالياً، فيكون في عتقه أجرٌ أكبر، فهكذا.
فهذا يقولون: هذا معنى قولهم إنه إما الأخرق (أي الغناء) فسعره يكون رخيصاً، يَرخص من سعره؛ فيعني مثلاً لو رجلٌ -وهذا تفريع- لو رجلٌ اشترى جارية فاكتشف أنها مغنية، فيعود على مَن باعه إياها ويقول: هذا ينبغي أن ينقص في ثمنها لأنها مغنية.
مثلاً اشتراها لأنها تحسن الطبخ، فوجدها لا تحسن الطبخ، فيعود عليه يقول له: أنت غبنتني، إما تنقص السعر أو يُفسخ العقد.


((حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، عن حميد الخراط، عن عمارة بن أبي معاوية، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء)): قال: سألت عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}؟ قال: (( "هو والله الغناء" )).
وهذا قول عامة المفسرين.

((حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس)): {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} قال: (( "هو الغناء وأشباهه" )).

((حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا عبده بن سليمان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن شعيب بن يسار)): قال: سألت عكرمة عن لهو الحديث؟ قال: (( "هو الغناء" )).
وهذا يثبت المروي عن ابن عباس إذا كان تلاميذه يفتون بمثله.

((حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم النخعي)): في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} قال: (( "هو الغناء" )).

  • وانظر لهذا الإسناد، كله فقهاء؛ سفيان وحبيب وإبراهيم، وكلهم أئمة ثقات.

باقٍ على نهاية المجلد ثلاثون أثراً تقريباً، ننهيها في المجلس القادم بإذن الله.

هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

يا رب، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذا مجلس جديد في كتاب "التفسير" من كتب ابن أبي الدنيا، وما زلنا مع سورة لقمان.

سورة لقمان

قوله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17]: ((حدثنا الحسن بن جهور، عن شيخ من قريش، قال: مرَّ دهثم ومعه أصحابه برجل يضرب غلامه، فقال له: "يا عبد الله اتقِ الله"، فوضع السوط بين أذني دهثم، فوثب أصحابه عليه)).

-يعني هذا رجل يضرب غلامه (عبده) بالسوط، فجاء هذا دهثم -ويبدو أنه من الرجال الصالحين- فقال له: "اتقِ الله"، فالرجل هجم على دهثم، فأصحاب دهثم قاموا عليه-.

((فقال دهثم لأصحابه: "مهلاً؛ فإني سمعت الله عز وجل وذكر عن رجل في وصيته لابنه فقال: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}، وقد أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، فدعونا نصبر على ما أصابنا فندخل في وصية الرجل الصالح" )).

ودهثم هذا في نفسه ضعيف ولكن هذه القصة معه.

وللإنسان أن يدفع عن نفسه، لكن لا أن يبالغ في الانتصار لنفسه، وأحسن من تكلم على هذا الموضوع ابن تيمية في رسالة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" المطبوعة في آخر "الاستقامة" -وهناك اختلاف بين أهل العلم هل هي رسالة خاصة مفردة أم هي جزء من رسالة الاستقامة-.
فعلى المرء إذا أمر ونهى ودعا إلى الله عز وجل ألا يبالغ في إدخال حظوظ نفسه، وقالوا: "السبتان بالسبة ربا".


قوله تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان: 18]

((حدثنا ابن جميل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة)): {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} قال: (( "هو الإعراض؛ يكلمك الرجل وأنت معرض عنه" )).
وهذا يكون من باب الكبر، وهذا إسناد صحيح لقتادة بن دعامة، ورواية معمر عنه فيها ضعف لأن معمراً كان يحفظ كلامه ولا يحفظ الأسانيد، فإذا روى عنه كلامه مضت القصة.


قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]

((حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا شبل بن عباد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد)): {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} قال: (( "لا إله إلا الله" )).
الآن حين تسمع عن النعم والله ما يخطر على بالك لما تقرأ الآية أن التوحيد وسلامة الاعتقاد هي النعمة الأعظم، وهذه من دقة فهم السلف؛ لأن "لا إله إلا الله" بها يذهب أعظم كرب وهو الخلود في نار جهنم، فحقاً هي أعظم نعمة ويحصل بها أعظم النعيم وهو دخول الجنة، أما بدونها فكل نعمة استدراج؛ فأنت إذا كنت كافراً فالنعمة استدراج ومسؤولية تُعذب عليها.

لهذا الإنسان المؤمن إذا وحد الله تبارك وتعالى، أولاً: الله عز وجل إذا أنعم عليه النعمة يحمد الله عليها فتكون له ثواباً ولذة، وأما الكافر فيأكل حسناته ويذهب بها.
ثانياً: يطيع الله عز وجل فيها ويشكر الله فيها.
ثالثاً: تذكره بنعيم الجنة؛ فلهذا المؤمن الفقيه يجد لذة للنعمة لا يجدها غيره.
رابعاً: يكون قلبه مشغولاً بالحمد والقناعة وتحصيل الثواب عن الحسد ومقارنة النفس بالآخرين، فإن كثيراً من الناس عندهم نعم وقد استحالت عليهم نقماً لما قارنوها بالآخرين؛ يقارن ما فعل فلان وما صنع فلان، فيقول: " أنا عندي بيت وبيت فلان أوسع؟ عندي سيارة وسيارة فلان أفضل؟" فبدل أن يحمد الله عز وجل يراقب الناس فتستحيل عليه النعمة نقمة لأنه لم ينظر إلى من هو دونه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بل ينظر إلى من هو فوقه؛ لهذا لا تظن الناس -وإن اتحدوا في تعاطي النعمة- واحداً في استشعارها، وإنما يتفاوتون تفاوتاً عظيماً جداً.


((حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثنا روح بن عبد الواحد الحراني، قال: حدثنا ابن السماك، عن مقاتل بن حيان)): {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} قال: (( "أما الظاهرة فالإسلام -وكان اتفاقاً بين السلف- وأما الباطنة فستره عليكم بالمعاصي" )).
لا شك أن المأكل والمشرب نِعَم، لكن السلف لا يتكلمون عنها، بل يتكلمون عن هذا الذي يغفل عنه الناس.

ومقاتل بن حيان من مفسري التابعين وهو رجل جليل؛ وعندنا في التفسير مقاتلان كلاهما مفسر: مقاتل بن سليمان المتهم -والذي هو من أتباع التابعين ونقرأ تفسيره- ومقاتل بن حيان وهو الأكبر وكلاهما من علماء التفسير، لكن الفرق أن مقاتل بن حيان ثقة، أما مقاتل بن سليمان ففيه كلام شديد.


قوله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28]

((حدثنا يوسف، قال: حدثنا عمرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة)): {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال: (( "يقول: إنما خلق الناس كلهم وحدها وبعثها" )).
يعني من باب تقريب المثل؛ أن خلق جميع البشر بالنسبة لله عز وجل كخلق نفس واحدة في هوْن الأمر عليه، ويفعله دفعة واحدة.


قوله تعالى: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33]

((حدثني حمزة بن العباس، قال: حدثنا عبدان بن عثمان، قال: أنبأنا عبد الله -ابن المبارك- عن مبارك بن فضالة، عن الحسن)) -وهذا أثر قوي عن الحسن البصري ولا يضره عنعنة مبارك-: أنه كان إذا تلا هذه الآية: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}؛ قال: (( "مَن قال ذا؟ مَن خلقها وهو أعلم بها" )).

-قال الحسن: "إياكم" يعني الدنيا؛ الدنيا الله أعلم بها، ويقول لا تغركم هذه الملذات وهذه الشهوات، فهي في الدنيا هو أعلم بها سبحانه وتعالى يقول لا تغركم-.

قال: (( "إياكم وما شُغل من الدنيا؛ فإنَّ الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب" )).

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل