قوله تعالى: {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} [ص: 15]
((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد)):
وهذا الخبر الطويل هو خبر "إسماعيل بن رافع" في موت الخلائق، حين يُقال لإسرافيل: "من بقي؟" فيقول: "بقي جبريل وميكائيل وما بقي إلا أنا وأنت والملائكة"، فينفخ فتموت الملائكة، وينفخ فيموت إسرافيل وجبريل، فينطق الله العرش فيقول: "يا رب، جبريل وميكائيل تميتهم؟" قال: «إنما هم خلق من خلقي»، وبعدها يموت إسرافيل، ثم يقول الله عز وجل: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16].
وهو حديث طويل رواه ابن ماجه وغيره، وهو حديث مخيف، ولهذا كان بعض السلف يحب أن يُقرأ للصبيان في الكتاتيب، ولكن في سنده إسماعيل بن رافع وهو ضعيف جداً.
قوله تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [ص: 17]
((حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا صالح المري)): (( "لو كان الصبر حلواً ما قال الله عز وجل لنبيه: {اصْبِرْ}، ولكن الصبر مُر" )).
لا إله إلا الله.
قوله تعالى: {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا} [ص: 22]
((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان، قال: كان داود يصلي في المحراب وحوله ثلاثون ألفاً يحرسونه، فتسوَّر عليه رجلان المحراب، ففزع منهما فقالا: {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا})) إلى قوله: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24].
(( "فسجد أربعين ليلة يبكي، حتى نبت حوله من العشب ما غطى رأسه" )).
لا يختلف السلف أن داود عليه السلام كانت له خطيئة، وأكثرهم يقولون: خطيئته "النظر"، وبعضهم قال: إنه قال للرجل: "انزل لي عن زوجك"، وما سوى ذلك لا يثبت عن السلف.
ويدخل في ذلك ما في كتب النصارى واليهود أنه زنى بامرأة وقتل زوجها عمداً، فهذا بلا نزاع باطل.
وقد ردَّ بعض الناس القصص الواردة عن السلف لتقاطعها مع قصص أهل الكتاب، ولأنه فشى في الناس الإمامية الاثني عشرية الذين ينزهون الأنبياء عن الذنوب، وقد نبه ابن تيمية على هذا أن الأشاعرة تأثروا بالإمامية.
(( فسجد أربعين ليلة يبكي نبت حوله العشب حتى غطى رأسه فقال داود في سجوده: يا رب، قَرُحَ جبيني ولا أرى خطيئتي تُذكر! قال: يا داود، أجائعٌ فتُطعم؟ أم عطشانٌ فتُسقى؟ أم عارٍ فتُكسى؟ قال: فنَحَبَ نَحبةً هاج ما حوله أي يبسا" )).
قوله تعالى: {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 22-24]
((حدثنا شريح بن يونس، قال: حدثنا عمر بن عبد الرحمن، عن السدي)): -وهذا أحد قولي السلف في القصة، والقول الآخر أنه كلَّم الرجل وقال له: "انزل لي عن زوجك"-:
(( "قال: كان داود في محرابه يوم عبادته، فجاء طائر رأسه وجناحاه من ذهب حتى وقع منه، فذهب ليأخذه فتنقل فوقع مكاناً آخر، فذهب ليأخذه فطار فوقع على كوة (نافذة)، فذهب ليأخذه فطار، فأشرف داود عليه السلام فرأى المرأة وهي تغتسل فوقعت في قلبه" )).
((فأخبرني أحد أصحابنا أوقد ذُكر أن المرأة حين رأته تخللت بشعرها لتستتر-.))
(( "فرجع إلى حديث السدي قال: فكتب داود إلى صاحب جنده: أن انظر إلى -زوج المرأة- فابعثه إلى فلان (في جهة قتال) ليعرّضه للقتل -فهو لم يقتله مباشرة ولكن عرَّضه لذلك للشهادة-.
ثم جاء إخوة جارية فدخلوا على داود فقالوا: أيها الملك، إنه كانت لنا عين ما كان في بني إسرائيل عين أحسن منها، فجاء رجل فكلفها يقوم عليها فيسقي منها ويطعمنا من الجوع، فجاء أسد فربض على تلك العين، فإذا جاء رجل ليستقي طرده، فقد فسدت العين ويبست الثمار وهلكنا جوعاً" )).
فطن داود أن هذا مثلٌ ضُرب له، وأن "الأسد" المذكور هو الملك (داود نفسه)، فقال: (( "سأطرد ذلك الأسد عنكم" )).
فكتب إلى صاحب جنده أن يرجع "أوريا"، فكتب إليه صاحب الجند أنه قد أُصيب (أي استشهد).
((فبينما داود في محرابه يوم عبادته إذ جاء الملكان، فاستُؤذن عليه فقيل لهما: قد علمتما أنَّ هذا ليس بيوم قضاء، وإنما يوم عبادة)) -لأن داود كان له يومٌ للقضاء ويومٌ للعبادة-.
قال: (( "فتسوَّرا عليه المحراب، ففزع منهما داود، فقالا: {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخطابِ}" )).
قال: (( "{لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلُطَاء} -يعني الرعاء في هذا الموضع- {لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}" )).
قال: (( "إنك لأهلٌ أن تُكثر منك هذه وهذه" )) -يعني داود غضب من صاحب التسع وتسعين نعجة- وأومأ إلى جبينه وحاجبيه وأصل أنفه.
فقال الملكان: (( "فإنك يا داود أهلٌ أن تُكثر منك هذه وهذه!" )).
قال: (( "{وَظَنَّ} -فعلم- {دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}، فلم يزل باكياً حتى نبت من دموعه البقل ما وراء أذنيه، حتى أوحى الله إليه بالمغفرة" )).
فقال: (( "يا رب، كيف أصنع؟ ومِن عدلك وفضلك ألا تظلم أحداً على أحد" )).
قال: (( "إذا جاء أوريا يوم القيامة أخذ بتلابيبك يقول: يا رب سل هذا فيمَ فعل ما فعل؟" )).
فأوحى الله عز وجل إليه: (( "إنَّ من عدلي وفضلي ألا أظلم أحداً لأحد، ولكن أمكنه منك، ثم أستوهبك منه وأثيبه ما هو أفضل من ذلك" )).
-وصحَّ عن عبيد بن عمير أنَّ داود يأتي مستخفياً يوم القيامة خائفاً يقول: "يا رب خطيئتي خطيئتي!"، فيقال له: "ادنُ ادنُ ادنُ"، حتى يمسَّ بعض حتى يمسَّ الرحمن-.
-وسبحان الله! هذا داود الذي آدم عليه السلام لما رأى ذريته أعجبه داود، ومع ذلك وقعت منه الخطيئة؛ أعجبه داود قال: "هذا يا رب أعطه من عمري"، فسبحان الله!-.
قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25]
((حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار)) -مالك التابعي الجليل الذي كان ينظر في الكتب كثير المواعظ-: في قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} قال: (( "إذا كان يوم القيامة أُمر بمنبر رفيع فوُضع في الجنة، ثم نودي: يا داود، مجّدني بذاك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا.
قال: فيستفرغ صوت داود جميع نعيم الجنان -أي يصل صوته إلى أهل الجنان جميعاً- فذلك قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}" )).
هذا الأثر كان السلف يوردونه في كتب الإعتقاد
((حدثنا إسحاق بن حاتم المدائني، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن حميد، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير)) -وهو التابعي الكبير المخضرم، قاص أهل مكة وواعظهم، كان ابن عمر يجلس في مجلسه ويبكي، وابن الزبير يسأله عن أخبار السيرة-:
قال: (( "لا يأمن داود يوم القيامة يقول: ذنبي ذنبي! فيقال له: ادنُ، حتى يدنو إلى مكان كان يأمن به" )).
وفي الرواية الموجودة في السنة وغيرها: (( "حتى يمس بعضه" ))، وفي رواية: "حتى يمس ركبته" لكن "ركبته" لا يصح.
فذلك قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}.
يقول ابن القيم رحمه الله في "طريق الهجرتين": "إن هذا الأثر تقشعر منه جلود أهل التعطيل"؛ لأنه يقترب من الله ومعناه أن الله له وجود حقيقي بائن من خلقه، ليس كما يزعم المعطلة أنه وجود ذهني لا داخل العالم ولا خارجه؛ ثم أنه يمس ويُمس، وهم لا يثبتون لله وجوداً حقيقياً رب العالمين عندهم مجرد وجود ذهني ذكر هذا في طريق الهجرتين.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 34-35]
- هذا أثر صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو أثر طويل وجليل.
وقصة فتنة سليمان -وكذا فتنة داود- كلف المتأخرون بردها وقصة سليمان بالذات كلف والمعاصرون بردها حتى المتأخرون ما كان عندهم مشكلة معها ،وعامتها ثابتة عن السلف، وهذا هو الصحيح عن ابن عباس:
((حدثنا أبو خيثمة، وإسحاق بن إسماعيل، والفضل الأشهلي، قالوا: حدثنا محمد بن خازم، ومعاوية الضرير، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس)):
(( "قال: لما ابتُلي سليمان صلى الله عليه وسلم، كان بلاؤه في سبب أناس من أهل امرأته، كان يقال لها: (الجرادة)، وكانت من أحب نسائه إليه.
وكان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يُجنب، يعطيها خاتمه.
وإن ناساً يخاصمون قوماً من أهل الجرادة، فكان هوى سليمان -هوى القلب فقط- أن يكون الحق لأهل الجرادة، فعرفت حين لم يكن هواه فيهم واحدا" )).
(( "فأراد أن يدخل الخلاء فأعطاها الخاتم، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: (هاتي خاتمي)، فأعطته إياه، فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين -ظنوه سليمان-.
وجاءها سليمان الحقيقي فقال: (هاتي خاتمي)، فقالت: اخرج لست بسليمان، قد جاء سليمان فأخذ خاتمه" )).
- لا يختلف المفسرون من السلف أن هذه هي فتنة سليمان الموجودة في القرآن بلا نقاش، وكل ما سوى ذلك أقوال أحدثها المتأخرون.
(( "فلما رأى سليمان ذلك، عرف أنه من أمر ربه، فخرج يحمل على ظهره على شط البحر -يعني صار يشتغل حمالاً-، وجعل إذا قال: (أنا سليمان)، رماه الصبيان بالحجارة.
وانطلقت الشياطين في تلك الأيام فكتبوا كتباً فيها كفر وسحر فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها فقرأوها على الناس، فقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب" )).
وحتى اليوم في كتب اليهود والنصارى يقولون إن سليمان صار مشركاً في آخر حياته وعبد الأوثان تبعاً لهوى امرأته؛ فهم يتبعون القصص الكاذبة ويعتقدون أنه نبي ولكن ارتد لاحقاً -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-، وهم لا يقولون بنبوته بالمعنى الإسلامي الدقيق، لكن له عندهم كتاب مقدس (حكمة سليمان).
فبرئ الناس من سليمان ولم يزالوا يكفرونه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وإلى يومنا هذا؛ فأنزل الله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102]. حتى إن أحد النصارى أسلم بسبب هذه الآية، قال: "ما بين محمد وسليمان؟ إنه يذبُّ عنه! كنت أتوقع أن أجد في القرآن سورة يذكر فيها خديجة أو أبا طالب، فما وجدتُ، ووجدت تبرئة مريم وتبرئة سليمان؛ فعلمت أن هذا ليس من قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم".
(( "قال: فمكث ذلك الشيطان يعمل بالمعاصي والشر، فلما أراد الله عز وجل أن يردَّ سليمان إلى ملكه، ألقى في قلوب الناس إنكاراً لما يعمل الشيطان، فأتوا نساء سليمان فقالوا لهن: أنكرتنَّ من سليمان شيئاً؟ قلن: نعم" )).
-وهناك زيادة شاذة في رواية البعض أنه كان يأتيهن في الحيض، وهذه الزيادة طعن بها البعض لهدم الرواية كلها، وهي شاذة بمقاييس أهل الحديث-.
(( "فعرف الشيطان أنه قد دنا هلاكه، فأخذ الخاتم وألقاه في البحر، فتلقته سمكة فأكلته.
فجاء رجل فاشترى سمكاً، وكان في السمك تلك السمكة، فاشتراها سليمان -وهو يعمل حمالاً- فشقَّ بطنها فإذا الخاتم فيه، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين، وحيَّوه بالتحية التي كان يُحيى بها قبل ذلك، وهرب ذلك الشيطان فلحق بجزيرة من جزائر البحر" )).
قال أبومعاوية ثم إن الكلبي شارك الأعمش من هذا المكان - الحين رواية الكلبي الكذاب - لكن الأعمش تابع الكلبي
(( "فأرسل سليمان في طلبه فلم يزالوا يطلبونه -وكان شيطاناً مريداً- فوجدوه ذات يوم نائماً فبنوا عليه بيتاً من رصاص، فاستيقظ فجعل يثب، فلا يثب في ناحية إلا انماط معه الرصاص، فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان وكان اسمه (صخراً)، فأمر سليمان بتخت من رخام فنقروه وجوَّفوه، ثم أدخله فيه وسدَّه بالنحاس، ثم أمر به فطُرح في البحر" )).
فذلك قوله عز وجل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا}؛ والجسد هو هذا الشيطان الذي سُلِّط عليه.
{ثُمَّ أَنَابَ} -وهكذا هذه الدنيا ليس فيها نعيم دائم شوف هذا نبي ملك مافي دنيا من أولها إلى أخرها تمكين مطلق - أي رجع سليمان، فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} [ص: 35].
-وقد ذكر الطبري عن الحجاج بن يوسف أنه كان يقول حسداً: "لا تسلط عليَّ شيطاناً مثل الذي سلطت عليه"؛ لأنه علم أن هذا الملك له ضريبة-.
فلم يزل الناس يكفرون سليمان حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} -يعني الصحف التي دفنوها- {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}، فأنزل الله عذر في هذه الآية.
((حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن)): {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} قال: (( "شيطاناً" )).
-وحتى الحسن البصري وهو الذي يخالف كثيراً لم يخالف هنا-.
((حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا حزم، قال: سمعت الحسن يقول: إن نبي الله سليمان بن داود أُوتي الخاتم، فلما أراد أن يدخل الحمام وضع خاتمه ثم دخل، فجاء الشيطان فأخذ الخاتم وانطلق إلى نهر كثير الماء فرمى به، فخرج نبي الله من الحمام فذكروا أنه لم يُعرف أربعين ليلة، وأنه كان يأوي إلى امرأة مسكينة)).
(( "فانطلق ذات يوم فبينما هو قائم على شط النهر إذ وجد سمكة، فأتى بها المرأة لتصنعها له، فشقتها فإذا هي بالحلقة (الخاتم) في جوفها، فجعله في يده؛ فعند ذلك سأل ربه: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}" )) وهذا صحيح عن الحسن ورواية ابن عباس أتم وأقوى.
قوله تعالى: {مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 38]
((حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن المصفى، قال: حدثنا معاوية بن حفص الشعبي، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح)): {مُقَرَّنِينَ} قال: (( "مُكتَّفين" )).
وأبو صالح هذا يبدو أنه "الحنفي"؛ لأن هناك ثلاثة بهذا الكنى في هذه الطبقة: السمان، والحنفي، وباذان.
قوله تعالى: {أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45]
((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا جرير، عن منصور)) -وهذا إسناد قوي جداً-: في قوله: {أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} قال: (( "الأيدي: القوة، والأبصار: العقل" )).
-يعني هؤلاء الأنبياء عليهم السلام جمعوا بين القوة والعقل؛ كتابٌ يهدي وسيفٌ ينصر-.
قوله تعالى: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [ص: 46]
((حدثنا عون بن وهيم، قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري، عن عبد الواحد، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه)) -الذي يروي عنه عثمان عطاء الخراساني-: في قوله: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} قال: (( "أخلصناهم بذكر الآخرة" )).
قوله تعالى: {وَغَسَّاقٌ} [ص: 57]
((حدثنا عبد الله بن عون الخراساني، قال: حدثنا عمار بن محمد، عن منصور، عن مجاهد)): {وَغَسَّاقٌ} قال: (( "ما يقطع [يقطر] من جلودهم" )).
((حدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثنا الحسن بن علي بن مسلم، عن إسماعيل بن عياش)) -وهو شامي، إذا روى عن أهل الشام فحديثه قوي وعن غيرهم ضعيف- ((عن صفوان بن عمرو السكسكي -شامي- عن أبي يحيى عطية الكلاعي)): أن كعباً (كعب الأحبار) -ومات بالشام سنة 32 هـ- سُئل: "هل تدرون ما الغساق؟" قال كعب: (( "عينٌ في جهنم يسيل إليها حُمة كل ذات حُمة؛ من حية أو عقرب أو غير ذلك، فيستنقع (يُجمع)، فيؤتى بالآدمي فيُغمس فيه غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده عن العظام، وتعلق جلده ولحمه في كعبيه، فيجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه" )).
-اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم-.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬