سورة الزخرف
قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 13-14]
((حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار)) -وهذا إسناد قوي، وسليمان تابعي من أهل البصرة صاحب فضل وعلم كان يقارن بالحسن لكن بعد فتنة ابن الأشعث نزل عن الحسن-: أن أقواماً كانوا في سفر، فلما ارتحلوا قالوا: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}.
(( "قال: وفي القوم رجل له ناقة رازم، فقال: أما أنا فقد أمسيتُ لهذا مُقْرِناً -يسخر من الآية ويدعي القدرة لنفسه- فمضت به فدقت عنقه" )).
قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 55-56]
((حدثنا الحسن بن جهور، قال: حدثنا محمد بن كناسة، قال: سمعت عمر بن ذر)) -عمر بن ذر من العباد الزهاد المواعظ الحسنة، ولكنه كانن رأساً في الإرجاء وله مواعظ جميلة جمعها ابن عساكر في تاريخ دمسق-: قال في موعظته: (( "آنسَك جانب حِلمه فتوثبتَ على معاصيه، أفأسفه تريد؟ -أي أغضباً تريد- أما سمعته يقول: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}" )).
((أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي، قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيث، قال: سمعت سفيان الثوري)) في قول الله عز وجل: {فَلَمَّا آسَفُونَا}؛ قال: (( "أغضبونا" )).
((عن وهب بن ورد قال: كان عمر بن ذر أحد المتكلمين)) -أي الخطباء والوعاظ- ((وكان كثيراً مما يقول: عباد الله لا تغتروا بطول حلم الله عز وجل، واتقوا أسفه، فقد سمعتم ما قال: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ}" )).
قوله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]
((حدثني عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا فضيل، عن حجاج بن دينار الشاعر، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم)): «ما ضلَّ قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل»، ثم قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.
-وهذا الخبر مروي له طرق مشهورة عن ابن مرة ثابت في كتب السنة، ولكن ابتسمت لأن الإسناد أول اثنين من الشيعة وقد توبعوا.
قوله تعالى: {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} [الزخرف: 68-69]
((حدثنا عظمة بن الفضل، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت سياراً الشامي)): قال: (( "يخرجون من قبورهم كلهم مذعورون، فيناديهم منادٍ: {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}؛ فيطمع فيها الخلق كلهم -المسلم والكافر إذا سمعوها-، فيتبعها -هذا القيد-: {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ}؛ فييأس منها الخلق غير أهل الإسلام" )).
-وإسناده قوي إلى سيار-.
قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76]
((حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش)) -أبوبكر بن عياش هذا صاحب القراءة وشهرته عن القراء شعبة وعند أهل الحديث أبو بكر، وهذا صاحب كرامات ورجل صالح لكنه صدوق يهم-: وهذا الخبر يحكي والذين سيذكرهم كلهم قراء أسانيد القراءة دائما توجد أسماءهم دخل عليهم وهم يحتضرون ويحكي:
- قال: (( "دخلتُ على أبي حصين في مرضه الذي مات فيه، فأُغمي عليه ثم أفاق، فجعل يقول: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ}، ثم أُغمي عليه ثم أفاق فجعل يرددها، فلم يزل على ذلك" )).
- قال: (( "ودخلتُ على عاصم -صاحب القراءة حفص عن عاصم وفي رواية أخرى شعبة عن عاصم هذا هو أبو بكر- وقد احتضر، فجعلت أسمعه يردد هذه الآية يحققها كأنه في المحراب -يعني يقرؤها بالتجويد-: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62]" )).
- قال: (( "ودخلتُ على الأعمش وقد حضره الموت، فقال: لا تؤذن بي أحداً، وإذا أصبحتَ فاخرجوا إلى الجُبَّان -المقبرة- فألقني، ثم بكى" )).
-وكان الأعمش كبير أهل الحديث والقراء في زمانه-.
((حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش)) -بنفس الرواية السابقة بإسناد أخر وزاد-: (( "ودخلتُ مع قراء على حبيب بن أبي ثابت -وهو فقيه وقارئ من فقهاء الكوفة- قبل أن يموت وتحته رقعة وهو يقول: آه! فما خرجنا من عنده حتى مات" )).
قوله تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77]
((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا يحيى بن يمان، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء، عن أبي الحسن، عن ابن عباس)): في قوله: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ}؛ قال: (( "يمكث عنهم ألف سنة ثم يجيبهم: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}" )).
((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حماد بن أسامة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو)) -وهذا إسناد قوي سَلِمَ من اختلاط سعيد-: أنَّ أهل النار نادوا: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}؛ قال: (( "فخلا عنهم أربعين عاماً، ثم أجابهم: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}، فقالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107]، قال: فخلا عنهم مثل الدنيا، ثم أجابهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}؛ قال: فلم ينبس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق" )).
قال أبو بكر بن أبي شيبة): وكان بعض الواعظين إذا حدث بهذا يقول: "أنت تحتمل محاورة مالك؟ ومالكٌ المسلط على ما هنالك!" ولها تتمة-.
((حدثني محمد بن العباس، قال: حدثنا حماد الجذري، عن زيد بن رفيع رفعه، قال)): (( "إنَّ أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زماناً، ثم بكوا القيح زماناً، فيقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء، تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا، هل تجدون اليوم مَن تستغيثون به؟" )).
(( "قالوا: فيرفعون أصواتهم: يا معشر أهل الجنة، يا معشر الآباء والأمهات والأولاد؛ خرجنا من الدنيا عطاشاً، وخرجنا من القبور عطاشاً، وكنا طول الموقف عطاشاً، ونحن اليوم عطاش، {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50]؛ فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}، فييأسون من كل خير" )).
حتى في الآخرة لم يدعوا الله مباشرة.
قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]
((حدثني محمد بن إدريس، أنه حُدِّث عن عبد الله بن عبد الغفار، قال: كتب زهير بن نعيم إلى أبي سعيد عبد الله بن عبد الغفار)): (( "سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصي نفسي وإياك بتقوى الله وطاعته والانتهاء إلى أمره في الحالات كلها، فإنما العاقبة للمتقين.. أما بعد: فإني أكتب إليك يا ابن أخي وأنا في عافية ومسيرة إلى الموت على أي الحالات، كذا محفوظ علينا ما قدمت أيدينا، فالله الله في نفسك يا ابن أخي! أكثر الفكرة في مصرع أبيك وأمك، وأبعد عن فضول الدنيا وارضَ منها باليسير؛ فإن عامة الغفلة والنسيان هي طلب فضول الدنيا" )).
-وهذه عبارة يُوقف عندها: إن عامة الغفلة والنسيان هي طلب فضول الدنيا؛ رضانا الله وإياك منها بالأقل ورزقنا فيها العمل الأكثر لدار الآخرة حتى يخرجنا منها وهو علينا غير ساخط بمنه ورحمته فإنه لا يمن بذلك غيره فإن استطعت يا ابن الأخ فلا تنسَ قول الله عز وجل: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}" )).
((حدثنا أبو عبد الله التيمي، قال: حدثني خالد بن الصقر السدوسي، قال: كان أبي خاصاً لسفيان -أي صديقاً ملازماً لسفيان الثوري رحمه الله- قال أبي)): (( "فاستأذنتُ على سفيان في نحر الظهر، فأذنت لي امرأة فدخلتُ عليه وهو يقول: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ}، ثم يقول: بلى يا رب، بلى يا رب، بلى يا رب؛ وينتح وينظر إلى سقف البيت ودموعه تسيل" )).
(( "فمكثتُ جالساً كم شاء الله، ثم أقبل إليَّ فجلس معي فقال: متى كنتَ هاهنا؟" ))؛ -أي ما شعر به وهو على هذه الحال-.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬