((حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة الرازي، قال: حدثنا معافى بن نفيل العجلي)): قال: كنت عند عنبسة بن سعيد قاضي الري، فدخل عليه ثعل بن سهيل، فقال له عنبسة: "ما أعجب ما رأيت؟" قال: (( "كنت أضع شراباً في السحر، فإذا جاء السحر جئت فلم أجد منه شيئاً، فوضعت الشراب وقرأت عليه (يس)، فلما كان السحر جئته فرأيته على حاله، وإذا الشيطان أعمى يدور في البيت" )).
وهذا من فضل قراءة (يس)، وهي تفيد في الرقية، ولا يقرؤها محزون إلا ارتاح، ويبدو أن لها أثر على الشياطين، وصحَّت قراءتها على المحتضر عن الصحابة، وذكر ابن القيم أن هذا إجماع.
قوله تعالى: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38]
((حدثني محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن طلحة، عن أبي حميدة)) قال: (( "رأيت رجلاً غرق في نهر بلخ وهو يقول: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} حتى مات" )).
قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [يس: 51]
((حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا داود بن المُحَبَّر)) -وهذا كذاب- ((حدثنا ميمون المرئي، قال: سمعت الحسن)) في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} قال: (( "وثب القوم من قبورهم لما سمعوا الصرخة ينفضون التراب" )).
قوله تعالى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: 52]
((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة)) -وهذا إسناد قوي- قال: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} قال: (( "تكون للكافر وللمؤمن، فلما أصابتهم النفخة قال الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ ويقول المؤمن: هذا ما وعد الرحمن" )).
ولهذا توجد سكتة في الآية، وقال سفيان: "هذا موصول مفصول".
((حدثنا علي بن الحسن بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين، قال: حدثني صدقة بن بكر السعدي، قال: حدثنا مقاتل بن سليمان، قال: كان أبو محلم الجثري يجتمع إليه إخوانه وكان حكيماً، فكان إذا تلا هذه الآية: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} بكى ثم قال)):
(( "إن القيامة في كتاب الله لمعاريض صفة -يعني تُذكر لك بعض الحال لكن الهول الحقيقي لا تدركه حقا لا يوجد ما يصف يوم القيامة كما هو، أبلغ شيء القرآن ومع ذلك ما ستراه أعظم- ذهبت فظاعتها بأوهام العقول.
أما والله لئن كان القوم في رقدة مثل ظاهر قولهم، لَمَا دعوا بالويل عند أول وهلة من بعثهم ولم يوقفوا بعد موقف عرضٍ لا مثله إلا وقد عاينوا خطراً عظيماً وحقت عليهم القيامة بجلائل أمرها.
ولئن كانوا في طول الإقامة في البرزخ يألمون ويعذبون في قبورهم، فما دعوا بالويل عند انقطاع ذلك عنهم إلا وقد نُقلوا إلى ظلمة هي أعظم منه -هم أصلا منهم من كان يعذب في قبره لكن إذا رأوا يوم القيامة ينسون يقولون ربنا أرجعنا ومجاهد يقول أنهم ينامون نومة - ، ولولا أن الأمر كذلك لما استصغر القوم ما كانوا فيه فسموه رقاداً.
وإن في القرآن دليلاً على ذلك حين يقول: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} [النازعات: 34] ثم يبكي حتى يبل لحيته" )).
((حدثنا عمار بن نصر، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، قال: حدثنا قتادة أنه قال: إنه لا يفتر عن أهل القبور عذاب القبر إلا فيما بين نفخة الصعقة ونفخة البعث)) -وهذه النومة التي يذكرها أهل الحديث- ((فلذلك يقول الكافر حين يبعث: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} -يعني في تلك الفترة- فيقول المؤمن: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}" )).
قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} [يس: 55]
((حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: أنبأنا يعقوب القمي، عن حميد، عن شبر بن بكر، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود)) في قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} قال: (( "في افتضاض العذارى" )).
-وهذا لا يصح عن ابن مسعود مرفوعاً، لكنه صحيح عن عموم السلف، وذكر الطبري فيه آثاراً صحيحة-.
((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس)) في قوله تعالى: {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} قال: (( "في افتضاض العذارى" )).
هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
قوله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]
((حدثني الحسين بن علي بن يزيد الصدائي، أنه حُدِّث عن عبد الله بن عبيد الله أبي عاصم العبداني، قال: حدثنا الفضل بن عيسى، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله)) -والفضل بن عيسى هذا ضعيف جداً-: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فينظرون فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قوله عز وجل: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}، قال: فينظرون إليه، ولا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، ثم يبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم».
وهذا لا نزاع فيه؛ هذا نعيم الجنة الذي يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة، فيُغمس في الجنة غمسة يسيرة، فيقال له: "هل رأيت بؤساً قط؟" يقول: "ما رأيت بؤساً قط".
ينسى كل شيء رآه في الدنيا، لا أنه وجد عوضاً فحسب؛ هذا النعيم في خضمه وليس غمسة، فإذا رأى المؤمنون رب العالمين ينسونه ويغفلون عما سواه، لا إله إلا الله.
قوله تعالى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59]
((حدثني علي بن الحسن، عن الصلت بن حكيم، قال: حدثنا درست القزاز، قال: حدثنا يزيد الرقاشي)) -ويزيد ضعيف جداً، ولكنه عابد صاحب مواعظ في البصرة، بصري، والبصرة كانت تشتهر بالعبادة والكوفة بالفقه، وظهر الانحراف في العبادة في البصرة في بدايات التصوف، والانحراف في الفقه في الكوفة في الرأي بعد أن كان الأمر مستقيماً-: قال: (( "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أيتها النار المطيعة سِمِي أهلك، قال: فيخرج عنق من النار فتنكت في وجوه أهل النار نكتة سوداء، ثم ينادي منادٍ: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ}، قال: فينكر بعضهم بعضاً، فيقول: هذا ما كنتم تكسبون، ثم ينادي منادٍ: {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [الزمر: 72]، فبئس مثوى المتكبرين، فينكسون في النار على رؤوسهم، ويصهر الحميم ما في أجوافهم" )).
قال: ثم سقط يزيد مغشياً عليه؛ يزيد الواعظ نفسه بعد ما قال ما قال ووعظ الناس سقط مغشياً عليه.
قوله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ} [يس: 65]
((حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا مهران بن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان الثوري)) -وهذا الحديث في "صحيح مسلم"- ((عن عبيد المكتب، عن الفضيل بن عمرو الفقيمي، عن الشعبي، عن أنس)) -والشعبي نادر الرواية عن أنس، عامر بن شرحيل الشعبي، وقد أدركه، فإن أنساً رضي الله عنه هو آخر الصحابة موتاً في البصرة، والشعبي كان كوفياً وهناك تقارب، والشعبي أدرك علياً ورآه-:
في قوله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ} قال: (( "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه، فقال: «هل تدرون مما ضحكت؟» قالوا: لمَ ضحكت يا رسول الله؟ قال: «من ضحك الرب مجادلة العبد ربه»" )).
وهذا فيه إثبات الضحك حقاً، لهذا تجاوب معه بضحك.
(( «يقول العبد: يا رب، ألم تُجرني من الظلم؟ فيقول: بلى عبدي.
فيقول: فإني لا أجيز عليَّ إلا شاهداً من نفسي.
فيقول الله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الحفظة شهوداً.
فيُختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لَكُنَّ وسُحقاً! فعنكنَّ كنتُ أناضل» )).
نعم، أصل الحديث في "مسلم" لولا بعض الزيادة.
قوله تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس: 70]
((حدثنا عبد الله بن محمد بن ثورة البلخي، أنه حُدِّث عن أبي معاوية الضرير، عن رجل، عن أبي روق، عن الضحاك)): {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} قال: (( "عاقلاً" )).
نعم، وغير العاقل قليل ذكر الله هو ميت الأحياء.
قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس: 78]
((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير)) قال: (( "جاء العاص بن وائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل -يعني قد اقترب من التفتت- ففتَّه وقال: يا محمد، أيبعث الله هذا؟ قال: نعم، يُميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم" )).
فنزلت: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا}.
وهذا خبر تفسيري عن سعيد بن جبير، ومثل هذا على انقطاعه إلا أنه يُحتمل ويُذكر في كتب التفسير.
قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون} [يس: 82]
((حدثنا أبو عبد الله أحمد بن جير، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن بعض البصريين، قال: كان عالم وعابد متواخيين -أي متآخيين في الله- فقالت الشياطين لإبليس: إنا لا نقدر على أن نفرق بينهما، فقال إبليس لعنه الله: أنا لهما)).
(( "فجلس في طريق العابد، إذ أقبل العابد حتى إذا دنا من إبليس قام إليه في مثال شيخ كبير بين عينيه أثر السجود، فقال للعابد: إنه قد حاك في صدري شيء أحببت أن أسألك عنه، فقال العابد: سل فإن يكن عندي علم أخبرتك.
فقال له إبليس: هل يستطيع الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض والجبال والشجر والماء في بيضة من غير أن يزيد في البيضة شيئاً، ومن غير أن ينقص من هذا شيئاً؟" )).
-طبعاً هذه الأسئلة قديماً كان إبليس يتشكل ويخرج، أما الآن فيأتيك بصورة وسوسة، ولا ينبغي تعويد الناس على مسألة أن كل إشكال يُطرح؛ فكثير من الأمور علاجها الاستعاذة بالله من الشيطان وإراحة النفس-.
(( "فقال له العابد كالمتعجب: من غير أن ينقص من هذا شيئاً ومن غير أن يزيد في هذا شيئاً؟ فوقف العابد، فقال إبليس لأصحابه: أما هذا فقد أهلكته؛ جعلته شاكاً في الله.
ثم جلس على طريق العالم، فإذا هو مقبل حتى إذا دنا من إبليس قام إليه، فقال له العالم: سل فإن يكن عندي علم أخبرتك" )).
(( "فقال له إبليس: هل يستطيع الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض والجبال والشجر والماء في بيضة من غير أن يزيد في البيضة شيئاً، ومن غير أن ينقص من هذا شيئاً؟ فقال له العالم: نعم.
فرد عليه إبليس بالاستشكال المنكر: من غير أن يزيد في هذا شيئاً ومن غير أن ينقص في هذا شيئاً؟ فقال له العالم بانتهار: نعم، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
فقال إبليس لأصحابه: من قِبَلِ هذا أُتيتم" )).
هذه القصة ذكرها ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" ليدلل على فضل العالم على العابد.
وذكر ابن القيم رحمه الله في "شفاء العليل" عند قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]؛ عن ابن عباس قال: (( "الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير" )).
وكيف هذا؟ يعني أن العلماء هم الذين يعلمون كمال قدرة الله.
قال ابن القيم: "ضلال أهل البدع عامته جاء من التشكيك في القدرة"؛ فأساس ضلال القدرية أنهم جعلوا الله عز وجل غير قادر على أن يخلق أفعال عباده ويكون عادلاً، والمعطلة كذلك يعجزون الله عز وجل.
حين سمع المعطل السنيَّ يحدث بحديث النزول قال: "كفرتُ برب ينزل من سماء إلى سماء"، فكان رد الفضيل بن عياض عليه: "آمنتُ برب يفعل ما يشاء".
فأساس ضلال أهل البدع، أساس ضلال أهل البدع: الطعن في القدرة.
المعطلة نفاة الأفعال الاختيارية، حتى كثير منهم حين يتحدثون عن المسألة التي يسمونها "تسلسل الحوادث"؛ ما معنى تسلسل الحوادث؟ أنَّ الله قادر على أن يفعل ما شاء متى شاء، ولهذا لا يوجد له فعل نستطيع أن نقول: هذا أول أفعال الله على الإطلاق؛ لأنه دائماً قادر ويفعل.
عجَّزوا رب العالمين، عجَّزوه سبحانه وتعالى؛ فأهلكهم الشيطان بهذه.
وهذا الأثر العتيق يدلك على أنَّ كثيراً من كلام أهل الكلام إنما هو من قِبَل إبليس؛ فأهلكهم بهذا أنه يورد عليهم الإشكالات ولا يتخلصون من هذه الإشكالات، ولا يخرجون منها إلا بالكفر بالله عز وجل بدعوى التنزيه، بدعوى التنزيه كما أيضاً في القدرية.
فحقاً هذا الأثر -وتكلم عليه ابن القيم كلاماً جليلاً في "شفاء العليل"- أثر عبد الله بن عباس عند قول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]؛ قال: (( الذين يعلمون أنَّ الله على كل شيء قدير )).
ونبه ابن القيم أنَّ المعطلة لا يدخلون في هذا.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬