التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة هود
أهل الأثرالأرشيف العلمي

((قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6]))

حدثنا الحسين، قال: حدثنا عبد الله (الحسين المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك).

قال: حدثنا هارون بن عبد الله (عفواً)، قال: حدثنا محمد بن الحسن المخزومي (محمد بن الحسن متروك، والخبر تقدم معنا؛ قلنا لكم خبر الراهب).

يقول: "ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات من كتاب الله عز وجل"، وتلا هذه الآية: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} فيقول بعد هذه الآية: "ما أبالي"؛ لأني أعلم أن الرزق مكتوب فلا أحمل هماً في هذا الأمر، ولا أوسوس ولا أفكر ثم الآية الأخرى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا}؛ فإذًا يعلم أن رحمة الله عز وجل لن يحجبها عنه إنسان.

وقلنا لكم هذا في معنى خبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الخلق لو اجتمعوا أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك».

وقوله: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}؛ يريد أن الضر لا يكشفه إلا الله عز وجل، فلا يتعلق قلبي بالخلق.


((قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7]))

حدثني محمد بن علي بن شقيق، قال: حدثني إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض في قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ قال: "أخلصه وأصوبه".

هذا الأثر مشهور؛ "الأحسن" هو شرط قبول العمل:

  1. الإخلاص: {إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ}.
  2. المتابعة (الصواب): ألا يكون بدعاً.

فقال: "إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل" (لهذا اقتصادٌ في سنة خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة).
"وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنة".

(وهذا خبر صحيح عن الفضيل ومشهور جداً في كتب أهل العلم).


((قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]))

حدثنا الحسن بن محبوب، قال: أخبرنا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى.

(هذا الآن ما هو عبد الرحمن، هذا ابنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الضعيف).

عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله عز وجل: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}؛ قال: اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها أخرى، أطبقها بلؤلؤة واحدة، ثم قرأ: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} وهي التي قال الله عز وجل: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ وهي التي لا يعلم الخلائق ما فيها، يأتيهم كل يوم منها تحفة أو تفضل أو تحية.

هذا الخبر إيراده هنا غريب على العموم.


((قوله تعالى: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هود: 11]))

حدثنا محمد بن علي بن الحسن، قال: حدثنا إبراهيم بن أشعث، قال: سمعت الفضيل(نفس إسناد "أخلصه وأصوبه") في هذه الآية {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ قال: "صبروا في البأساء والضراء والزلازل" يعني صبروا على الابتلاءات.
يقول عبد الرحمن بن عوف: "بُلينا بالضراء فصبرنا، وبُلينا بالسراء فلم نصبر" قال: "وعملُ الصالحات في الرخاء والسراء".

هو في المصائب يلزمك الصبر، وهو حبس اللسان عن الجزع والتسخط.
وحمدُ الله هذا فضلٌ زائد؛ إنك تحمد الله عز وجل هذا فضل زائد.
وفي الرخاء تعمل الصالحات، كيف تعمل الصالحات؟ إنك تشكر الله عز وجل بهذه النعم؛ أول شيء تحمد الله عز وجل على هذه النعمة وتطيع الله عز وجل بها، وإن ذهبت تصبر وتحمد الله تبارك وتعالى وتشكره عليها.


((قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} [هود: 15-16]))

حدثنا الحسن بن عيسى (هذا المَرْوَزِي الماشَرْجَسِي، هذا كان نصرانياً وأسلم على يد ابن المبارك، وفي إسلامه قصة جميلة) قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: أخبرني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المديني، أن عقبة بن مسلم حدثه، أن شُفيّاً حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل اجتمع عليه الناس (هذا حديث طويل وانظروا ما فيه).

فقالوا: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة (أبو هريرة مقيم مجلس، أقام مجلسه) قال: فدنوتُ منه حتى قعدتُ بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلتُ: أنشدك بحقٍّ وحقٍّ لَمَا حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته.

يعني استحلف أبا هريرة بالله أن يحدثه بحديث من نفائس الأحاديث، حديث سَمِعه؛ فأبو هريرة انتقى له هذه الدرة.

فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ عقلته وعلمته.
ثم نشغ أبو هريرة نشغة فمكث طويلاً (النشغة هي الشهقة، "نشغت روحي" إلى اليوم إحنا نقول) ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى فمكث كذلك، ثم أفاق ثم مسح وجهه فقال: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ وهو في البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة ثم مال خاراً على وجهه، فأسندته طويلاً، ثم أفاق فقال: قال رسول الله ﷺ:

«إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد رب العالمين ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يُدعى به: رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال».

«فيقول الله عز وجل للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى.
قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل والنهار.
فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان قارئ، فقد قيل ذلك».
هذا قبل؛ ممكن غالباً الإنسان إذا قام يقوم ولا يراه أحد إلا في رمضان، اليوم مع هذه الأجهزة ومع الكثرة صار الإنسان في جوف بيته يعمل عملاً صالحاً ويُري الناس! نسأل الله العافية.. نسأل الله الإخلاص (أمين).
منهم من له نية حسنة إنه يشجع الناس، هذا لا شأن لنا بالبواطن لا ندري، لكن الإنسان يتقي.

«ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله عز وجل: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا ربي.
قال: فماذا عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق.
فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جواد، فقد قيل ذلك».
الناس أيضاً تريد أن تُمدح بالقصائد، تريد أن تُمدح بالأشعار، تريد أن تذكر، بعضهم جمع متابعين بهذه الأمور.. سبحان الله.

«ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله».
هذا أعجبهم بالنسبة لي؛ يعني الأول ما صار (بالنهاية حصل سمعة وتعب نفسه بالحفظ قليلاً)، والثاني هو في خير وينفق المال لا بأس والجود عادة يتعودها المرء، لكن هذا الذي أهلك نفسه! نفسه كلها ذهبت.

«فيقال: بماذا قُتلت؟ يقول: أُمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قُتلت.
فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، يقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك».

ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسعر بهم النار يوم القيامة».
هذا أمر الرياء وضرورة الإخلاص.

قال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة أن شُفيّاً (هذا صاحب القصة الذي طلب من أبو هريرة) دخل على معاوية فأخبره بهذا.

قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن حكيم أنه كان سيّافاً لمعاوية، فدخل عليه رجل فحدثه بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعل بهؤلاء هذا؟ فكيف بمن بقي من الناس!

ثم بكى معاوية بكاءً شديداً حتى ظننا أنه هالك، فقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشرٍّ.
ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال: صدق الله ورسوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} إلى قوله {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

معاوية جاء بشاهد من القرآن.


((قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46]))

حدثنا محمد بن إسحاق السهمي، قال: حدثنا إبراهيم بن عثمان بن زائدة، عن أبيه، قال: كتب الأحنف بن قيس مع رجل إلى صديق له:

"أما بعد، فإذا قدم عليك أخٌ لك موافق فليكن منك مكان سمعك وبصرك، فإن الأخ الموافق أفضل من الولد المخالف؛ ألا تسمع إلى قول الله عز وجل لنوح في شأن ابنه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}؟ يقول: ليس من أهل ملتك.
فانظر إلى هذا وأشباهه فاجعلهم كنوزك وذخائرك وأصحابك في سفرك وحضرك، فإنك إن تقربهم منك يستغنوا بالله عز وجل، والسلام".

هذا رواه في كتاب "الإخوان"، والأحنف بن قيس مشهور بحكمته وكان سيداً في قومه.

حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا وهيب بن الورد.

قال: لما عاتب الله نوحاً في ابنه فأنزل الله عز وجل: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}؛ بكى ثلاثمائة عام حتى صار تحت عينيه أمثال الجداول من البكاء.

(وهذا صحيح).


((قوله تعالى: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47]))

حدثني محمد، قال: حدثنا عمرو بن جرير، عن بكر بن خُنيس، قال وهب بن منبه.

(وهب بن منبه تابعي يماني، هو أصله فارسي من الأكاسرة؛ إيش يسمونهم؟ "الأبناء".
في ناس يقال لهم "الأبناء" ينسب لهم فلان الأبناوي، اللي هم من الفرس اللي كانوا يحكمون اليمن، منهم طاووس ومنهم هذا.
فدائماً يقولون: يهودي، ما هو يهودي ماله علاقة باليهودية لكنه كان يقرأ الكتب).

قال وهب: مكث آدم منكفئاً رأسه بعدما هبط من الجنة مائة عام لا ينظر إلى السماء (يعني حياءً من الله)، ولا يرقأ له دمع.
ثم ينادي: إلهي غرتني حواء، واستذلني إبليس، واستحوذ عليَّ البلاء، {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
فنُودي: يا آدم قد غفرتُ لك.

فبكى بعد ذلك مائة عام استحياءً من ربه.

يعني الأول بكى ندماً، فلما غفر الله له استعبر؛ أبكاه الحياء: "أني على عظم ذنبي غُفر لي".


((قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا}))

ابن أبي الدنيا يقول: حدثنا أبي (وهو يروي عن أبيه)، عن هشام بن محمد، عن أبيه.

(هشام وأبوه قصتهم قصة؛ شيعة متهمون، الكلبيون هؤلاء؛ هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس).

قال: أخذتهم الصيحة -والصيحة صاعقة، وكل عذاب من الله فهو صاعقة- فاحترقوا جميعاً، فأصبحوا في ديارهم جاثمين قد صاروا رماداً، فهمدوا جثوماً لا يتحركون، فشبههم بالرماد حتى صاروا رماداً.

يقول الله عز وجل: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} (يقول: بنعمة منا)، {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}.

يقول: "لم يَغْنَوا فيها" أي لم يعمروا فيها، بقوا فيها زمناً طويلاً ثم في صيحة واحدة كأنهم ما كانوا موجودين في هذه الديار من الأساس.

((قوله تعالى: {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}))

حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني الصلت بن حكيم، قال: حدثنا أبو عاصم العبداني، عن زياد الجصاص، عن معاوية بن قرة.

قال: لما قال (أي صالح عليه السلام): {أَنَّ الْعَذَابَ يُصْبِحُكُمْ يَوْمَ الثَّالِثَةِ}؛ قال لهم بعدما عقروا الناقة: "وآية ذلك وجوهكم تصبح مسودة".

لبسوا الشعر وتحنطوا، وعانق الآباءُ الأبناءَ، والأمهاتُ البناتِ، ثم قاموا قياماً على أرجلهم يبكون ويصرخون ويتلاومون، وأخذتهم الصيحة: {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}.

وما نفعهم هذا الندم بعد ما فعلوا ما فعلوا.


((قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75]))

حدثنا هارون بن أبي يحيى، قال: أنبأنا هشام بن محمد الكلبي (شيخ من الإخباريين)، عن مجاهد، عن ابن عباس.

قال: الحلم من الخلال التي ترضي الله عز وجل، وهو يجمع لصاحبه شرف الدنيا والآخرة، ألم تسمعوا الله تعالى وصف خليله بالحلم فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}.

ولهذا النبي ﷺ لما قال: «إن ابني هذا سيد»؛ قالوا: حليم؛ لأنه تنازل.
والسيد فسروها بالسخي وفسروها بالحليم، وهي جامعة لهذا؛ لأن السخي يتجاوز عن ماله ويعطي، والحليم يتجاوز عن حقه أيضاً ويعفو.

حدثنا عبد الله بن عمر الجشمي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن كعب (كعب الأحبار).
وهذا إسناد قوي، قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ}؛ قال: "كان إبراهيم إذا ذُكرت النار قال: أُوهٍ من النار"، ومدَّ بها جعفر صوته.


((قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}))

حدثنا سعيد بن سليمان (سعدويه -هذا لقبه-)، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، قال جندب، قال حذيفة:

لما أُرسلت الرسل إلى قوم لوط ليهلكوهم، قيل: "لا تهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات".

قال: وطريقهم على إبراهيم، فأتوا إبراهيم فبشروه بما بشروه، فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط.

قال: كانت مجادلته إياهم أنه كان يقول: "إن كان فيهم خمسون (يعني خمسون نفساً) أتهلكونهم؟ (يعني خمسين نفساً مسلمة)".
قالوا: لا.
قال: "أرأيتم أربعين؟".
قالوا: لا.
قال: "فثلاثين؟".
قالوا: لا.
(وهناك أثر عن ابن عباس: إذا كان في القرية خمسون لم تُهلك، حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة -شك سليمان-).

فأتوا لوطاً وهو في أرض يعمل فيها فحسبهم ضيفاناً، فأقبل بهم حين أمسى إلى أهله فامسوا معه.
فالتفت إليهم فقال: "أما ترون ما يصنع هؤلاء؟".
قالوا: وما يصنعون؟ قال: "هم من الناس ما من الناس أحد شراً منهم".
(فانتهوا به إلى أهله).

فانطلقت العجوز السوء امرأته فأتت قومها -لا حول ولا قوة إلا بالله- وقالت: "لقد تضيَّف لوطاً الليلة قومٌ ما رأيتُ قط أحسن وجوهاً ولا أطيب ريحاً منهم!".

فأقبلوا يهرعون إليه حتى دفعوا الباب، حتى كادوا أن يغلبوه عليه، فقام (ما لكم؟) لجناحه فصفق دونهم ثم أغلق الباب.
ثم علوا الأحاجير (الحُجرة: المكان الذي يكون مسوراً وكذا، والحجرة أيضاً الحوش الذي نحن نسميه حوشاً، هو قديماً يسمى حجرة).

علوا الأحاجير فَعَلوا معه، ثم جعل يخاطبهم: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}، حتى بلغ: {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}.

قالوا: {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ}.
فقال جبريل عليه السلام: "إنهم رسل الله"، فما بقي أحد منهم تلك الليلة إلا عَمِي، فباتوا بشرِّ ليلة عمياً ينتظرون العذاب.

قال: وسار بأهله، فاستأذن جبريل في هلاكهم فأُذن له، فارتفعت الأرض التي كانوا عليها فالوى بها حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح كلابهم (رفعها هكذا وأوقد تحتها النار ثم قلبها عليهم).

فسمعت امرأته الوجبة وهي معه فالتفتت، فأصابها العذاب.
(الوجبة: يعني الصوت، صوت الضرب في الأرض).
فالتفتت شفقة على قومها، فأصابها العذاب وهي مع لوط، جاءها حجر من هناك.. لا إله إلا الله.

(والخبر رجاله ثقات هذا).


((قوله تعالى: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ...}))

حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن محمد بن السائب.
(هو السائب.. يكون ماشي، يطلع لك الكلب بالنص! عن أبي صالح باذان عن ابن عباس).

قال: أغلق لوطٌ على ضيفه الباب فجاءوا فكسروا الباب، فطمس جبريل أعينهم فذهبت أبصارهم، فقالوا: يا لوط جئتنا بالسحرة! وتوعدوه بعد -لا حول ولا قوة إلا بالله-.

وأوجس منهم خيفة، قال: يذهب هؤلاء ويذروني؟ (يعني يذهب الملائكة وأبقى لوحدي).

فقال له جبريل: {لَا تَخَفْ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ}.
قال لوط: الساعة؟ قال جبريل: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}؟ قال: الساعة.

فرفعت سدوم -التي هي القرية- حتى سمع أهل السماء نبح الكلاب، ثم قُلبت ورُموا بالحجارة.
وهذا الذي استدل به بعض أهل العلم على أن اللوطي يُرجم أو يُرمى من شاهق؛ أنه يُفعل به كما فُعل بهذا؛ يُرمى من شاهق ثم يُتبع بالحجارة، يعني كما فُعل بهؤلاء.
اتفق الصحابة على قتل من يعمل عمل قوم لوط، لكن كيف يُقتل؟ هذا النزاع.


((قوله تعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]))

حدثنا رجاء بن السندي، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: أدركتُ مشيخةً من العرب -أراه قال من بني تميم- إذا رأوا الظالم قالوا: اتقِ الحجارة!
يعني يخوفون بما كان من الأقوام السابقة، تصديقاً لقول الله عز وجل: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}.


((قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ}))

حدثنا الحسن بن حماد الضبي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن بُريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى.
(بُريد حفيده، بُريد بن عبد الله بن أبي بردة؛ صدوق يهم لكن أموره ماشية، خرج له في الصحيح).

أن أبا موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تبارك وتعالى يُمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته»، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ}.
(الحديث صحيح).


((قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ}))

حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود.
(التيمي هو سليمان بن طرخان التيمي، وأبو عثمان هو النهدي).

أن رجلاً أصاب من امرأة قُبلة، فأتى النبي ﷺ يسأله عن كفارتها، فنزلت هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ}.
فقال: يا رسول الله ألي هذه الآية؟ قال: «ولمن عمل بها من أمتي».
(هو في الصحيحين).

حدثني محمد بن الحسن (أبو الحسن البصري)، قال: حدثنا إسحاق بن إدريس.
(نعم، وإسحاق هذا متهم).

قال: حدثنا محمد بن عيسى أبو مالك...
هذا الخبر مرَّ معنا الذي هو خبر أم هانئ؛ النبي ﷺ بشرها بأن الحسنات يذهبن السيئات والصلوات الخمس ومثل الذين ينفقون، وليس فيها الآية.
نعم، على أن الحسنات يذهبن السيئات، والصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل