التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة فاطر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكُ لَهَا} [فاطر: 2]

((حدثني أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم العبدي، قال: حدثنا عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه)) -والإسناد ماشٍ؛ وعروة بن الزبير خالة عائشة أُمُّه أسماء، وهو من علماء التابعين وفضلائهم، اسمع مع القصة هذه-: يقول: إنه خرج إلى الوليد بن عبد الملك حتى إذا كان بوادي القرى -عاد بنو عبد الملك قتلوا أخاه عبد الله بن الزبير لكن عروة ناسبهم وما كان صاحب مشاكل رضي الله عنه- وجد في رجله شيئاً -هذه قصة مشهورة، وسمتها صار في رجله نسميها (الغرغرين) اليوم الجثاء- فظهرت به قرحة وكان على رواحل، فأرادوا على أن يركب محملاً فأبى عليهم -صار ما يقدر-.
ثم غلبوا عليه، فرحلوا ناقة له بمحمل فركبها، ولم يركب محملاً -المحمل يوضع على الناقة قبل ذلك-.

فلما أصبح تلا هذه الآية: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكُ لَهَا} حتى إذا فرغ منها، فقال: (( "لقد أنعم الله على هذه الأمة في هذه المحامل بنعمة" )).
-يُقال إن الحج على المحامل ما ظهر إلا في زمن الحجاج، هذه الآن نحن نحج بالطيارات والسيارات، هم في وقتهم حتى عطاء بن أبي رباح كان يقول: "بدعة"؛ هذه كان يُوضع محمل هكذا على الناقة فيركب عليه الإنسان، هذه لا رآها الصحابة ولا كبار التابعين.

هو لما صار في رجله قرحة -شوف سبحان الله!- صار ما يستطيع أن يركب، فحملوه على هذا المحمل، أجلسوه على المحمل ثم وضعوا المحمل على الناقة، فرآها نعمة عظيمة!-.
فكان تلا هذه الآية يقول: (( "لقد أنعم الله على هذه الأمة في هذه المحامل بنعمة لا يؤدون شكرها" )).
-يقول عن هذا المحمل إنه نعمة لا يؤدون شكرها، فكيف بالسيارات والطيارات وكذا؟!-.

وترقى في رجله الوجع حتى قدم على الوليد، فلما رآه الوليد قال: (( "يا أبا عبد الله اقطعها، فإني أخاف أن يبالغ فوق ذلك" )) -عنده خبرة أبو الطب الوليد، قال: رجلك هذه تُقطع خلاص خاف يزيد البلاء وينتشر-.
قال: (( "فدونك" )) -قال: ما في مشكلة نقطع-.
قال: فدعا له الطبيب فقال: (( "اشرب المرقد" )) -المرقد هذا عشان يصير ما يشعر بالألم، أي مسكن، هذا المخدر يخدره-.
قال: (( "لا أشرب مرقداً أبداً" )) -يخاف إنه يغيب عن وعيه أو يفوت ثواب العقد، ما يبي يذهب عقله-.

(( "فعذَّرها الطبيب واحتاط بشيء من اللحم الحي مخافة أن يبقى منها شيء ضر فيرقى، فأخذ المنشار فأمسك بالنار واتكأ له عروة، فقطعها من نصف الساق فما زاد على أن قال: حَسْ حَسْ" )).
فقال الوليد: (( "ما رأيتُ شيخاً قط أصبر من هذا" )).
-الخبر هذا قوي يا إخوان، وهذه قصة لها طرق عن عروة يحكيها ابنه-.

يقول: (( "وأُصيب عروة بابن له يقال له محمد - في أيامه بعد ما قُطعت رجله مات ولده محمد في ذلك السفر، دخل إسطبل دواب من الليل ليبول فركضته بغلة فقتلته، وكان من أحب ولده إليه، ولم يُسمع من عروة في ذلك كلمة حتى رجع" )).
فلما كان بوادي القرى قال: (( "{لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً} [الكهف: 62]، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذتَ منهم واحداً وأبقيتَ ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذتَ مني طرفاً وأبقيتَ لي ثلاثة، وأَيْمُكَ لئن ابتليتَ لقد عافيتَ، ولئن أخذتَ لقد أبقيتَ" )).

فلما قدم المدينة جاء رجل من قومه يقال له عطاء بن ذئيب، فقال: (( "يا أبا عبد الله، والله ما كنا نحتاج أن نسابق بك ولا أن نصارع بك" )) -يعني لا تخاف، رجلك هذه ما نفتقدها، إحنا ما نربيك للمصارعة ولا السباق-.
(( "ولكن كنا نحتاج إلى رأيك والأنْس بك، فأما ما أُصبت به فهو أمرٌ ذخره الله لك، وأما ما كنا نحب أن يبقى لنا منك فقد بقي" )).
-وهذا أثر عجيب، أثر عجيب-.


((حدثنا الحسين، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن الحسن المخزومي، قال: حدثني القاسم بن نافع، عن جسر)): -وهذا الأثر مرَّ معنا مراراً منها، هو ذكر الآية هذه من الآيات التي يرى مِنة الله عز وجل فيها-: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكُ لَهَا}.


قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]

((حدثني حمزة بن العباس، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، قال: أنبأنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود)):

قال: (( "يرسل الله ريحاً فيها صِرٌّ بارد زمهرير، فلا تذر على الأرض مؤمناً إلا لفت بتلك الريح -أي قُبضت روحه-، ثم تقوم الساعة على شرار الخلق.
ثم يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماء والأرض إلا مات" )).

(( "ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فيرسل الله ماءً من تحت العرش، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ ابن مسعود: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ}" )).

(( "ثم يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ، فتنطلق كل نفس إلى جسدها فتدخل فيه، ويقومون فيجيئون قياماً لرب العالمين" )).


قوله تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} [فاطر: 33]

((حدثنا الحسن بن يحيى بن أبي كثير العنبري، قال: حدثنا أبي، عن أشعث، عن الحسن)): في قوله تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} قال: (( "الحِلْيُ في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء" )).


قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34]

((حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم، عن بشر بن سلم الكوفي، عن مسعر، عن أبي بكير، عن إبراهيم التيمي)): {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} قال: (( "ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}.
وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} [الطور: 26]" )).

((حدثني المثنى بن معاذ العنبري، عن معاذ بن معاذ، عن أبيه، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس)): {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} قال: (( "حزن النار" )).

((حدثنا الخليل بن عمرو، عن عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن عطية)): {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} قال: (( "الموت" )).

((حدثني محمد بن ناصح، قال: أنبأنا بقية بن الوليد، عن مجاشع بن عمرو -متروك- عن من حدثه، عن سعيد بن جبير)): {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} قال: (( "همُّ الخبز في الدنيا" ))؛ أي همُّ الرزق والمعاش والراتب.
وهذا يذكر عن رجل من رواة الحديث يقال له "ابن الخاضبة"، كان يكثر من نسخ الكتب، فرأى في المنام أنه دخل الجنة فقال: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، استرحتُ من عناء النسخ".
فكلُّ من دخلها استراح مما كان يهمه في دنياه.

((حدثنا عبد الله - المصنف - حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا حجاج، عن سعيد بن زربي، عن الحسن)): أنه ذَكَّر ذات يوم قول أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} فقال الحسن: (( "أحزان أهل الدنيا يقطعها الموت، ولكن أحزان المؤمن باقية؛ وحق للمؤمن أن يحزن وجهنم أمامه مسيرة ثلاثة آلاف سنة؛ ألف في هبوط، وألف على متنها، وألف في صعود" )).


قوله تعالى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37]

((حدثني أبو عبد الله محمد بن عبيد الله المديني الزاهد، عن عثمان بن مطر، عن ثابت، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير)) -تابعي من الفضلاء-: أنه كان يقول: (( "يا إخوتاه، اجتهدوا في العمل؛ فإن يكن الأمر كما ترجون من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات، وإن يكن الأمر شديداً كما نخاف ونحاذر لم نقل: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}، بل نقول: قد عملنا، ولم يكن ينفعنا ذلك" )).


قوله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} [فاطر: 37]

((حدثني إبراهيم بن راشد أبو إسحاق، قال: حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد -جعفر وأبوه فيهم كلام شديد-، قال: حدثني أبي، عن الحسن، عن أبي برزة)): قيل: "يا أبا برزة، ألا تخبرنا بأشد ساعات أهل النار؟" قال: (( "{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا}، وينادون مالكاً وخزنتها، فإذا يئسوا من الإجابة يجأرون إلى ربهم: ربنا ربنا! مقدار الدنيا سبع مرات، فيُسكت عنهم حتى يظنوا أنه إنما سكت عنهم ليخرجهم، فيقول -ليقطع رجاءهم ويحقق سوء ظنهم-: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]، فيكلحون فيها عمياً وبكماً وصماً، لا يتكلمون ولا يستغيثون بأحد" )).


قوله تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]

((حدثني عبيد الله بن جرير، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عقبة، عن بديل بن ميسرة، عن محمد بن كعب القرظي)) قال: (( "ثلاث خصال من كنَّ فيه كنَّ عليه: البغي، والنكث، والمكر" )).
وقرأ: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}، وقرأ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23]، وقرأ: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10]." وفي الحديث: «إن العقوق والبغي يذهبان الديار ويذرانها بلاقع».

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل