التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة غافر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7]

((حدثنا أبو نصر التمار، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد)) -ابن جدعان، وفيه ضعف ويُحتمل في مثل هذا- ((عن أبي عثمان)) -النهدي عبد الرحمن بن مُلٍّ التابعي المخضرم وقد أدركهما كليهما- ((عن ابن عباس وابن مسعود)):

(( "قالا: لما كثرت ذنوب بني آدم، دعت عليهم السماء والأرض والملائكة: ربنا أهلكهم.
فأوحى الله إلى الملائكة: إني لو أنزلتُ الشهوة والشيطان منكم منزلتهما من بني آدم لفعلتم مثل ما يفعلون.
فحدثوا أنفسهم أنهم إن ابتلوا أنهم يستعصمون، فأوحى الله عز وجل إليهم أن اختاروا من أفضلكم ملكين، فاختاروا هاروت وماروت، فهبطا إلى الأرض حكمين، وهبطت الزُّهَرة -وهذا ضبطها الصحيح- في صورة امرأة، وأهل فارس يسمونها (بيدخت) وفي الرواية (نهوند)" )).

(( "وكانت الملائكة قبل ذلك يستغفرون للذين آمنوا: {رَبَّنَا وَسَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ}، فلما وقعا في الخطيئة، استغفروا لمن في الأرض: {أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الشورى: 5]، فخيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا" )).

وقصة هاروت وماروت ثبتت عن عموم الصحابة، ودعوى أنها "إسرائيليات" استنكرها ابن حجر في "العجاب" على ابن كثير، وقال: "كيف يُقال إسرائيلية وهي ثابتة عن علي وابن مسعود وغيرهما وتقول إسرائيلية ولا يوجد سواها في الباب؟".

المسألة الثانية:

هذه المسألة تفيد في المبحث المشهور: مَن أفضل؛ صالحو بني آدم أم الملائكة؟ والذي يترجح عند عموم أهل السنة أنَّ صالحي بني آدم (أفضل)؛ على أثر عبد الله بن سلام: "ما خلق الله أكرم من محمد"، قال: "ولا جبريل ولا ميكال؟" قال: "ولا جبريل ولا ميكال".
وهذا الأثر لما رآه ابن تيمية قال: (( "استبان لي أنها مسألة سلفية لا كلامية" )) -وهي التفضيل-.

فسبحان الله! هذا المعنى الذي تحدث عنه أنَّ أثقالك محسوبة فلا تبتئس؛ (الملك) لا يعصي الله عز وجل، والله عز وجل يفضل صالحي بني آدم على الملائكة لأنَّ صالحي بني آدم فيهم شهوة وعندهم الشيطان وعندهم كذا، ولهذا يوم القيامة يقول لهم رب العالمين: (( "لا أجعل ذرية مَن خلقتُ بيدي كمن قلتُ له كن فيكون" ))؛ فيظهر فضل صالح بني آدم على الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

وحتى قال ابن هبيرة -كما في طبقات الحنابلة-: (( "انظروا إلى عظيم قدر المؤمن عند الله عز وجل؛ يأمر حَمَلة عرشه وملائكته أن يستغفروا له" )).


وهذا أثر جليل لسفيان بن عيينة

((حدثنا أنَّ رجلاً قال: قال لي سفيان بن عيينة وكنتُ طلبتُ الغزو فأخفقتُ وأنفتُ ما كان معي، أراد أن يغزو فأخفق وأُفل المال الذي عنده للغزو ذهب عليه- فقال لي حين بلغه خبري -وقد كان عرفني قبل ذلك بطول مجالسته-: لا تآسَ على ما فاتك، واعلم أنك لو رُزقتَ شيئاً لأتاك، ثم قال لي: أبشر فإنك على خير، تدري مَن دعا لك؟ قال قلتُ: ومَن دعا لي؟ قال: دعا لك حَمَلة العرش، ودعا لك نوح نبي الله.
قال: نعم، ودعا لك خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
قال قلتُ: دعا لي كل هؤلاء كلهم؟ قال: نعم، ودعا لك محمد صلى الله عليه وسلم.
قال قلتُ: فأين دعا لي هؤلاء في كتاب الله عز وجل؟

قال: أما سمعتَ قوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] الآية قال قلتُ: فأين دعا لي نبي الله نوح؟ قال: أما سمعتَ قوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28]؟ قال قلتُ: فأين دعا لي خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ قال: أما سمعتَ: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]؟ قال قلتُ: فأين دعا لي محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال فهزَّ رأسه ثم قال: أما استمعتَ إلى قول الله عز وجل: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]؟ فكان النبي صلى الله عليه وسلم أطوع لربه، وأبرَّ بأمته، وأرأف لها وأرحم، من أن يأمره بشيء فلا يفعله)).


قوله تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 16-17]

((حدثني حمزة بن العباس، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم -ابن بهدلة بن أبي النجود صاحب القراءة- عن أبي وائل، عن عبد الله)): -وهذا إسناد قوي عن عبد الله بن مسعود، وأبو وائل شقيق بن سلمة تابعي مخضرم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وما رآه وكان من بني حنيفة وأدرك حروب الردة فكان يحدث الرواة يقول لهم أرأيتم لما كان خالد يتبعنا ارتدينا وخالد كان ايه قال أرأيت لو قتلك فاين؟ قال النار.-.

قال عبد الله بن مسعود: (( "يجتمع الناس في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يُعصَ الله فيها، يكون أول كلام يتكلم به -وهذا فيه إثبات الفعل الاختياري لله عز وجل مقيداً بزمان ومكان- ينادي منادٍ: لِمَنِ الملك اليوم؟ لِمَنِ الملك اليوم؟ لله الواحد القهار، اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب" )).

(( "ثم يكون أول مبدأ ما يبدأ به من الخصومات في الدنيا، فيؤتى بالقاتل والمقتول فيقال: لِمَ قتلت هذا؟ فإن قتله لتكون العزة لله قال: فإنها له، وإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان قال: فإنها ليست له، ويبوء بإثمه فيُقتل، ومَن كان قَتَلَ بالغين ما بلغوا ويذوق الموت عدد ما ماتوا -يعني الذي قتل عشرة يُقتل عشر مرات-" )).

عبد الملك بن مروان كان عنده صديق أدرك حروب ابن الزبير، فجاء يسلم على عبد الملك، فقال له عبد الملك: (( "تأخرت عنا، أين أنت؟ يعني عندنا حروب وكذا" )).
فقال: (( "ما أقاتل معك" )).
قال: (( "أنت أخي!" )).
قال: (( "ما أقاتل معك" ))، وأنشد يقول: ولستُ مقاتلاً أحداً يصلي ... على ملكٍ آخَرَ من قريشِ -الإنسان ما يذهب دينه في دنيا غيره-.


قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]

((حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني رستم بن أسامة، قال: حدثني عباءة بن كليب، عن عبد الواحد بن زيد)) -هذا الصوفي العابد الزاهد الضعيف- ((عن الحسن)): في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ}؛ قال: (( "أزفت والله عقولهم، وطارت قلوبهم فترددت في أجوافهم بالغُصص إلى حناجرهم، لما أمر بهم مَلَكٌ يسوقهم إلى النار، فيقول بعضهم لبعض: فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا؟ فيُنادون: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}" )).

-هذا في المشركين، أما أهل الإيمان فلهم شفيع، ولهذا "الظالمين" يعني المشركين؛ {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}-.


قوله تعالى: {يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ} [غافر: 15-16] وقوله: {يَوْمَ التَّنَادِ} [غافر: 32]

((حدثنا محمد بن قدامة -الجوهري- قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال)): (( "يوم التغابن: يوم يغبن أهل الجنة أهل النار، ويوم التناد: يوم ينادي أهل النار أهل الجنة، ويوم التلاق: يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض" )).
وهذا إسناد قوي.


((حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا أبو نباتة، قال: حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن كعب القرظي قال: بلغني)): (( "أن آخر مَن يموت ملك الموت، يقال له: يا ملك الموت مُت موتاً لا تحيا بعده أبداً، قال: فيصرخ عند ذلك صرخة لو سمعها أهل السماوات وأهل الأرض لماتوا فزعاً، ثم يموت، فيقول الله عز وجل: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}" )).


((حدثنا المثنى، عن معاذ بن معاذ العنبري، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو نضرة، عن ابن عباس)) -وهذا إسناد قوي-: قال: (( "ينادي منادٍ بين يدي الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، فيسمعها الأحياء والأموات.
قال: وينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]، فينادي منادٍ: لِمَنِ الملك اليوم؟ لله الواحد القهار" )).
وهذا الأثر صحيح وموجود في "الرد على الجهمية"، وبراءة السلف من عقيدة التفويض.


قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} [غافر: 32-33]

((حدثنا حمزة بن العباس، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر)) -وهو شامي ثقة ثبت، وكان يختلط بآخر في طبقته اسمه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وهو ضعيف جداً خلط بينهم الكوفيين-:

((عن عبد الجبار بن عبيد الله بن سلمان -أبو عبد ربه- في قول المؤمن: {وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ}؛ قال: يرسل الله عليهم أمراً فيولون مدبرين، ثم تستجيب لهم أعينهم بالدمع فيبكون حتى ينفد الدمع، ثم تستجيب لهم أعينهم بالدم فيبكون دماً حتى ينفد الدم، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح فيبكون حتى ينفد القيح، وتعود أبصارهم كالحدق بالطين" )).
-ثم ذكر الحديث الطويل في الأهوال وموت الملائكة الذي مر معنا مرارا وذكرنا أن إسناده ضعيف جدا -.


قوله تعالى: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} [غافر: 36]

((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان قال: بلغ عمر بن الخطاب أن رجلاً بنى بالآجُرِّ، فقال: "ما كنت أحسب أن في هذه الأمة مثل فرعون"؛ يريد قوله: {ابْنِ لِي صَرْحًا})) -والآن كلنا مثل فرعون في البناء، بل وفي أمور ثانية أيضاً، الله المستعان-.

((حدثني المثنى بن معاذ، قال: حدثني مؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم)) -ومؤمل فيه ضعف لكن الإسناد ماشٍ-: ((في قوله تعالى: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} قال إبراهيم النخعي: "بناه بالآجُرِّ")).
قال إبراهيم: (( "كانوا يكرهون أن يبنوا بالآجُرِّ، ويجعلوه في قبور" )).

يعني يكرهون الإثنين البناء بالآجر ووضعه على القبر


قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 49-50]

((حدثنا حمزة بن العباس، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا الحكم، عن عمر بن أبي ليلى -أحد بني عامر- قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني أو ذُكر لي)): -وهذا الأثر في سنده جهالة؛ لأن عمر هذا مجهول-.

(( "أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، قال الله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ}؛ قال: سألوا يوماً واحداً يُخفف عنهم فيه العذاب، فردت عليهم الخزنة: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}" )).

(( "ولما يئسوا مما عند الخزنة، نادوا: يا مالك! وهو عليهم وله مجلس في وسطها، وجسور تمرُّ عليه ملائكة العذاب فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77]، سألوا الموت.
قال: فمكث عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة -والسنة ثلاثمئة وستون يوماً، والشهر ثلاثون يوماً، واليوم كألف سنة مما تعدون- ثم لحظ إليهم بعد حين: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}" )).

(( "فلما سمعوا ما سمعوا مما قبله، قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء، قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون، فهلموا فلنصبر فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا.
فأجمعوا رأيهم على الصبر فتصبروا، فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزَعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] أي ملجأ" )).

(( "فقام إبليس عند ذلك فخطبهم: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تلوموني ولوموا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ -يقول بمغنٍ عنكم شيئاً- وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم: 22].
فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، فنودوا: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفَرُونَ} [غافر: 10]" )).

(( "قالوا: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} [غافر: 11]، فردَّ عليهم: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12]؛ قال: هذه واحدة" )).

(( "قال فنادوا الثانية: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمَعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12]، فردَّ عليهم: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} -يقول: لو شئت لهديت الناس جميعاً- {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} -يقول: بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا- {إِنَّا نَسِينَاكُمْ -أي تركناكم- وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}؛ فهذه ثنتان" )).

(( "قال فنادوا الثالثة: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} [إبراهيم: 44]، فردَّ عليهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: 44-45]؛ قال: هذه الثالثة" )).

(( "ثم نادوا الرابعة: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}، قال: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 37].
فمكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون: 105]" )).

(( "فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا ربنا، وقالوا عند ذلك: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} -أي الكتاب الذي كتبت علينا- {وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}، فقال عند ذلك: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 106-108]. فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجه بعض وأُطبقت عليهم" )).

(( "فحدثني الأزهر بن الأزهر أنه ذُكر لي أنَّ عند ذلك قوله: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35-36]" )).


قوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [غافر: 55]

((حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن الصلت بن حكيم، قال: حدثني النضر بن إسماعيل، عن عمر بن ذر، عن مجاهد)): في قوله {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}؛ قال: (( "ما وعد الله من ثوابه الصابرين، والصابرون يوفون أجرهم بغير حساب" )).


قوله تعالى: {ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]

  • وهذا من غير إسناد -: ((وقال وهب بن منبه لعطاء الخراساني: ويحك يا عطاء! ألم أُخبر أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا؟ ويحك يا عطاء! تأتي مَن يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه؛ وتدع مَن يفتح لك بابه، ويظهر لك غناه، ويقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}!))

(( "بل الله عز وجل هو الغني الغني الذي لو كنا جميعاً إنساً وجناً على قلب أفجر رجل ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، ولو كنا على قلب أتقى رجل ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، يتودد ويقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، -فسبحان الله! فاعجب لغني يتودد، وفقير يعرض!-" )).

(( "يا عطاء، أترضى بالدُّون من الدنيا مع الحكمة، ولا ترضى بالدُّون من الحكمة مع الدنيا؟ ويحك يا عطاء! إن كان يغنيك ما يكفيك فإن أدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يكفيك؛ -لأنك فاقد القناعة-" )).

(( "ويحك يا عطاء! إنما بطنك بحر من البحور، ووادٍ من الأودية، لا يملؤه شيء إلا التراب" )).
-يعني فتعود القناعة على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»-.


((حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا المحاربي، عن شعيب بن سليمان، عن محرز بن عمر، عن الحسن قال)): (( "إن الله وله الحمد لا شريك له رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه وما لا يطيقون، وأحلَّ لهم في حال الضرورة كثيراً مما حرم عليهم، وأعطاهم خمساً" )):

  1. (( "أعطاهم الدنيا قرضاً وسألهم إياها قرضاً، فما أعطوه من طيب نفس منهم فلهم به الأضعاف الكثيرة، من العشرة إلى سبعمئة ضعف إلى ما لا يعلم علمه إلا الله تبارك وتعالى، وذلك قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245]" )).
  2. (( "وما أُخذ منهم كرهاً فصبروا واحتسبوا فلهم به الصلاة والرحمة وتحقيق الهدى، وذلك لقوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156-157]" )).
    -يعني الصبر عند المصيبة من أسباب زيادة الهدى في القلب-.
  3. (( "والثالثة: أنهم إن شكروا زادهم، وذلك قوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]" )).
  4. (( "والرابعة: أنه لو عَمِلَ من الخطايا والذنوب حتى يبلغ الكفر ثم يتوب؛ يتوب الله عليه ويوجب له محبته، وذلك لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهُ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]" )).
  5. (( "والخامسة: لو أُعطيها جبريل وميكائيل عليهما السلام وجميع النبيين لكان قد أجزل لهم العطاء حيث يقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}" )).

قوله تعالى: {يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ} [غافر: 71-72]

((حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن ثابت بن يزيد، عن عاصم، عن أبي منصور -مولى تيم، وفيه جهالة- عن ابن عباس)): في قوله: {يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ} قال: (( "يُسحبون في الحميم، فيُسلخ كل شيء عليهم من جلد ولحم وعرق حتى يصير في عقبه، حتى إنَّ لحمه قدر طوله، وطوله ستون ذراعاً، ثم يُكسى جلداً آخر، ثم يُسجر في الحميم" )).
-اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم-.


قوله تعالى: {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [غافر: 76]

  • ذكر أثر يزيد الرقاشي الذي قرأناه اليوم وفي المجلس الماضي لما أُغشي عليه، فتكرر.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل