التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة النور
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]

((حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا يحيى الجريري، عن يحيى الجابر، عن أبي ماجد، عن عبد الله)) -وهو ابن مسعود رضي الله عنه- أنه أنشأ يحدث: (( "أن أول رجل قُطع في المسلمين -من المسلمين- رجل من الأنصار، أُتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: سرق.
فقال: «اذهبوا بصاحبكم فاقطعوه»" )).

(( "وكأنما أسفَّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رماداً" )) -يعني دخل على النبي صلى الله عليه وسلم الضيق- (( "فقال له بعض جلسائه: كأنه قد شق عليك يا نبي الله؟ قال: «وما يمنعني؟ أن تكونوا أعواناً للشيطان! أوَليس ذلك؟ إنه لا ينبغي لوالي أمر أن يُؤتى بحد إلا أقامه»" )).

أراد النبي صلى الله عليه وسلم أنكم لو تركتموه وأخذتم حقكم منه وعفوتم عنه لكان خيراً، أما الوالي فلا يمكنه إذا رُفع إليه الأمر إلا أن يقيم الحد.
وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم نحوها في قصة هزال مع ماعز، قال له: «لو سترته بثوبك يا هزال»، فماعز ذهب إلى صاحبه هزال وأخبره بما فعل، فقال له هزال: "اذهب إلى رسول الله وأخبره ليقيم عليك الحد وتتوب"، فذهب ماعز وأقيم عليه الحد، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى هزال وقال له: «لو سترته بثوبك يا هزال».
الرجل تاب

ثم قال: «والله عفو يحب العفو»، ثم قرأ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
والحديث في سنده جهالة، ولكن مشوه عامة فقراته لها شواهد، والشيخ الألباني قد قواه.


قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]

((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله)) -ابن مسعود رضي الله عنه، وإسناده صحيح إلى عبد الله بن مسعود- في قوله: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: (( "ما ظهر منها: الثياب" )).
يعني ثوبها فقط هو الذي يظهر، ولا يظهر شيء من بدنها، هذا هو القصد.
(( "وما لا تبديه: الخلخال والقلادة ونحوه من الحلي" )).

((حدثنا فضيل، عن خالد، عن يونس، عن الحسن)) في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: (( "الوجه والثياب" )).
وقيل إن هذا كان قبل النسخ، وقيل إن هذه زينتها أمام محارمها؛ فإن للمرأة عورات: عورة أمام الأجنبي (وكلها عورة)، وعورة أمام النساء، وعورة أمام إخوانها وأبيها، ولا عورة لها أمام زوجها.

((حدثنا فضيل، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، عن مسلم، عن سعيد بن جبير)) في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: (( "الكحل والخاتم" )).
يعني ما يبدو من العين شيئاً يسيراً، والخاتم؛ وهذا معناه أن اليد تكون قد غُطيت.

((حدثنا فضيل، قال: حدثنا غَسَّان القشيري، عن مُغَفَّل الجدري، عن عطاء)): قال: (( "الخضاب والكحل والخاتم" )).
-إذاً هذه يد مكشوفة-.


قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]

((حدثنا فضيل، قال: حدثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك)): في قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} قال: (( "تغطي بخمارها نحرها" )).
-وتغطية النحر بأن تسدله من أعلاه حتى يصل إلى النحر-.

وفي قوله: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}؛ قال: (( "تمر بالمجلس فتضرب بالخلخال إحداهن على الأخرى ليعلم أن في رجليها خلخالين" )).
-وهذا يدل بدلالة القياس الأولى أن القدمين عورة-.

((حدثنا فضيل، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: حدثنا عمارة، عن عكرمة)): في قوله عز وجل: {لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} قال: (( "الخلخال" )).
-وصحَّ في الخبر أن المرأة لا تُظهر ذهبها ولا يجوز للأجانب، فمثل هذا إنما يُحمل على ما حكينا لكم-.


قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} و {قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 30-31]

((حدثني الوليد بن شجاع، قال: حدثني عمار بن محمد، عن الأعمش)): في قول الله عز وجل: {يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} قال: (( "أن ينظرن إلى غير أزواجهن" )).
-وهذا اليوم محل تساهل شديد عند الناس؛ نظر النساء خصوصاً لمن يسمون بالمؤثرين وغير ذلك، بل قلة الحياء طغت حتى تُكتب التعليقات على الشكل الخارجي والثناء على وسامة الرجل، ويظنون أن عبادة غض البصر عبادة خاصة بالرجال، ولا حول ولا قوة إلا بالله-.


قوله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37]

((حدثني إسماعيل بن أسد، قال: حدثنا المعلى بن منصور، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثنا دراج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال)): «رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؛ هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله».
-وهذا إسناد مصري ضعيف-.

((حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، قال: حدثنا معلى بن منصور، قال: أخبرني جعفر بن سليمان -الضبعي صدوق يخطئ يتشيع- قال: حدثنا أبو يحيى عمرو بن دينار -وهذا عمرو بن دينار الضعيف ليس بالثقة اسمه نفس اسم الثقة-)): قال: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فنظر إلى السوق وقد خَمّروا متاعهم وقاموا إلى الصلاة؛ فتلَى سالم -أعجبه ذلك-: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}؛ قال: (( "هم هؤلاء" )).
-أبو داود السجستاني ذكر عن شيخ له صائغ يعمل بالصياغة يقول: كان إذا سمع المؤذن وفي يده المطرقة لا ينزلها لو كان رافعها، بل يدفع المطرقة ويذهب إلى الصلاة-.


قوله تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37]

((حدثنا حمزة بن العباس، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة)) -وهذا إسناد كله أئمة-: قال: كنا عند عبد الله بن مسعود فأُتي بشراب فقال ناوله القوم، فقالوا: (( "نحن صيام" ))؛ فقال: (( "ولكني لستُ بصائم" )).
ثم قرأ: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}.
-يعني يثني عليهم أنهم صائمون، وعبد الله بن مسعود كان يُقل الصيام لأنه يضعف بدنه فكان يقول: "أنا لا أصوم حتى أتقوى على القراءة"-.


قوله تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61]

((حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سفيان بن حبيب، عن عمرو، عن الحسن)):

عمرو هذا هو عمرو بن عبيد المعتزلي.

قال: (( "يأكل الرجل من منزل صديقه حتى ينهاه، ثم قرأ: {أَوْ صَدِيقِكُمْ}" )).

وهذا المعنى وارد عن كثير من السلف؛ أنك إذا أتيت لصديق وتعرفه وكان هناك متاع موجود فلا تحتاج أن تستأذن إلا أن ينهاك؛ لأن هذا عُرف الناس.

وكان الأنصار يُدعون إلى الطعام فكانوا يتحرجون ويقولون: "أعطِه فقيراً، أعطِه كذا"، حتى أنزل الله عز وجل لهم الإذن أن كلوا من بيوت إخوانكم والصدقة لها باب آخر، فمرات تستغرب تقول لماذا النص عليها؟ ظهر أنه سبحان الله لما تقرأ في السير أن الأنصار من شدة إيثارهم كانوا يتحرجون أن يأكلوا عند بعضهم البعض ويقولون: "يا أخي بدل أن تدعوني أعطِ فقيراً"، فسبحان الله.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل