سورة النساء
((قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17])).
حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن السائب (كذاب مع الأسف)، عن أبي صالح باذام، عن ابن عباس في قوله: {يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} قال: "عمله الذنب من جهالته" (يعني كل ذنب جهالة حتى لو كنت تعرف أنه حرام).
{ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} قال: "التوبة قبل الموت في صحته".
وكل توبة قبل الموت هي من قريب.
((قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24])).
حدثنا نهار بن عثمان الليثي، قال: حدثنا عمر بن علي، عن سفيان بن حسين، قال: سمعت رجلاً يسأل الحسن والفرزدق عنده.
عند قول الله تبارك وتعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فقال الفرزدق: "تسال أبا سعيد وقد قلت بذلك شعراً؟"، فقال له الحسن: "وما قلت؟"، قال: قلت: "وذات خليلٍ أنكحتها رماحنا .. حلالاً فمن يبني بها لم يطلقِ"
فتبسم الحسن ولم يزد عليه.
(يحل السبايا بملك اليمين من غير أن يطلقهن أزواجهن بشرط أن يكنّ كتابيات أما إذا أسلموا الحل).
((قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29])).
حدثني سهل بن شبيب، عن إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} قال: "لا تغفلوا عن أنفسكم"، ثم قال: "من غفل عن نفسه فقد قتلها".
(يعني إذا غفلت عن مصلحة نفسك وأخذتها إلى عذاب الله فكأنك قتلتها).
((قوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32])).
حدثنا أحمد بن مقدام العجلي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد (إسناد بصري ثقات قوي جداً).
أن محمد بن سيرين كان إذا سمع الرجل يتمنى شيئاً من أمر الدنيا (بيتاً، سيارة...) قال: "قد نهاكم الله عن هذا ودلكم على ما هو خير منه: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} إلى آخر الآية".
وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا هو المجلس الثالث من "كتاب التفسير" من كتب ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى.
يقول المصنف رحمه الله -ابن أبي الدنيا في كتابه "كتاب العيال"-:
حدثنا أحمد بن جميل المروزي، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: حدثنا محمد بن سوقة، عن إبراهيم.
في قوله تعالى: ((وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)) [النساء: 36]، قال: "المرأة".
وهذه وصية بالمرأة، وكتاب "العيال" لابن أبي الدنيا يريد بالعيال من تعول؛ كما في الحديث: «كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يعول».
وهذا إسناده صحيح إلى إبراهيم النخعي رحمه الله الفقيه الكوفي الشهير، وهو تابعي لأنه دخل على عائشة رضي الله عنها وهو صغير، وإلا عامة رواياته عن تلاميذ عبد الله بن مسعود وهم من التابعين، كخاله الأسود وعلقمة وغيرهم.
وبه -أي بالإسناد إلى ابن المبارك- قال: أخبرنا شعبة، عن هلال الجهني (الوزان)، عن ابن أبي ليلى.
وابن أبي ليلى هنا هو الوالد (عبد الرحمن بن أبي ليلى)، وهو تابعي كبير ثقة، أما ابنه (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى) ففقيه ضعيف في الحديث.
في قوله تعالى: ((وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)) قال: "المرأة".
((قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40])).
حدثنا علي بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، قال: سمعت ذاذان يقول: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
"يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة، فينادى به على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأتِ إلى حقه.
فتفرح المرأة أن يذوب لها الحق على أبيها أو على أخيها؛ {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101]".
"فيغفر الله من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق العباد شيئاً -طبعاً إلا الشرك ولهذا حقوق العباد هي في الأساس هي حق لله فيها مدخل للعبد- فينصب للناس فيقول: ائتوا إلى حقوقكم.
فيقول: يا رب، فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم حقوقهم؟ قال: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق بقدر طلبته".
وهذا كحديث "المفلس"؛ أنه يؤخذ من حسناته.
قال: "فإن كان ولياً لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة".
يعني ولي الله يأخذ الناس من حسناته لمظلمة ظلمها، فلا يكون مفلساً بل يبقى له شيء قليل، وهذه الذرة التي تبقى يضاعفها الله عز وجل.
ويبدو لي -والله أعلم- أن هذا هو مأخذ حديث «لم يعملوا خيراً قط»؛ أي أنهم لم يعملوا خيراً ينفعهم لأن الحسنات أكلتها الحقوق، لا أنهم لم يعملوا حسنات البتة.
وهذا مأخذ حديث "البطاقة" حين يقول العبد "لا حسنة لي"؛ لأنه رأى أن حسناته قد أكلتها الحقوق.
ثم قرأ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}.
"وإن كان عبداً شقياً، قال: يا رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، قال: خذوا من سيئاتهم فاضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكّوا له صك إلى النار".
والإنسان الذي حسناته كثيرة جداً هو من يكثر الاستغفار للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، ومن يتمنى الخير لأهل الإسلام جميعاً، فهذا يكون ثوابه بعددهم، ولا يمكن أن يكون قد ظلم كل هؤلاء الناس.
((قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41])).
- قال: حدثنا زهير بن حرب (أبو خيثمة)، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن حسين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، عن أبي حيان، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
- وهؤلاء ثقات رجال الصحيح، والخبر أصله في الصحيحين.
- قال: قال لي النبي ﷺ: «اقرأ عليَّ»، قلت: أليس تعلمتُ منك يا رسول الله؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري».
- قال: "فقرأتُ عليه سورة النساء، حتى إذا بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، فاضت عيناه ﷺ".
وهذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه "الرقة والبكاء".
((قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43])).
حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي، قال: حدثنا بشر بن مفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم (صدوق له أوهام)، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: حدثني ذكوان.
أن ابن عباس رضي الله عنهما جاء يستأذن على عائشة رضي الله عنها وهي في الموت، قال: فجئت وعند رأسها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (ابن أخيها)، فقلت: "هذا ابن عباس يستأذن عليكِ"، قالت: "دعني من ابن عباس فلا حاجة لي به ولا بتزكيته" -علمت أنه سيزكيها حتى تلقى الله محسنة الظن به- فقال عبد الله: "يا أمتاه، إن عبد الله من صالح بنيكِ، ويريد أن يسلم عليكِ"، قالت: "فائذن له إن شئت".
قال: فجاء ابن عباس فقعد فقال: "أبشري؛ فوالله ما بينكِ وبين أن تفارقي كل نَصَبٍ وتلقين محمداً ﷺ والأحبة إلا أن يفارق روحك جسدك".
هذه مواساة عظيمة؛ يخبرنا أنها ستلقى الأحبة بمجرد خروج الروح.
قالت له: "قل لي المزيد من كلامك الطيب هذا"، قال: "كنتِ أحب نساء رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ، ولم يكن يحب رسول الله ﷺ إلا طيباً.
سقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله ﷺ يلتقطها -وهي سبب نزول آية التيمم- وأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله عز وجل: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، فكان ذاك من سببك وما أنزل الله لهذه الأمة من الرخص.
ثم أنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات (آيات سورة النور)، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يُذكر الله فيه إلا وبراءتك تتلى فيه آناء الليل وآناء النهار".
فقالت: "دعني منك يا ابن عباس، والله لوددت أني كنت نسياً منسياً".
تواضعت رضي الله عنها، والإسناد صحيح، وهذه الرواية وردت في "براءة السلف من عقيدة التفويض" وفي الصحيح المسند من أثر ابن عباس الجليل.
((قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكُ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48])).
حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا إسرائيل بن يونس، عن أبيه (يونس بن أبي إسحاق)، عن جده (أبي إسحاق السبيعي).
وإسرائيل أوثق من أبيه في جده.
عن علي رضي الله عنه -وأبو إسحاق لم يدرك علياً لكنه سمع من جماعة من تلاميذه وهو همداني وهمدان أصحاب علي فكان ابن إسحاق يروي عن عاصم بن ضمرة عن علي أو أبي جحيفة عن علي أو الحارث الأعور عن علي وكثير - قال: "أحب آية في القرآن إليّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكُ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}".
(رواه ابن أبي الدنيا في "حسن الظن بالله").
أنبأنا أحمد بن محمد بن أبي بكر (أبو عمر الحوضي)، قال: حدثنا مسكين بن عبد الله أبو فاطمة (هذا مسكين فعلا ضعيف الحديث)، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله المزني (تابعي جليل).
في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكُ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} قال: "ثُنيَا ربنا على جميع القرآن"؛ يعني استثنى كل الوعيد الذي في القرآن وخصصه بهذه الآية { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } …، فكل وعيد متعلق بالمشيئة إلا الشرك.
((قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]))
حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا ابن عُلية (إسماعيل بن إبراهيم)، قال: حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
(وتفسير ابن أبي نجيح عن مجاهدٍ مَاضٍ وهو تفسير صحيح، واحتج به عامة الأئمة، ولا يغرنَّك كلام المحقق).
في قوله: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}، قال: "أولو العقل والفقه في الدين، في دين الله عز وجل".
قد يقول قائل: "أولو الأمر هم ولاة الأمر"، فنقول: ولاة الأمر لا يُطاعون في معصية، ومن يحدد لك الطاعة من المعصية؟ أليسوا أهل الفقه والعلم؟ وقال مجاهد "أهل العقل والفقه" لأن السياسة تحتاج إلى عقل ورأي وفقه في الدين؛ فعقل بلا دين يذهب بأديان الناس وربما كان فتنة لهم، ودين بلا عقل وضبط قد يأخذ الناس إلى التشديدات، ولا يفهم متى تبيح الضرورات المحظورات، ومتى تُرجح المصلحة، وكيف يُتدرج بالناس في بعض المواطن.
((قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59])).
حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا ابن عُليّة(إسماعيل بن إبراهيم)، قال: حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
(تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد صحيح واحتج به الأئمة ولا يضرنك كلام المحقق).
في قوله: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} قال: "أولي العقل والفقه في دين الله عز وجل".
أهل الفقه هم من يحددون الطاعة والمعصية، واجتماع العقل والدين ضروري للسياسة؛ فعقل بلا دين فتنة، ودين بلا عقل قد يشدد على الناس ولا يفهم الضرورات والمصالح.
((قوله تعالى: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69])).
حدثنا أحمد بن أيوب، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يمرض إلا خُيّر بين الدنيا والآخرة».
قالت: فلما كان في مرضه الذي قُبض فيه أخذته بحّة شديدة فسمعته يقول: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ»، فعلمتُ أنه قد خُيّر.
وفي رواية قالت: "إذاً لا يختارنا".
حدثنا أحمد بن جميل، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم قال: "أُغمي على المسور بن مخرمة رضي الله عنه ثم أفاق فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وصَلُّ اللهِ أحب إليّ من الدنيا وما فيها، عبد الرحمن بن عوف في الرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم.. وعبد الملك والحجاج يجران أمعاءهما في النار".
(وهذا خبر ثابت، ويبدو أنه كان يرى شيئاً أو يسمع من الملائكة، فذكر عبد الرحمن بن عوف -وقد مات قبله بكثير- ثم ذكر عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف أنهما يجران أمعاءهما في النار، وقد كانا ظالمين مشهورين بالتعدي).
حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا وكيع، عن مسعر بن كدام، عن سعد بن إبراهيم (إسناد صحيح).
قال: مرَّ رجل يوم القادسية وقد قُطعت يداه ورجلاه وهو يضحك ويقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}، فقيل: ممن أنت رحمك الله؟ قال: "امرؤ من الأنصار".
(رواه ابن أبي الدنيا في "الصبر").
- ويذكر ابن القيم قصة عن امرأة عابدة جُرحت رجلها فضحكت وقالت: "حلاوة أجرها أنستني مرارة ألمها"، وهذا أبلغ بكثير؛ ففي معركة القادسية قبالة الفرس، قُطعت يداه ورجلاه وهو يضحك لما علم من اقتراب موته ورؤيته لمقعده، وهو يتلو هذه الآية.
((قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86])).
قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، قال: حدثنا حسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال: "من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسياً؛ ذلك لأن الله عز وجل يقول: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}".
رواية سماك عن عكرمة فيها ضعف؛ سماك احتج به مسلم ولم يحتج به البخاري، وعكرمة احتج به البخاري ولم يحتج به مسلم، غير أن المعنى صحيح.
((قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110])).
حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا شيبان، عن نعيم بن أبي هند، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(وهو الأثر الذي ذكرناه في المجلس الماضي ونقرؤه للفائدة): قال: "إني لأعلم آيتين في كتاب الله لا يقرأهما عبد عند ذنب يصيبه ثم يستغفر الله إلا غفر له".
قلنا: آيتين في كتاب الله؟ فلم يخبرنا، ففتحنا المصحف (الأسود وعلقمة وهما من خيار التابعين)، فقرأنا البقرة فلم نصب شيئاً، ثم قرأنا النساء -وهي في تأليف عبد الله قبل آل عمران- حتى انتهينا إلى هذه الآية: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}، قلت: أمسك هذه!
ثم انتهينا في آل عمران إلى قوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]، ثم أطبقنا المصحف وأخبرنا بهما عبد الله، فقال: "هما هاتان".
((قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114])).
حدثنا إسحاق بن إسماعيل وسعدويه وغيرهما، قالوا: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس.
قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، فدخل عليه سعيد بن حسان، فقال سفيان: "الحديث الذي حدثتني عن أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت: قال النبي ﷺ: «كل كلام ابن آدم هو عليه لا له؛ إلا أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو ذكراً لله»".
(كل كلام ابن آدم عليه لأنه إما إثم، وإما كلام مباح يكون عليه حسرة يوم القيامة يقول ليتني جعلته ذكراً لله).
فقال رجل: "ما أشد هذا الحديث!".
فقال سفيان: "وأي شدته؟! أليس الله يقول: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38]؟ أليس الله يقول: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}؟ أليس الله يقول: { وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥۤ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰۤ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُوا۟ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِیُّ ٱلۡكَبِیرُ } [سَبَإٍ: ٢٣]".
وهذا فيه بينة أن الحديث في نفسه عن رسول الله ﷺ ضعيف، ولكن له شواهد كثيرة في كتاب الله عز وجل.
((قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123])).
حدثنا إبراهيم أبو إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن زياد بن الربيع قال: قلت لأبي بن كعب: آية في كتاب الله قد أحزنتني، قال: ما هي؟ قلت: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} قال: "ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى! إن المؤمن لا تصيبه عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر".
إذاً؛ الجزاء ليس مقصوراً على يوم القيامة، بل يجزى به في الدنيا؛ بهمٍّ، أو غمٍّ، أو شوكة يشاكها، أو بمرض، وهذا كله يكفر عنه ذنوبه.
بل إن المرء إذا مرّ به الوقت دون ابتلاء فذلك استدراج، نعوذ بالله.
حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها.
قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشدَّ آية في القرآن.
فقال: «ما هي يا عائشة؟» قالت: هي هذه الآية: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]. قال: «هو ما يصيب العبد المؤمن، حتى النكبة ينكبها».
والحديث روي عن ابن أبي مليكة في صحيح البخاري بلفظ آخر، وهو قولها: «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، قلت: يا رسول الله.. (رواية العرض المشهورة)، فيبدو أن الراوي هنا أخطأ وأدخل رواية على رواية.
حدثنا إبراهيم بن راشد، قال: حدثنا حجاج بن منهال وأبو ربيعة، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية أنها سألت عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284]، والآية: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123].
فقالت عائشة: "ما سألني أحد منذ سألتُ رسول الله ﷺ، فقال لي: «يا عائشة، هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب الأحمر من الكير»".
الحديث إسناده لا يصح لكن معناه صحيح بلا ريب؛ فعامة ما يصيب العبد من مصيبة -حتى المصائب المعنوية من هم وغم- فإن الله عز وجل يكفر بها عن ذنوبه.
حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير (رجاله ثقات إلا أبا بكر هذا مجهول الحال).
قال: "قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}؟ فقال النبي ﷺ: «ألسنت تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست يصيبك الأذى؟ فذاك الذي تُجزى به»".
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬