التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة النحل
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] إلى قوله {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10]

((حدثنا يوسف، قال: حدثنا وكيع، قال: أنبأنا سفيان، عن خصيف)) -وخصيف ضعيف، ولكن هذا موقوف- ((عن عكرمة، عن ابن عباس: {شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} قال: «ترعون»)).

أي: قال ترعون؛ يعني ترعون أنعامكم، ثم تشربون من ألبان هذه الأنعام، وتأكلون من ألبان هذه الأنعام، فالله عز وجل ينزل المطر فينبت الشجر، فنتغذى على الشجر وأنعامنا تتغذى، ونحن نتغذى على أنعامنا، كلها بركات من الله عز وجل.


قوله تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23]

((حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر)) -ومسعر هلالي، وسفيان هلالي، وبهذه العلاقة بينهما أن كلاهما من نفس القبيلة- قال: ((مر الحسين بن علي)) -وهذا منقطع، مسعر ما أدرك الحسين رضي الله عنه، ولكن مثل هذا أمره هين في الموقوفات- ((مر الحسين بن علي رضي الله عنهما على مساكين وقد بسطوا كساءً بين أيديهم فيه كِسَر، فقالوا: هلم يا أبا عبد الله)).

بسطوا كساءً وفي الكساء كِسَرُ طعامٍ يأكلونها فعزموه، قالوا: هلُمَّ يا أبا عبد الله على هذا الشيء اليسير، فحول وركه وقرأ: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}، فأكل معهم.

«ما استكبر من أكل مع خادمه»، وابن عمر كان لا يجلس على إفطاره إلا ومعه مساكين، والنبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، وحب المساكين».
وأوصى أبا ذر فقال له: «وجالس المساكين».
فهذه براءة من الكبر.

((فأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني.
فقال للرباب -يعني امرأته-: أخرجي ما كنت تدخرين)).

نعم، وهذا الخبر روي بإسناد قوي آخر في "مكارم الأخلاق" للطبراني من طريق عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، وهذا سند قوي.


قوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25]

((حدثنا حمزة)) -هذا ابن العباس- ((قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان)) -هذا عبدان- ((قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا رجل، عن زيد بن أسلم)) -وزيد بن أسلم من علماء التابعين الفضلاء من أهل المدينة، وأبوه أسلم مولى عمر بن الخطاب- ((أنه بلغه أنه يمثل يوم القيامة)) -والمولى العبد المعتق، وكان خادماً لعمر- ((أنه يمثل يوم القيامة للمؤمن عمله في أحسن صورة؛ أحسن ما خلق الله وجهاً وثياباً وأطيبه ريحاً، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء آنسه، وكلما تخوف شيئاً هون عليه)).

تشكل العمل الصالح بصورة حسنة، وارد أنه في القبر ولكن هنا جعله يوم القيامة، ((فيقول: جزاك الله من صاحب خير، من أنت؟ قال: أوما تعرفني؟ وقد صحبتك في دنياك وفي قبرك، أنا عملك والله كان عملك والله حسناً فلذلك تراني حسناً، وكان طيباً فلذلك تراني طيباً، فاركبني؛ فطالما ركبتك في الدنيا)).

فهو قوله: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 61]، حتى يأتي به إلى ربه فيقول: ((يا رب، إن كل صاحب عمل في الدنيا قد أصاب في عمله، وكل صاحب تجارة قد أصاب بتجارته، غير صاحبي قد شغل في نفسه.
فيقول الرب: فما تسأل له؟ فيقول: المغفرة والرحمة أو نحو هذا.
فيقول: فإني قد غفرت له.
ثم يكسى حلة الكرامة، ويجعل عليه تاج الوقار فيه لؤلؤة تضيء من مسيرة يومين، ثم يقول: يا رب، إن أبويه قد شغل عنهما وكل صاحب عمل وتجارة، وقد كان يدخل على أبويه من عمله وتجارته، فيعطيا مثل ما أعطي ويمثل للكافر في صورة أقبح ما خلق الله وجهاً وأنتنه ريحاً، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعاً، وكلما تخوف شيئاً زاده خوفاً، فيقول: بئس الصاحب أنت.
فقيل: أما تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك، كان قبيحاً فلذلك تراني قبيحاً، وكان منتناً فلذلك تراني منتناً، طأطئ لي حتى أركبك؛ فطالما ركبتني في الدنيا، فيركبه))، وهو قوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.
وهذا الخبر في سنده إبهام.

((حدثنا يوسف، قال: حدثنا عمرو بن حمران)) -عمران بن حمران؛ عمرو بن حمران عفواً- ((عن سعيد)) -سعيد بن أبي عروبة- ((عن قتادة: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النحل: 25] قال: "ذنوبهم وذنوب الذين يضلونهم بغير علم")).

وهذا في معنى الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من تبعه عليها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً».


قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [النحل: 38]

((حدثنا أبو حفص الصيرفي، قال: بلغني أن عمر بن ذر)) -وعمر بن ذر هذا كان واعظاً صاحب مواعظ قوية ومبكية، غير أنه كان رأساً في الإرجاء، وهذا من عجائب الأمور- ((كان إذا تلا: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} قال: "ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن من يموت، أتراك تجمع بين المرأين المقسمين في دار واحدة؟")).

قال أبو بكر: إي، «أتراك تجمع بين المرأين المقسمين في دار واحدة؟» يعني ما يجعل المجرم كالمسلم.
قال أبو بكر: ((وبكى أبو حفص بكاءً شديداً)).
وأبو حفص هذا هو شيخ ابن أبي الدنيا، حدثه بهذا الأثر وجلس يبكي.


قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]

((حدثنا الحسين بن علي العجري، قال: حدثنا حسين بن علي الجعفي)) -وهذا ثقة مسند كوفي- ((قال القاسم بن وليد الهمداني في قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال: "هو الكسب الطيب")).

((حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا مطرف بن مازن، عن محمد بن أيوب الصنعاني، قال: سمعت وهب بن منبه في قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال: "القنع")) -يعني القناعة-.

وهذا تفسير مشهور عن السلف؛ أن الحياة الطيبة هي القناعة، فإن الإنسان إذا قنع في شيء عظم في عينه.
وأما الإنسان الطامع فإنه مهما أنعم الله عز وجل عليه من شيء استصغره وسخطه، فتصير النعم عليه وبالاً، يأتيه الشيء فيقول: لو كان كذا، لو كان كذا، لو تأتيه النعمة فهو يجعلها وبالاً، يقول: لو كانت أكثر، لو كان كذا، طيب لمَ فلان هو أكثر مني؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال محمد بن كعب في قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال: «القناعة».

أما القنوع فيقول: "الحمد لله"، ينظر إلى من هو دونه ويقول: "أنا عندي شيء ليس عند غيري، الحمد لله، أين كنا؟ وأين صرنا؟ الحمد لله".
يحمد الله عز وجل فيكون له الأجر في الآخرة على حمده، وأيضاً يكون له طيب النفس في الدنيا؛ نفسه تكون طيبة لا يحسد، فالحسود تراه مغتاظاً لأن الناس في خير، ولله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله.
هل يجتمع الحسد مع القناعة؟ لا أبداً، الحاسد يستقل ما عنده ويستكثر ما عند الناس، ويصير حسوداً شحيحاً.

((حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثني عمرو بن أسلم العابد، قال: سمعت معاوية الأسود في قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} قال: "الرضا والقناعة")).

وابن أبي الدنيا له كتاب "الرضا عن الله بقضائه"، وجماعة من السلف ألفوا مؤلفات في القناعة خاصة مفردة، مثل ابن السني له كتاب في "القناعة"؛ لأن هذا باب عظيم وجليل وينبغي أن يلقن للناس.


قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99]

((حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن سفيان الثوري: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} قال: "ألَّا يحملهم على ذنب لا يغفر")).

ما يستطيع الشيطان حتى لو أوقعك في الذنب ما له عليك سلطان حتى تقع في الشرك، هنا أنت تجعل له عليك سلطان، أما ما دون ذلك من ذنب فأنت قد تستغفر فيغفر، وقد تتوب فيغفر، وقد يغفر الله عز وجل لك بالحسنات المكفرة.


قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127]

((حدثنا محمد بن حسين، قال: حدثنا داود بن المحبر)) -وهذا ابن المحبر كذاب مشهور بالكذب، لكن أخباره جميلة- ((قال: سمعت أبي المحبر بن قحذم يقول: لما مُثِّل بالشجاء صبرت)).

هذه يبدو أنها امرأة مُثِّل بجسدها وجعلت تعزي نفسها بالقرآن وتقول: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}، كانت تعذب وتقول: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}، ثم قالت: "لئن كنت على بصيرة من أمري إن هذا لقليل في جنبي عظيم ما أطلب من ثواب"، فما تكلمت بغير هذا حتى ماتت.

وهذا معنى جليل، اليوم كثير من الناس الذين يسلط الله عز وجل عليهم ظلماً -رأينا ما حصل في سوريا والناس الذين هناك- فسبحان الله كثير من الناس نشفق عليهم، وربما يمشي أحدهم وليس عليه ذنب بسبب ما أصابه من هذا إن كان صبر ورضي، والصبر واجب والرضا مستحب.


قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]

((حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي، قال: حدثنا حزم بن أبي حزم، قال: سمعت الحسن)) -وهذا إسناده صحيح، الحسن البصري- قال: ((إن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة، فقال له أهله: أوصِ يا فلان، عندك وصية ميت لها الثلث؟ فقال: "انظروا خاتمة سورة النحل فاستوصوا بها خيراً: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}")).

هذه وصيته لهم، ما شاء الله وصية جليلة.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل