سورة المطففين
قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]
((حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر)) -عبيد الله العُمري هذا من الثقات الأثبات، وعنده أخوه عبد الله ضعيف- ((عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم)): -وهذا إسناد صحيح قوي، والحديث في الصحيحين-؛ في قوله: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ قال: «يقوم أحدهم في رَشْحِهِ إلى أنصاف أذنيه» -يعني في العرق-.
-واستُثني من ذلك الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والمؤمن في ظل صدقته يوم القيامة، وذكر سبعة أصناف.
وصح عن أبي موسى الأشعري أنه قال: "المؤمنون تظلهم أعمالهم"، وعمّمها على الأعمال، طيب-.
((حدثنا حمزة بن العباس، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، قال: أنبأنا عنبسة بن سعيد، عن محارب، عن ابن عمر)): -وهذا إسناد قوي إلى ابن عمر-؛ في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ قال: (( "يقومون مئة سنة" )).
-ولهذا يذهبون إلى الأنبياء لفصل القضاء من طول المقام عليهم-.
((حدثني حمزة، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، قال: حدثنا محمد بن يسار، عن قتادة)): قال: ذُكر لنا أنَّ كعباً -قتادة ما أدرك كعباً، متقدم الوفاة جداً- كان يقول: (( "يقومون ثلاثمئة سنة" )).
((حدثنا يوسف، قال: حدثنا أبو خالد، عن رجل من أهل الطائف، عمَّن حدثه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص)) -إسناد هذا فيه جهالة، هو طبعاً في الطائف عبد الله بن عمرو بن العاص كان عنده عند (الوهط) بستان هناك- ((عن النبي صلى الله عليه وسلم قال)): «يقومون ألف عام في الظلمة».
-وهذا حديث ظاهرٌ أنَّ في إسناده جهالة-.
قوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المطففين: 10]
((حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد)): -نبهنا مراراً أنها سلسلة ضعيفة- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويلٌ: وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره».
((حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار)): -وهذا إسناد قوي؛ الإسناد في بدايته مصري (عبد الله بن يزيد مصري وسعيد مصري)، ومحمد بن عجلان مدني ثم انتقل إلى المدينة، وعطاء بن يسار تابعي من الثقات من أهل المدينة-؛ قال: (( "ويل: وادٍ في جهنم لو سُيِّرت فيه الجبال لماعت من حرها" )).
-وهذا إسناد قوي له-.
((حدثني حمزة بن العباس، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك)) -وهذا إسناد كتاب الزهد- ((قال: أنبأنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض)): -وهذا قوي بالجملة-؛ قال: (( "ويل: فسيلٌ في أصل جهنم" )).
قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]
((حدثني سريج بن يونس، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن عاصم -هذا الأحول- قال: سمعتُ الحسن)): -وهذا إسناد صحيح للحسن-؛ في قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ قال: (( "أتدرون ما الرَّانُ؟ الذنب بعد الذنب، والذنب بعد الذنب، حتى يموت القلب" )).
-لا إله إلا الله-.
((حدثني عبد الله بن أبي بدر، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا محمد بن عجلان، قال: حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال)): «إنَّ العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب صُقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يتسوَّد قلبه، فذلك قول الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}».
-وهذه من مفردات ابن عجلان، وقد خُولف في بعض متنه-.
قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المطففين: 15-17]
((حدثنا يعقوب بن إسحاق، قال: سمعتُ ابن حماد يقول: سمعتُ ابن المبارك يقول)): (( "ما حجب الله أحداً عنه إلا عذبه" ))، ثم قرأ: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}؛ قال: (( "بالرؤية" )) -يعني تكذبون بالرؤية-.
-نزّل الآية على أهل التجاهم.
ويقول أنس: "مَن لم يؤمن بالحوض لم يشرب منه"، وكذلك مَن لم يؤمن برؤية الله عز وجل ولم يؤمن أنَّ لله وجهاً كافرٌ بالله تبارك وتعالى-.
قوله تعالى: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} [المطففين: 25]
((حدثنا داوود بن عمرو، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله)): -وإسناد كوفي صحيح، وهذا عبد الله بن مسعود-؛ في قوله تعالى: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ}؛ قال: (( "الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون عاقبتها ريح المسك" )) -يعني في آخرها-.
قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]
((قال حدثني حمزة بن العباس، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، عن رجل، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الدرداء)): -عبد الرحمن هذا ما سمع من أبي الدرداء-؛ في قوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ}؛ قال: (( "هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به أشربتهم، لو أنَّ رجلاً من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها؛ لم يبقَ ذو روح إلا وجد ريحها" )).
((حدثنا حمزة، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، عن سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن يزيد بن معاوية، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود)): -وهذا إسناد قوي، وهذا كوفي، واسم يزيد بن معاوية هذا من الطرائف!-؛ في قوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ}؛ قال: (( "خِلطه مسك، وليس بخاتم يختم به" )) -يعني ختامه مسك أي خلطه المسك-.
((حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن يونس)) -هذا أحمد بن عبد الله بن يونس، كوفي سني- ((قال: حدثنا أبو بكر بن عياش)) -وهذا العابد الزاهد المشهور صاحب القراءة وصاحب الرواية-؛ في قوله: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}؛ قال: (( "فليبادر المبادرون" )).
قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 27-28]
((حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: أنبأنا عمران بن عيينة، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح)): في قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}؛ قال: (( "صرفاً، ويُمزج لسائر أهل الجنة" )).
-يعني هذه العين يشرب منها المقربون شراباً صرفاً وهي أعلى شيء، وأما البقية فلا يكمل الكأس منها وإنما يمزج من غيرها ممن هو دونها؛ لأن الناس يتفاوتون.
وقيل: هذا لمَن حقق؛ إذا أنت خلطتَ (عملاً صالحاً وآخر سيئاً) خُلط عليك، وإن كنت صرفاً في السنة، صرفاً بتقوى الله عز وجل؛ صُرفت لك العين-.
((حدثني حمزة بن العباس، قال: أنبأنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، قال: أنبأنا سفيان، عن منصور، عن مالك بن الحارث)) -وهذا تابعي كوفي ثقة-: قال في قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}؛ قال: (( "عيناً يشرب بها المقربون صرفاً، ويُمزج فيها لأصحاب اليمين" )).
-المقربون كما قلنا، وأما أصحاب اليمين فدونهم-.
((حدثني هارون بن سفيان، قال: حدثنا محمد بن عمر، عن ابن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهل، عن عوف بن الحارث بن أبي الطفيل -ابن أخي عائشة- عن كعب)): في قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ}؛ قال: (( "نهرٌ يتسنم على الغرف" )) -يعني يدخلها بلا أذية- نعم.
قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين: 34-36]
((حدثنا حمزة بن العباس، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: أنبأنا ابن المبارك، قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح)) -الكلبي متهم، وهذا تفسير أبي صالح باذان وهو ضعيف-: قال في قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}؛ قال: (( "يُقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، ويُفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فُتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها غُلقت دونهم؛ فذلك قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}" )).
-كأنه يقول: وأيضاً يستهزئ منهم المؤمنون حين غُلقت دونهم فذلك-.
تتمة قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين: 34-36]
((حدثني حمزة، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن يسار، عن قتادة)): في قوله: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}؛ قال: (( "ذُكر لنا أنَّ كعباً كان يقول: إنَّ ما بين الجنة والنار كِوىً" )) -الكِوى: الفتحات، اللي نسميه اليوم (الدريشة)، فتحة في الجدار يطَّلع منها أهل البيت على ما هو في الخارج-.
(( "فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوٍّ كان له في الدنيا اطَّلع من بعض تلك الكِوى" )).
-قال الله عز وجل في آية أخرى: {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 55]، يعني هذا أيضاً مما تُشفى به نفوس المظلومين والمقهورين؛ أن يروا مَن فَعَل بهم يُعذَّب في النار هكذا-.
قال: (( "ذُكر لنا أنه واذ ذاك اطَّلع فرأى جماجم القوم تغلي" )).