سورة الفرقان
قوله تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا} [الفرقان: 13]
((حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا إسحاق بن منصور بن حيان الأسدي، عن عقبة بن إسحاق، عن أبي شراع، عن يحيى الجزار)) في قوله تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا} قال: (( "أضيق من الرمح في الزُّج أو كضيق الزُّج في الرمح")).
((حدثنا حمزة بن العباس، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا مبارك، قال: قال محمد بن يسار، عن قتادة)): {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا} قال: (( "ذُكر لنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزُّج على الرمح" )).
قوله تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 13]
((حدثني محمد، قال: حدثنا يونس بن يحيى أبو نباتة، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة)) -وهذا قبل أن يصير خليفة كان أمير المدينة-: (( "وقرأ عنده رجل: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا}، فبكى حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه، فقام من مجلسه فدخل بيته وتفرق الناس" )).
هذا وهو أمير وفي بيت أمراء، ولكنه يعمل حساباً للآخرة ويخشى الله ويتقيه، ويعلم أن تلك النعمة الممدودة في الدنيا التي يراها لها حساب عند الله تبارك وتعالى.
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20]
((حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، قال: تلا عمر بن عبد العزيز هذه الآية: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}، فقال عمر: "جُعل بعضكم لبعض فتنة فاصبروا" )).
وكيف يكون بعضنا لبعض فتنة؟ الفقير يرى الغني فيُفتن بحاله، وربما يحسده، وربما يتمنى ما عنده، وربما يحمله ما يريده من محاكاته على الدخول في الحرام.
والغني يرى الفقير فيستكبر ويقول: "أنا أعلى منه، أنا خير منه"؛ فهذه هي الفتنة.
واليوم في مواقع ما يسمى "مواقع التواصل الاجتماعي" -ويصح أن تسمى مواقع التباهي الاجتماعي- فالكل يتباهى، وتجد المرء ينظر إلى الآخرين وهم يتباهون فيحتقر نفسه، وهنا يدخل عليه الشيطان يميناً وشمالاً، ويُسخطه فيما هو فيه من نعمة وخير لأنه رأى عند غيره شيئاً، وهذا الغير إنما أظهر له شيئاً يسيراً بعينه؛ فهذه من ضمن الفتنة.
قوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان: 38]
((حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قيل للربيع بن خثيم)) -هذا التابعي الكوفي المشهور العابد الذي كان ابن مسعود إذا رآه يقول: "وبشر المخبتين"-: "ألا ندعو لك طبيباً؟" (( "فنظر ثم تفكر فقال: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا}، فذكر من حرصهم على الدنيا ورغبتهم فيها، وقال: قد كان فيهم مرضى وكان فيهم أطباء، فما أرى المداوي بقي ولا المتداوي هلك، الناعت والمنعوت له" )).
وهو هنا رحمه الله يعظ نفسه.
((حدثنا الحسين بن عبد الرحمن أبو محمد البزار القاسم بن هاشم، عن أبي عبد الله اليماني، عن أبيه: أن الحسن كتب إلى مكحول)) -عالم البصرة كتب إلى عالم الشام، وكان له نعي، أي مات له إنسان قريب-:
(( "واعلم رحمنا الله وإياك يا أبا عبد الله أنك اليوم أقرب إلى الموت منك يوم نُعِيَ لك، ولم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار وتقريب الآجال.
هيهات هيهات! قد صحبا نوحاً وعاداً وثمود وقروناً بين ذلك كثيراً، فأصبحوا قد قدموا على ربهم ووردوا على أعمالهم، وأصبح الليل والنهار غضَّين جديدين لم يُبلهما ما مر بهما، مستعدين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى" )).
(( "وأنت نظير إخوانك وأقرانك وأشباهك، مثلك كمثل جسد نزعت قوته فلم تبقَ إلا حشاشة نفسه ينتظر الداعي، فنعوذ بالله من مقته إيانا فيما يعظنا به مما نقصر عنه" )).
هذه الكلمة الأخيرة جليلة جداً؛ يقول: نعوذ بالله من مقته إيانا فيما يعظنا به مما نقصر فيه؛ أي أننا أدركنا الموعظة وفهمنا كل شيء ولكننا على تقصير شديد، فنستحي من الله ونعوذ به من مقته.
قوله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان: 50]
((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا أبو أسامة، عن النضر بن عربي، عن عكرمة)): {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} قال: (( "الغيث؛ يُسقى هؤلاء وتُمنع هؤلاء، {فأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} يقولون: مُطرنا بالأنواء، مطرنا بنوء كذا" )).
يعني يرجعون الأمر للنجم، وقد جاء في الحديث: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأصبح منهم كافر بي ومؤمن بالكوكب؛ فأما المؤمن بي والكافر بالكوكب فالذي قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، وأما الكافر بي المؤمن بالكوكب فالذي قال: مطرنا بنوء كذا»، وهو لا يقولها من باب ذكر الزمن بل من باب إرجاع التسبيب لغير الله.
((حدثنا يوسف، قال: حدثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس)) -وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس-: (( "ما من عام بأكثر من عام مطراً، ولكن الله يصرفه في الأرضين" )).
وهذا صح مرفوعا
قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58]
((قال محمد بن الحسين: حدثنا أحمد بن سهل الأردني، قال: حدثنا أبو قدامة الرملي -والرملة هذه في فلسطين- قال: قرأ رجل هذه الآية: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا})):
(( "فأقبل عليَّ سليمان الخواص -وهو من الزهاد العباد- فقال: يا أبا قدامة، ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله في أمره، ثم قال: انظر كيف قال الله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}؛ فأعلمك أنه لا يموت، وأن جميع خلقه يموتون" )).
-وانظر إلى فهم هؤلاء المتصوفة الأوائل؛ اليوم مَن يقصدون القبور لا يقصدون إلا الموتى، بينما الآية تأمر بالتوكل على الحي الذي لا يموت-.
(( "ثم أمرك بعبادته فقال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ}، ثم أخبرك بأنه خبير بصير" )).
-وعادة القبورية يقولون: ألا ترى أن الملك يكون له حٌجَّاب؟ فهؤلاء الأولياء كحٌجَّاب رب العالمين! فيقال لهم: الملك يحتاج إلى من يرفع حاجتك إليه؛ إما لنقص في عدله فيأتي هذا الرجل فيرقق قلبه عليك والله عز وجل منزه عن ذلك، وإما لنقص في علمه فيأتي إنسان يخبره بحال الرعية، أما رب العالمين فخبير بصير سبحانه وتعالى، وهؤلاء يجعلون الموتى عالمين بكل شيء، بل يدعونهم من مسافة بعيدة ويجعلون سمعهم كسمع الله لا تختلط عليه الأصوات!-.
(( "ثم قال سليمان الخواص: والله يا أبا قدامة، لو عامل عبدٌ الله بحسن التوكل وصدق النية له بطاعته؛ لاحتاجت إليه الأمراء فمن دونهم، فكيف يكون هذا محتاجاً وموئله وملجأه إلى الغني الحميد؟!" )).
قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]
((حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن)) -وإسناده صحيح-: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} قال: (( "حلماء، وإن جُهل عليهم لم يجهلوا" )).
وهذا هو الفضل؛ أن يستبين فعلك الأول بما لم يبغِ فيه الآخر.
((حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا أبو زيد الجزار، قال: أنبأنا معقل بن عبيد الله، عن عطاء بن أبي رباح)) في قوله: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} قال: (( "علماء حكماء" )).
((حدثنا علي بن الجعد، قال: أنبأنا المبارك بن فضالة، عن الحسن)) في قوله: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} قال: (( "الهون في كلام العرب: اللين والسكينة والوقار" )).
وهذه أسانيد ماشية لعطاء بن أبي رباح فقيه مكة، والحسن البصري فقيه البصرة.
قال أحمد: "لو كان العلم بالنسب ما كان علماء الناس الحسن وعطاء"، لم يكن لهما شرف في النسب؛ فعطاء حبشي والحسن مولى.
قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65]
((حدثني حمزة، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان -عبدان- قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا مبارك بن فضالة، عن الحسن)) في قوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} قال: (( "الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه أبداً، وكل عذاب يفارق صاحبه فليس بغرام" )).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]
((حدثنا أحمد بن الحارث بن المبارك، عن علي بن أحمد البصري، عن سفيان الثوري)) في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا} قال: (( "لم يجعلوه في غير حقه فيضيعوه، {وَلَمْ يَقْتُرُوا} قال: لم يقصروا في حقه، {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} أي: عدلاً وفضلاً" )).
((أخبرني عمر بن بكير النحوي، عن شيخ له، قال: قال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز: "كيف وما يغنيك؟" -يعني كيف تدبيرك بالمال؟- فقال له: "الحسنة بين السيئتين"، ثم قرأ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} )).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68]
((حدثنا الفضل بن إسحاق، قال: حدثنا شباب بن السوار، قال: أخبرني وليد بن حسين الشامي، قال: أخبرنا لقمان بن عامر، عن أبي أمامة صُدَي بن عجلان الباهلي)):
باهلة هذه القبيلة لها فضيلة أنها أسلمت كلها، أسلمت على يد هذا الرجل، وله قصة معه أنهم دفعوه وحتى ما أعطوه الطعام لما دعاهم إلى الإسلام، فسبحان الله نام نومة وقام وهو قوي ورأوه ضعيفاً أغمي عليه من الضعف، فقالوا: كيف؟ قال: أطعمني الله وسقاني، فرأوا منه قوة فأسلمت باهلة عن أبيها، وهو آخر الصحابة موتاً في الشام.
ومعلوم باهلة يذكرونها أنها قبيلة دون، حتى يقول: ما ينفعُ الأبُ من هاشمٍ ... إن كانت النفسُ من باهلة حتى يذكروا في كتب الفقه أنهم ليسوا أنساباً للعرب، وبعض الناس دافعوا عنهم حتى قالوا -يعني واحد سوى كتاب "باهلة المفترى عليها" ومش عارف إيش- لكن الأمر يُذكر، وحتى ذاك المشرك قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما بايعك سراق الحجيج من غفار وكذا، وأظنه ذكر باهلة، ولكنه سبحان الله لما جاء الإسلام سادوا وسموا، وحتى منهم من أشهرهم قتيبة بن مسلم الباهلي الفاتح المشهور الذي فتح البلاد وكذا، سبحان الله.
حتى يذكرون له قصة مع أعرابي؛ أنه كان عنده كثير من الإبل -قتيبة بن مسلم كان- فرأى، فجاء أعرابي ورأى الإبل -تعرف عاد الأعراب- رأى الإبل فانبهر وأعجبته، وقتيبة بن مسلم سبحان الله نفسه خفيفة، فجاء فسأله قال: تعجبك؟ قال: نعم، قال: هل تعلم أنها لرجل من باهلة؟ قال: لا.
فقال الأعرابي: أسقطتها من عيني! فقال: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي؟ -فالأعرابي الحين شوف دخل عليه بإيش؟ بالإيمان والعقيدة واليقين- فالأعرابي توسط قال: على ألا يعلم الناس أني من باهلة، ألا يعلم أهل الجنة أني من باهلة! ذكره ابن حبان في "روضة العقلاء".
ومنهم هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، قال أتيتُه قال: يا أبا أمامة حدثني حديثاً -والحديث هنا لا يثبت- حدثني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا لي بطلاء فشربته ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن صخرة زنة عشر عشروات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت سبعين خريفاً، ثم تنتهي إلى غي وأثام».
قلت: وما غي وأثام؟ قال: بئران يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان ذكر الله عز وجل: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}، وفي الفرقان: {يَلْقَ أَثَامًا}.
هذه الأخبار المخيفة المرعبة كلها في شأن النار، هذه النار على عظمتها تتقى بشق تمرة، تتقى النار بشق تمرة، امرأة تصدقت بتمرة فالله عز وجل -قال النبي صلى الله عليه وسلم- قد غفر الله لها.
قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]
((حدثنا أحمد بن جميل، قال: أخبرنا عبد الله -ابن المبارك- قرأها ابن جريج، عن مجاهد)):
- هؤلاء كلهم مصنفون ولهم مؤلفات منسوبة عندنا؛ ابن المبارك له "الجهاد" و"الزهد"، وابن جريج له جزء من أقدم الأجزاء الحديثية، ومجاهد له تفسير مطبوع (وهو مجموع من كلامه).
في قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} قال: (( "أوذوا فصفحوا" )).
((حدثنا ابن جميل، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن السدي)): {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} قال: (( "لم يكلموهم" )).
قوله تعالى: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74]
((حدثنا الفضل بن إسحاق، قال: حدثني أبو قتيبة، عن حزم، عن الحسن)): سُئل عن قوله تعالى: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}؛ قال يا أبا سعيد أفي الدنيا أم في الآخرة؟ قال: (( "لا، بل في الدنيا؛ يرى الرجل من ولده وزوجته عملاً صالحاً تقر به عينه" )).
وهذا إسناد قوي للحسن البصري.
((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده -هذا ضعيف-، عن ابن عباس)): {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} قال: (( "أما إنه لم يكن قُرَّة عين أن يروهم صحاحاً جملاً، ولكن أن يروهم مطيعين لله عز وجل" )).
وهذا معنى صحيح، هذا ميزان أهل الإيمان.
((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك)): في قوله: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74]؛ قال: (( "يقولون: اجعل أزواجنا وذرياتنا صالحين أتقياء" )).
-هذا الدعاء للذرية لما جعلها الله عز وجل، والذرية والأب أيهما كان أصلح نفع الآخر؛ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، هذا في حالة إذا كان الأب أصلح، وهذا كثير وهذا الأكثر؛ لأن الأولاد يكونون في ميزان حسناته فيُرفع الأولاد له حتى تقر عينه بهم.
وإذا كان الولد أصلح قال: «ولد صالح يدعو له»، وفي حديث أبي هريرة أن الرجل يبلغ في الجنة محلاً لا يبلغه في العادة، فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: هذا بدعاء ولدك لك-.
((حدثنا أحمد، قال: حدثنا حزم، قال: سمعت كثيراً يسأل الحسن قال: يا أبا سعيد، قول الله عز وجل: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أفي الدنيا أم في الآخرة؟)): قال: (( "لا بل في الدنيا" )).
قال: وما ذاك؟ قال: (( "المؤمن يرى زوجته وولده مطيعين لله عز وجل" )).
قال: (( "وأي شيء يقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده يطيعون الله عز وجل جل ذكره" )).
-آخر أثرين معنا اليوم-: ((حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل)): في قوله تعالى: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}؛ قال: (( "يطيعونك فلا يعصونك" )).
-وهذا معروف في المعنى السابق، وهذا قوي إلى سلمة-.
-آخر أثر معنا، ما شاء الله-: قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} [الفرقان: 75]
((حدثني إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد، قال: أخبرني محمد بن مروان، عن أبي حمزة، عن محمد بن علي)) -محمد بن علي بن الحسين الشهير بالباقر، وهذا أبو حمزة الثمالي، صاحب "دعاء أبي حمزة الثمالي"-: في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا}؛ قال: (( "الغرفة: الجنة، بما صبروا على الفقر" )).
إن شاء الله مجلسين وننهي هذا المجلد بإذن الله تبارك وتعالى، يمكن غداً يكون آخر مجلس في هذا المجلد وندخل المجلد الثاني بإذن الله تبارك وتعالى.
هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا هو المجلس العاشر من كتاب "التفسير" من كتب ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى.