التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة الزمر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]

((حدثنا علي بن أبي مريم، عن محمد بن سلام الجمحي، قال: سمعت يحيى بن عمر الحنفي، وذكر عن رجل من بني حنيفة قال: أرادوا شيخاً لهم كان به داءٌ العلاجَ فأبى، وقال: قد وجدت الله قد نحل أهل الصبر نِحلةً ما نحلها غيرهم من عباده.
قيل: ما هو رحمك الله؟ قال: سمعته يقول تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ})).

وقد جاء في الحديث للمرأة التي كانت تُصرع: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة»، فقالت: "أصبر".
فهذا الشيخ لم يتعالج، وكان إذا اشتد به الوجع قال: "حسبي الله ونعم الوكيل"، فيسكن عنه الألم ويجد لذلك خفة وهدوءاً.


((حدثنا عبيد الله بن جرير، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا الوليد بن خالد، عن ابن عون -عبد الله بن عون بن أرطبان-)): قال: (( "كل عمل له ثواب يعرف إلا الصبر؛ قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}" )).
يعني بلا عدد محسوب.

((حدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن روح المصري، قال: حدثنا القاسم بن كثير، قال: حدثنا سليمان بن القاسم)): قال: (( "كل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر؛ قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}؛ كالمـاء المنهمر" )).

((حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني أبو بدر شجاع بن الوليد، قال: سمعت محمد بن ميمون)) في قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}؛ فقال بيديه وبسطهما: (( "غرفاً غرفاً غرفاً" )).


((حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا سعيد بن عامر الضبعي، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز - وهذا إسناد قوي إلى عمر- وتلا قوله عز وجل على المنبر)): (( "ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكان ما انتزع منه الصبر، إلا كان ما عوَّضه خيراً مما انتزع منه، ثم قرأ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}" )).
يعني أنك إذا ذهبت منك نعمة قد تُعوض في الدنيا وقد لا تُعوض، لكن إن رُزقت صبراً فذلك أعظم التعويض؛ لأن الصبر أجر يوم القيامة، وليس أي أجر، بل بغير حساب؛ لهذا أحياناً يكون "الأخذ عطاءً"، فهو يؤخذ منك لكي تصبر وتوفى أجرك بغير حساب.


((حدثنا مفضل بن غسان الغلابي، قال: حدثنا أبو بحر عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا عباد المنقري، قال: قرأت على محمد بن المنكدر أخر الزمان)): -ومحمد بن المنكدر التابعي الثقة، ابن خال عائشة رضي الله عنها، كان إذا ذُكر له النبي ﷺ لا يملك نفسه من البكاء-.
((فبكى الشيخ غير متباكٍ، ثم قال: حدثني عبد الله بن عمر؛ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزمر وهو على المنبر، فتحرك المنبر من تحته مرتين)).
وهذا خبر ضعيف جداً.

((حدثنا محمد بن عبد الله أبو الحسن البصري، قال: حدثنا إسحاق بن إدريس، قال: حدثنا أخي لاحق، قال: حدثنا محمد بن عيسى بن مالك)): -وهو خبر مرَّ معنا في قصة أم هانئ، وفيه أن النبي ﷺ بشرها بآيات، ومنها قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}-.
ولكنه لا يصح.


قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16]

((حدثنا إبراهيم بن موسى المؤدب، قال: أخبرنا معتمر بن سليمان الرقي، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن المنهال بن عمرو، عن سويد بن غفلة)) -وهو تابعي كوفي ثقة كبير أدرك عمر بن الخطاب-: قال: (( "إذا أراد الله أن يُنسي أهل النار؛ تبرأ بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضاً، ثم جعل كل رجل منهم في تابوت من نار قدر قامته، فما ينبض منه عرق إلا فيه مسمار نار، ثم يُقفل عليه بأقفال من نار، ثم يُجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار وتُقفل عليه النار بأقفال من نار ويُضرب ما بينهما بالنار، ثم يُجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار ويُقفل عليه بأقفال من نار ويُضرب ما بينهما بالنار، ثم يُرمى به في جهنم؛ فما منهم أحد إلا يرى أنه ليس في جهنم أحد غيره، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}" )).
-وهذا الأثر المرعب في سنده كلام-.


قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 24]

((حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثني مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن موسى بن أبي عائشة)): {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ}؟ قال: (( "تُشدُّ أيديهم وأرجلهم، فكلما جاءهم نوع من العذاب اتقوه بوجوههم" )).


قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]

((حدثني الحسن، قال: حدثنا الحارث بن مسكين، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم)) -وهو من فضلاء العلماء المفسرين لكنه ضعيف جداً في الحديث-: أنه ذكر عمر وأبا بكر ابنَيْ المنكدر (وهما أخوا محمد بن المنكدر)، قال: (( "لما حُضر أحدهما الموت بكى، فقيل: ما يبكيك؟ إنا كنا لنغبطك بهذا اليوم.
قال: أما والله ما أبكي أن أكون ركبت شيئاً من معاصي الله اجتراءً على الله، ولكني أخاف أن أكون قد أتيت شيئاً هيناً وهو عند الله عظيم" )).

(( "وبكى الآخر عند الموت فقيل له مثل ذلك، فقال: إني سمعت الله يقول: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}، فأنا أنتظر ما ترون، والله ما أدري ما يبدو لي" )).


قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]

((حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا حجاج بن محمد الأعور، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، قال: سمعت أبا عبد الرحمن اليزني -وهو الحبلي- أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول)): (( "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}" )).
-وهذا خبر لا يثبت-.


((حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني علي بن عبيد، قال: حدثني الأعمش، عن أبي سعيد، عن أبي الكنود، قال: مرَّ عبد الله)) -وهو ابن مسعود رضي الله عنه- ((على قاصٍ يذكر النار، فقال: "يا مذكر، لِمَ تقنط الناس؟" ثم قرأ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}" )).

والوعاظ يكثر فيهم هذا، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "العالم الفقيه مَن لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يجرّئهم على معاصي الله، ولم يدع كتاب الله إلى ما سواه".


هذا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذا مجلس جديد في كتاب التفسير من كتب أبي الدنيا رحمه الله تعالى، يقول المصنف رحمه الله:

قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53]

((حدثنا أبي، قال: حدثنا إسماعيل -هو ابن علية- قال: أخبرنا يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، عن علي)): -وهذا إسناد بصري إلى علي بن أبي طالب، وابن سيرين لم يسمع من علي غير أنه لا يروي إلا عن ثقة في غالب أحواله، وقالوا إن أصح الأسانيد عن علي: ابن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي-.
قال علي رضي الله عنه: (( "أي آية في القرآن أوسع؟" ))؛ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن، نحو قوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110]، فقال علي: (( "ما في القرآن آية أوسع من: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}" )).


((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن الشعبي، عن شتير)) -وهذا إسناد كوفي قوي-: قال: سمعت عبد الله -ابن مسعود- يقول: (( "إن أكبر آية في القرآن فرجاً في سورة الغرف -التي هي سورة الزمر-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِيْنَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}" )).
فقال مسروق -ابن الأجدع-: "صدقت".

وفي "صحيح البخاري" أن قوماً جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقد أكثروا الجرم في الجاهلية؛ قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، وفعلوا كذا وكذا فأكثروا، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ ما جئت به لحسن، لولا أن تجد لنا كفارة"، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.


((حدثنا إبراهيم بن راشد، قال: حدثنا أبو ربيعة وحجاج الأنماطي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت -هؤلاء بصريون- ، عن شهر بن حوشب -هذا شامي ولما تشائم ضعف لأن شهر ضعيف الحديث -، عن أسماء بنت يزيد)) -وتكنى أم سلمة وتشتبه أحياناً مع أم المؤمنين-: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: (( "يا عبادي" )) -بدون قل- (( "الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم" )).
-وهذا خبر ضعيف الإسناد وهذه القراءة شاذة، ولكن ورد في الحديث القدسي: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي»، فرب العالمين لا يكرثه شيء سبحانه وتعالى-.


قوله تعالى: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ} [الزمر: 61]

((وهذا الأثر مرَّ معنا، نقرؤه بإسناده إلى زيد بن أسلم -وزيد بن أسلم العدوي مولاهم، أسلم مولى عمر بن الخطاب، وفيه السند مبهم- أنه بلغه)):

(( "أنه يُمثَّل يوم القيامة للمؤمن عمله في أحسن صورة؛ في أحسن صورة ما خلق الله وجهاً وثياباً، وأطيبه ريحاً، فيجلس إلى جنبه، فكلما أفزعه شيء آنسه، وكلما تخوف شيئاً هوَّن عليه، فيقول: جزاك الله من صاحب خيراً، مَن أنت؟ قال: أوما تعرفني؟ وقد صحبتك في دنياك وفي قبرك، أنا عملك؛ كان والله حسناً فلذلك تراني حسناً، وكان طيباً فلذلك تراني طيباً، فاركبني فطالما ركبتك في الدنيا، فهو قوله: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ}، حتى يأتي به إلى ربه فيقول: يا رب إن كل صاحب عمل في الدنيا قد أصاب في عمله، وكل صاحب تجارة قد أصاب بتجارته، غير صاحبي قد شُغل في نفسه، فيقول له الرب: فما تسأل له؟ فيقول: المغفرة والرحمة -أو نحو هذا- فيقول: فإني قد غفرت له" )).

(( "ثم يُكسى حُلة الكرامة، ويُجعل عليه تاج الوقار، فيه لؤلؤة تضيء من مسيرة يومين، ثم يقول: يا رب إن أبويه قد شُغل عنهما، وكل صاحب عمل وتجارة قد كان يُدخل على أبويه من عمله وتجارته، فيُعطى مثل ما أُعطي" )).
وهكذا الابن الصالح ينفع أبويه، وهذا معنى ثابت: "ولد صالح يدعو له"، وهذا بدعاء ولدك لك، والأب إن كان أصلح نفع ولده: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21].

(( "ويُمثَّل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجهاً، وأنتنه ريحاً، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعاً، وكلما تخوف شيئاً زاده خوفاً، فيقول: بئس الصاحب أنت! فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك؛ كان قبيحاً فلذلك تراني قبيحاً، وكان منتناً فلذلك تراني منتناً، طأطئ لي حتى أركبك فطالما ركبتني في الدنيا، وهو قوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النحل: 25]" )).


قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]

((حدثنا أبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة)) -وإسحاق هذا هو ابن عبد الله بن أبي طلحة وأبو طلحة هو زوج أم سليم أم أنس، وهي التي دعا لهما النبي ﷺ عندما قال لهما هل صنعتما شيئا في ليلتكما؟ بارك الله لكما في ليلتكما، ماذا يقول أنس صاحب الخبر؟ أنها أنجبت عدة كل منهم حامل للقرآن منهم عبد الله هذا وهو أخ أنس من أمه.

((عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، فجعل رسول الله يقول هكذا يمجد نفسه: «أنا العزيز، أنا الجبار»)).
والخبر في "مسلم" أن النبي ﷺ أشار بيده بالقبضة، فقال ابن عمر: (( "فرجف المنبر حتى قلنا ليخِرَّنَّ به الأرض" )) -أي حتى كاد أن يسقط المنبر برسول الله ﷺ-.


((حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثنا أبي)) -وهو هشام الدستوائي الثقة الثبت- ((قال: حدثنا قتادة، قال: حدثنا النضر بن أنس، عن ربيعة الجرشي)) -وهذا إسناد قوي-: ((في قوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}، قال: "ويده الأخرى ليس فيها شيء" )).
وهذا من الآثار التي تدل على أن السلف كانوا يثبتون الصفات إثباتاً حقيقياً؛ فهو يذكر يداً قبض بها السماوات ويداً أخرى ليس فيها شيء.

وربيعة تابعي من فضلاء التابعين واختُلف في صحبته والمختلف في صحبتهم صنف فيه الصغاري كتابا.


قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]

((حدثنا حمزة بن العباس، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان -عبدان- قال: أخبرنا ابن المبارك -إذا رأيتم ابن المبارك فهذا في الزهد له-، قال: أخبرنا عنبسة بن سعيد، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس)): (( "أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا.
قال: أجل والله ما تدرين؛ إنَّ ما بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفاً، تجري فيها أودية القيح والدم" )).
لا إله إلا الله، وهذا إسناد قوي لابن عباس وله حكم الرفع.

((قلت: أنهاراً؟ قال: لا، بل أودية.
ثم قال: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا.
قال: أجل والله ما تدري، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: «على جسر جهنم»)) -يعني على الصراط-.


قوله تعالى: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68]

((حدثنا علي بن الجعد الجوهري، قال: حدثنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر -وهذا مجهول- عن سعيد بن جبير)): في قوله {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} قال: (( "الشهداء" )).

وهذا الاستثناء قيل فيه الشهداء، وقيل استثني الحور العين.
والنبي ﷺ يقول في موسى عليه السلام حين رآه قابضاً بقوائم العرش: «فلا أدري أكان صعق، أم ممن استثنى الله؟».
وابن القيم في "الروح" يرجح أن الرواية الأقوى عن رسول الله ﷺ أنه جُزي بصعقته الأولى -التي صعقها لما رأى دك الجبل-.

((قال: الشهداء استثناهم الله حول العرش متقلدي السيوف)).


((حدثني محمد بن عبد الملك ومحمد بن إدريس، قالا: حدثنا ابن اليمان، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش -وهو شامي حمصي والرواية في الشام عامتها في حمص وروايته عن أهل الشام ماضية وعن غيرهم ضعيفة- عن عمر بن محمد، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم)): -وهذا حديث ضعيف جداً؛ فعبد الرحمن بن زيد بن أسلم روايته عن أبيه منكرة، حتى كان مالك يقول عنه متهكماً: "اذهب إلى زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح! مستهزئا به وهو عالم جليل لكن روايته في الحديث ضعيفة جدا"-.

(( "أنه سأل جبريل عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}؛ من الذي لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم الشهداء، يبعثهم الله متقلدين أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم ملائكة من المحشر بنجائب من ياقوت -والنجائب ما يركب عليها- أزمتها الدر الأبيض، برحال الذهب، أعنتها السندس والإستبرق، وزمامها ألين من الحرير، مدُّ خطاها مدُّ أبصار الرجال" )).

(( "يسيرون في الجنة على خيول، يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا تبارك وتعالى ننظر إليه كيف يقضي بين خلقه، فيضحك الله إليهم، وإذا ضحك الله عز وجل إلى عبد في موطن فلا حساب عليه" )).
والضحك ثابت في السنة كما في حديث أبي هريرة: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة»؛ يعني الكافر يقتل المسلم ثم يسلم مثل قصة وحشي وحمزة، وطليحة الأسدي وعكاشة بن محصن، وقيس بن الحارث الذي قتل خُبيب بن عدي ثم أسلم وصار له أحاديث في الكتب الستة.


قوله تعالى: {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 72]

((حدثنا علي بن الحسن، عن الصلت بن حكيم، قال: حدثنا درست القزاز، قال: حدثنا يزيد الرقاشي)) -وهذا الأثر تكرر معنا-: قال: (( "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أيتها النار المطيعة سَمِّي أهلك، قال: فيخرج عنق من النار فتنكت في وجوه الناس نكتة سوداء، ثم ينادي منادٍ: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ}، فينكر بعضهم بعضاً فيقول: هذا ما كنتم تكسبون، ثم ينادي منادٍ: {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}، فينكسون في النار على رؤوسهم ويصهر الحميم ما في أجوافهم" )).
ثم سقط يزيد مغشياً عليه.


قوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]

((حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق)):

  • ورواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي فيها نقاش؛ هل هي قبل الاختلاط أم بعده؟ وهي في الصحيح.

((عن عاصم بن ضمرة)) -وعاصم هذا حديثه عن عليٍّ يفضلونه على حديث الحارث الأعور، وفيه نقاش ويمضي في مثل هذا-: ((عن علي رضي الله عنه قال: يُساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً، حتى إذا انتهوا إلى أول باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما فكأنما أُمروا بها فشربوا منها، فأذهبت ما في بطونهم من قذر وأذى وبأس، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم؛ فلم تُغير أبشارهم ولا تتغير بعدها أبداً، ولم تشعث أشعارهم كأنما دُهنوا بالدِّهان، ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}))

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل