سورة التوبة
قوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49]
حدثنا عمر بن إسماعيل الهمداني، قال حدثني أبي عن جدي عن الشعبي. (وهذا إسناد الله المستعان؛ عمر هذا متروك).
في قوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}؛ قال: "هذا هو البحر الأخضر، تنتثر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر فيه، ثم يوقد فيه فيكون هو جهنم".
(وهذا فيه آثار أخرى).
قوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72]
حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال حدثنا خالد الطحان، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، وعن رجل عن مجاهد.
(ومجاهد ما أدرك عمر).
في قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}؛ قال: "قصر في الجنة له أربعة ألاف مصراع، على كل باب خمس وعشرون وألفا من الحور العين، لا يدخله إلا نبي ثم قال: هنيئاً لك يا رسول الله- أو صديق ثم قال: هنيئاً لك يا أبا بكر- أو شهيد".
ثم قال عمر: "فأنى لعمر بالشهادة؟" ثم قال: "إن الذي أخرجه من دار حشمة قادر على أن يرزقه الشهادة".
عمر في الصحيح (علقه البخاري) كان يدعو يقول: «اللهم شهادة في سبيلك وموتاً في بلد نبيك»، وهو كان الخليفة فما يجاهد، فكانت حفصة تقول له: من أين يأتيك الله بالشهادة وأنت بين المسلمين ما عاد أحد يصلك؟ فقال: يأتي الله بها.
فقتله أبو لؤلؤة وكان شهيداً رضي الله عنه.
وعثمان شهيد، وعلي شهيد، وحتى أبو بكر قيل إن اليهود سمَّته (للمعلومية يعني جمع الصديقية والشهادة، وفي أثر عن إبراهيم النخعي أن اليهود سَمَّت أبا بكر، وهذا كثير من أهل العلم يأخذ به).
حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال حدثنا عون بن موسى، قال سمعت الحسن (البصري) يقول: "قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل"، وهذا صحيح للحسن.
(أو حكم عدل) يعني إمام عادل، يرفع بها صوته (أما رُفع هذا الخبر كله أو الأخيرة بس)، "حاكم العدل" لما الجور انتشر، الحسن البصري بالذات وقف عندها ورفع صوته بها.
قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [التوبة: 75]
حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال حدثنا شباب بن سوار، قال حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
(وهذا إسناد صحيح عن مجاهد).
في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ}؛ قال: رجلان خرجا على ملأ قعود فقالا: والله لئن رزقنا الله من فضله لنتصدقن، فلما رزقهم الله بخلوا به.
نقف هاهنا، كم أثر قرأنا اليوم؟ تقريباً 40.
(على فكرة يا إخوان؛ الكتاب مجلدان وحوالي 900 أثر، فإحنا إذا كل يوم نقرأ من 30 إلى 40، على آخر الشهر ننهيه إن شاء الله).
هذا، وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(الله يبارك فيكم، أمين جزاك الله خير).
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذا مجلس جديد من "كتاب التفسير" من كتب ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى.
يقول المصنف رحمه الله: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد.
(وهذه سلسلة ثقات كلها صحيحة، إسناد كوفي عبد الرحمن بن يزيد النخعي يروي عن عبد الله بن مسعود).
قال عبد الله (بن مسعود): "اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر"، ثم قرأ: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} الآية.
وهذا له أصل في الصحيح: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
والنفاق حقيقته مخالفة الظاهر للباطن، وفي هذه الثلاثة مخالفة الظاهر للباطن.
فهذا الإنسان يبدأ بالنفاق الأصغر (النفاق العملي الذي لا يخرجه من الملة)، وقد كان من إخوة يوسف كل هذا، ثم يتدرج به الأمر إلى أن يصل إلى النفاق الأكبر؛ أن يصير يظهر الإيمان ويبطن الكفر.
وهذا أثر صحيح.
حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عباس بن الوليد، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة.
(وهذا إسناد قتادة في التفسير؛ من تفسير سعيد بن أبي عروبة عن قتادة).
في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ}؛ قال: ذُكر لنا أن رجلاً من الأنصار أتى على مجلس الأنصار فقال: لئن آتاه الله مالاً ليؤتينَّ كل ذي حق حقه، فأتاه الله مالاً فصنع فيه ما تسمعون: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا} إلى قوله: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.
وهذا خبر من أخبار قتادة في التفسير، والأصل فيها المُضي؛ فهو عالم في التفسير رحمه الله تعالى وإن كان من صغار التابعين، فهذه أخبار التفسير الماضية.
واشتهر بين الناس أن هذا الخبر في (ثعلبة بن حاطب)، ومن الناس من طعن حتى أُلِّف جزء كامل في تبرئة ثعلبة بن حاطب من كونه هو مَن نزلت فيه هذه الآية.
((قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا}))
- حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا أبو هلال الراسبي -واسمه محمد بن سليم، صدوق يخطئ- عن قتادة.
(وخبره عن قتادة ماضٍ).
في قوله: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} في دار الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} في نار جهنم.
فالدنيا مهما طالت، لو عمّر الإنسان 100 سنة أو حتى 120 سنة، ما وزان ذلك في مقابل الآخرة حيث لا نهاية؟ حيث آلاف وملايين، بل ما لا نهاية له، وما لا عدد له من السنين؛ فحققاً هذا قليل.
لو قيل لك: 100 سنة في مقابل 100,000 ستقول: قليل، فما بالك في مقابل ما لا نهاية له؟ ولهذا لا تحسد كافراً على ما هو فيه من الخير، إنما هو استدراج.
فالكافر كما قال بعض السلف: "ما حسدتُ أحداً قط"، قال: "إن كان مؤمناً فإنما عند الله خير له، وإن كان كافراً فعلامَ أحسده؟ على نعمةٍ تأخذه لنار جهنم!".
- حدثنا داود بن عمرو، قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين.
(وأبو رزين هذا تابعي يروي التفسير). - في قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ قال: "الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله استأنفوا بكاءً"؛ يعني بدأوا بكاءً لا ينقطع عنهم أبداً.
(هذا أثر قوي).
((قوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}))
حدثني يعقوب بن عبيد، قال: أنبأنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا أبو يوسف الصيقل (الحجاج بن أبي زينب) -وهذا فيه كلام، فيه ضعف- قال: سمعت أبا عثمان النهدي.
(أبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مُلّ، وهو تابعي كبير مخضرم، أدرك النبي ﷺ ولم يره، فلو رآه لكان صحابياً).
يقول: "ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية".
وهذه (باب أرجى آية) جُمعت فيه مقالات، وفي الحقيقة كثير من السلف يقول: "هذه الآية أرجى عندي"، و"هذه الآية أرجى عندي"، فلو يُجمع فيها جزء يكون حسناً.
وقوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلْطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}؛ لأن هذا حال عموم أهل الإيمان، يخلطون عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فهؤلاء عسى الله أن يتوب عليهم.
(يتوب عليهم: إما معناها يرزقهم توبة، أو يتوب عليهم معناه أن يغفر لهم).
حدثني محمد بن إدريس، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن خالد النشيطي (وهذا ضعيف)... قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي محمد.
قال حماد: وكان من خير الناس، وكان مؤذناً بسكة الموالي.
(وهذا الضعف اليسير في الراوي لا يضر فيه؛ فهو يحدث عن رجل فاضل).
قصه قال: اشتكيتُ شكاةً فأُغمي عليَّ (يعني مرضتُ مرضاً فأُغمي عليَّ)، فكأني أُدخلتُ الجنة.
(يقول: فرأى في المنام أنه كأنه دخل الجنة.. سبحان الله!).
فسألتُ عن الحسن بن أبي الحسن.
(حماد بن سلمة في البصرة وهو من طبقة تلاميذ الحسن البصري، وهذا الرجل كأنه أدرك الحسن البصري.
والحسن بن أبي الحسن هو "الحسن البصري"؛ أبوه اسمه يسار وكنيته أبو الحسن، فكانوا يقولون: الحسن بن أبي الحسن).
فقيل لي: هيهات! ذاك يسجد على شجر الجنة (يعني من عُلوِّه في الجنة).
قال: فسألتُ عن أبي نصر (ولم يظهر بقية اسمه عندي)، فقالوا خيراً وأحسن مما قيل في الحسن.
وسألتُ عن أبي عمران الجوني.
(هذا تابعي يُذكر في الأخبار وهو ثقة).
فقيل لي: ذلك ممن قال الله تعالى فيهم: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}.
وسألتُ عن ثابت البناني.(هذا تلميذ أنس؛ ثابت دويبة أحبها.
وحماد يروي عن ثابت عن أنس).
فقيل لي: ذاك معروفٌ في الجنان.
((قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]))
حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا المسعودي.
(المسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، من أحفاد عبد الله بن مسعود، وهو قد اختلط.
وهنا يروي عن أبي إسحاق، وأبو إسحاق اختلط؛ كلاهما خَرِف لما كبر، وأرجو أن تكون الرواية قبل الاختلاط).
عن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله (بن مسعود) رضي الله عنه.
(يعني هو يروي عن جده بواسطتين عن عبد الله بن مسعود).
قال: "والذي نفسي بيده، ما أحلَّ الله الكذب في جِدٍّ ولا هزلٍ قط، ولا أن يَعِدَ الرجل صبيه ثم لا يُنجز له، اقرأوا إن شئتم: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}"
يقول عبد الله: الآن بعض الناس يتساهل بالكذب مثلاً على الصبي الصغير، يقول له: "سأفعل لك كذا وكذا" وليس صادقاً، كما يقولون له مثلاً في الأعياد: "أعطني فلوسك أجمعها لك".
فيقول عبد الله بن مسعود: إن هذا لا يحل ولو حتى على صبي صغير.
وورد في السنة طبعاً حلُّ الكذب في الإصلاح: كذب الرجل على زوجته ، والإصلاح بين اثنين، وفي الحرب.
وهذا خبر ثابت عن عبد الله بن مسعود وله طرق.
((قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]))
حدثني المثنى بن معاذ العنبري، عن معاذ بن هشام، عن أبيه.
(أبوه هشام الدستوائي؛ هشام بن أبي عبد الله واسم أبي عبد الله سنبر، وهو ثقة ثبت.
ومعاذ فيه كلام يسير).
عن عمرو بن مالك، قال: حدثني رجل يُزعم أنه أحد العشرة.
(ما أدري أي عشرة؛ عمرو بن مالك لا يمكن يكون أدرك العشرة المبشرين بالجنة).
قال: كنا قد خرجنا في سرية، فانكسرت فخذ رجل منا، فتركناه وتركنا فرسه عنده، فلما ولينا، قال: قلتُ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}، فانبسطت رجلي ثم قلبها فقبضها، فركب فرسه ولحقنا.
هذه تُذكر في كرامات الأولياء؛ يعني أنه دعا بهذا الدعاء فشافاه الله وهو في غزوة.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬