سورة الإسراء
قوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]
((حدثني حمزة، قال: أنبأنا عبدان، قال: أنبأنا عبد الله، قال: أخبرني هشام بن سعد، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي)) -وهذا إسناد قوي لمحمد بن كعب القرظي التابعي الجليل الذي كان من بني قريظة ومن علماء التفسير، وعامة شيوخه من الصحابة- قال: ((كان نوح إذا أكل قال: "الحمد لله")).
هذا شكر الله عليه لما قال: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}، كان إذا أكل قال: "الحمد لله"، وإذا شرب قال: "الحمد لله".
وفي الحديث: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها».
وإذا لبس قال: "الحمد لله"، وإذا ركب قال: "الحمد لله"، فسماه الله عبداً شكوراً.
هذا عكس "الكنود" الذي يعدد النقم وينسى النعم، فاليوم نعم الله عز وجل كثيرة، لهذا السلف دائماً إذا قيل له: "كيف حالك؟" يقول: "الحمد لله".
وكانوا إذا كاتبوا بعضهم يسأله عن أحواله فيقول: "أحمد الله إليك"، يعني أثني على الله إليك.
((حدثنا العباس بن جعفر، قال: حدثنا شاذ بن فياض، عن الحارث بن شبل، قال: حدثتني أم النعمان)) -وهذا إسناد فيه جهالة- ((أن عائشة حدثتها عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن نوحاً لم يقم عن خلاء قط إلا قال: «الحمد لله الذي أذاقني طعمه، وأبقى منفعته في جسدي، وأخرج عني أذاه»)).
رأيت هذا الخبر وإن كان لا يصح لكن انظر إلى ما فيه من حكمة؛ "أذاقني طعمه" أكلته طيباً، يعني الطعام هذا الذي أنت تعيش فيه، من يعرف المرض يعرف الدواء، في كثير من الأحيان أنت تتجرع المرار لأجل العافية، فإذا جعل الله عز وجل العافية في شيء لذيذ كالطعام الذي يأكله الناس ومثل العسل فهذا من فضل الله عز وجل.
قال: "وأبقى منفعته في جسدي، وأخرج عني أذاه"؛ من ابتلي في جهازه الهضمي يعرف عظيم هذه النعمة، أنه يستطيع أن يأكل ثم يخرج عنه الأذى وتبقى المنفعة، وما أكثر البلاء في أيامنا هذه وفي أزمنتنا هذه.
وسبحان الله دائماً كثير من النعم أنت تألفها، فلإلفك لها تنساها، هذا إلف النعم يضيع عليك الأمور؛ يعني طعام، لكن تعال أنت ليقطع عنك الطعام مدة ثم تعال تأكل تعرف قيمة الطعام.
أيام "الكورونا" كنا نجلس في البيوت ما نطلع، بعدين تطلع تشوف الشمس تحسها نعمة عظيمة جداً، المريض يشعر بنعمة العافية بعد مرضه، الإنسان الذي كان لا يستطيع أن يأكل ولا يستطيع أن يشرب ثم بعد ذلك يصير يستطيع أن يأكل ويشرب يشعر بعظيم هذه النعمة فيحمد الله عز وجل.
مرة كنت في مطعم فرأيت شخصاً يأكل ويحمد الله بنشوة هكذا، فقلت ربما خطر على بالي قلت: "ربما هذا خرج من السجن فيستشعر كل نعمة يراها أمامه"، والله إنه كان يحمد الله عز وجل بنشوة عجيبة جداً.
((حدثني يحيى بن جعفر، قال: حدثني يزيد بن هارون، قال: أنبأنا أصبغ بن زيد: أن نوحاً النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الكنيف قال ذلك؛ فسمي عبداً شكوراً)).
والحديث: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» ضعيف، لكن يعمل به لأن أحاديث الأذكار أمرها هين، وهذا نص عليه أبو زرعة في "العلل".
((حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن صالح، قال: أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن حسين، عن أبي حسين، عن عبد الله بن سنان، عن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي، قال: "إنما سمي نوح عبداً شكوراً؛ لأنه لم يلبس جديداً إلا قال: الحمد لله الذي ألبسني هذا وكسانيه من غير حول مني ولا قوة، ولم يأكل طعاماً إلا حمد الله")).
وهذا سند قوي إلى سعد بن مسعود الثقفي، وهذه آثار السلف عامتها في هذا المعنى.
قوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الإسراء: 5]
((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم)) -ومغيرة بن مقسم عن إبراهيم يدلس، ولكن هذا أثر يرويه مباشرة فأمره هين- في قوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: ((وكانت بنو إسرائيل قد أفسدوا في الأرض، فبعث الله بختنصر فخرب بيت المقدس فجاسوا خلال الديار)).
وقوله: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8]، فعادوا فعاد الله عليهم بالعرب فأخذوهم بالجزية.
إفساد بني إسرائيل بلا نزاع الإفسادان وقعا، وما يقوله المعاصرون من أن الإفساد الثاني ما وقع، وأن فعل اليهود في زماننا هذا هو الإفساد الثاني، فهذا بدعة وكلام فارغ، بل هو يخالف ظاهر القرآن؛ لأن الله عز وجل قال لهم: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} إذاً هما قد مضيا، فلما عادوا وطغوا عاد الله عز وجل عليهم بالعرب وأخذوا منهم الجزية -الذين هم الصحابة- ثم بعد ذلك إن عادوا مرة أخرى -وقد عادوا- فالله عز وجل سيعود عليهم أيضاً كما عاد عليهم في المرات الأول بإذن الله تبارك وتعالى.
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 8]
((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} قال: "سجناً")).
يعني تحصرهم هكذا، هذا القصد.
قوله تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14]
((حدثني حمزة بن العباس، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: حدثنا جعفر بن حيان، عن الحسن)) -وهذا إسناد ماشي بالجملة- في قوله تعالى: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} قال: ((كل بني آدم في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله)) -هذه ما هي مرئية- ((فإذا مات طويت وقلدها، فإذا بعث نشرت له وقيل له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا})).
هذا الكتاب الذي أنت تمليه، وأنت لو تتصور هذا أن عملك عامته أنت من يكتبه ثم ستراجعه، اليوم من عندنا مواد مسجلة ومكتوبة، بعض كلامك تسمعه فتستحي منه، وبعض كلامك تسمعه فيعجبك، الله المستعان.
"ابن آدم، أنصفك من جعلك حسيب نفسك"، كتاب أنت كاتبه، أنت من كتبته.
قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16]
((حدثنا أبو عدنان)) -وهذا عدنان نادر في الرواة جداً، وكني بـ "أبو عدنان"، في الكتب الستة ما في واحد اسمه عدنان أصلاً، هذا الاسم نادر جداً في القرون الثلاثة الفاضلة الأولى، فهذا حتى كنيته نادرة: أبو عدنان-.
((قال: أخبرني أبو عبيدة معمر بن المثنى)) -وهذا عالم من علماء اللغة، كان خارجيا شعوبيا واسع العلم بالأدب وأخبار العرب، الشعوبية الذين يبغضون العرب وكان يجمع مثالبهم، وله شرح على "نقائض جرير والفرزدق"، واعتمد عليه البخاري رحمه الله في غريب القرآن- ((قال: إنه قال ليونس النحوي: إن الحسن كان يقرأ: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16] يريد: "أكثرنا")).
كأنها قراءة غير القراءة المشهورة؛ {أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا} يعني أكثرناهم.
((فقال: هذا يكون ثم)) -يعني هذا موجود في لغة العرب- ((ثم إن يونس قال: صدّق عندي قول الحسن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المال مهرة مأمورة»)).
والمهرة المأمورة: الكثيرة النتاج.
طبعاً هو يقول يونس بن حبيب المحقق يقول: "لم أعرفه"، وهو عالم من علماء النحو معروف جداً جداً ومترجم في كل طبقة، ولكن الحديث لا يصح.
قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24]
((حدثنا ابن جميل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أنبأنا سفيان)) -عبد الله بن المبارك، وسفيان هو الثوري ابن المبارك لا يروي عن ابن عيينة إلا نادرا- ((عن هشام بن عروة، عن أبيه)) -وهذا إسناد صحيح جداً، وأبوه عروة بن الزبير التابعي المشهور، أخوه عبد الله بن الزبير، أبوه الزبير، أمه أسماء، وخالته عائشة- قال: ((«لا تمتنع من شيء أحباه»)).
قوله تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25]
((حدثني عثمان بن صالح، قال: حدثنا سعيد بن عامر)) -الضبعي، وهو ثقة كبير- ((قال: حدثنا جعفر بن سليمان)) -صدوق يهم متشيع- قال: ((قيل لمحمد بن واسع)) -وهو من التابعين في البصرة من العباد-: "لو كلمتنا كلمة"، قال: "الحمد لله، هذه علانية حسنة"، ثم قال: (( {إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} ))، ثم سكت.
وبس، أعظم بهذه الآية!
((حدثنا أبو بكر بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير)) -الإسناد صحيح جداً، يحيى القطان وشعبة بن الحجاج هؤلاء أئمة، وبندار اسمه محمد بن بشار لقبوه بـ "بندار" وبندار الحوش الكبير يعني لسعة روايته- في قوله: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} قال: ((«الرجاعين إلى الخير»)).
لأن "صلاة الضحى صلاة الأوابين"، والرجاعين هم الذين يذنبون ويستغفرون، يذنبون ويستغفرون ويرجعون.
قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27]
((قال كان شداد بن أوس)) -وهذا ممن ترك معاوية واعتزله- ((فقال له معاوية: قم فاخطب.
فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك قادر، ألا إن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا إن الشر كله بحذافيره في النار، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، غفر الله لي ولكم")).
وفي رواية أخرى: ((أن معاوية قال لشداد بن أوس -الصحابي-: قم فاخطب.
فقال شداد: "الحمد لله الذي افترض الحمد على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقه، على ذلك مضى أولهم وعليه يمضي آخرهم.
أيها الناس، ألا إن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك قادر، وإن الدنيا أجل حاضر يأكل منه البر والفاجر، وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له.
وإن الله تبارك وتعالى إذا أراد بالناس صلاحاً عمَّل فيهم صلحاءهم)) -يعني ولى عليهم الصالحين- ((وقضى بينهم فقهاءهم، وجعل الملك في سمحاءهم" -ومعاوية كان سمحاً جداً- "وإذا أراد الله بالعباد شراً عمَّ عليهم سفهاءهم، وقضى بينهم جهلاءهم، وجعل المال عند بخلاءهم وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها، ونصحك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشك من أرضاك بالباطل".
فقال له معاوية: اجلس، وأمر له بمال.
فقال: "إن كان من مالك دون مال المسلمين تعاهد جمعه مخافة تبعته، فأصبته حلالاً وأنفقته إفضالاً فنعم، وإن كان مما شرك فيه المسلمون فاجتنحته دونهم أصبته اقترافاً وأنفقته إسرافاً")).
تعطيني من مالك أهلاً وسهلاً، تعطيني من مال المسلمين لا ينبغي؛ فإن الله عز وجل يقول: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}.
فسر "المبذرين" بمن يؤتمنون على مال عام فينفقون منه ويتجملون به، وهو مال ليس لهم، هم مؤتمنون عليه، كما نراه كثيراً اليوم.
قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]
((حدثنا الحسن بن الصباح، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو)) -وهذا إسناد منقطع- قال: ((أرسلت امرأة ابنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "ائته فأقرئه السلام وقل له: إن أمي تقول لك اكسني -يعني أعطني لباساً- فإن قال لك: حتى يأتينا شيء؛ فقل له: إنها تقول لك اكسني قميصك".
فأتاه فقال: "حتى يأتينا شيء"، فقال: "إنها تقول لك اكسني قميصك"، فنزع قميصه فدفعه إليه، فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}))؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم عوتب بكرمه الشديد.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم تسألونني ويأبى الله لي البخل، فمن سألني شيئاً ليس له فيه حق فإنما أعطيه جمرة من النار».
قوله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرَقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]
((حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد)) -هذا المصيصي- ((عن أبي بكر الهذلي)) -هذا متروك لكن هذا خبر قصة معه أصلاً- قال: ((بينما نحن مع الحسن إذ مر عليه ابن الأهتم يريد المقصورة)) -هذا أمير، والمقصورة مكان كان يجلس فيه الأمير أثناء الصلاة- ((وعليه جباب خز)) -والخز صوف ينسج معه حرير، وهذا كان جائزاً والصحابة كانوا يلبسونه، إلا إذا غلب الحرير عليها فلا تجوز- ((قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنه قباه)) -القباء رداء يغطي الكتفين ويكون مفتوحاً من عند الرأس- وهو يمشي يتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: "أف لك! شامخ بأنفه، ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أي حميق أنت! تنظر في عطفيك في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير ال مأخوذ بأمر الله عز وجل فيها، ولا المؤدي حق الله عز وجل فيها.
والله إن يمشي أحدهم طبيعته أن يتخلج تخلج المجنون في كل عضو من أعضائه، لله نعمة وللشيطان به لعنة".
فسمع ابن الأهتم فرجع يعتذر، فقال: (( "لا تعتذر إلي وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله عز وجل: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرَقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}؟" )).
قوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]
((حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، قال: أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، قال: أنبأنا أبو عبد الله الصنعاني، قال: حدثني عبد العزيز بن جوران))- قال: ((قلنا لوهب بن منبه)) -تابعي يماني أصله فارسي من أبناء الأكاسرة الذين كانوا يحكمون اليمن- "يا أبا عبد الله، إنا لنسمع قول الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}؛ فعظام المسلمين التي في القبور هي من الشيء؟ -يعني تسبح؟-" قال: (( "نعم" )).
((حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن عكرمة {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال: "كل شيء حي" )).
-وهذا إسناد قوي إلى عكرمة- وهذا إسناده ثقات.
قوله تعالى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 46]
((حدثنا محمد بن الحارث المقري، قال: حدثنا السيار بن حاتم العنزي، قال: حدثنا جعفر)) -وفيه ضعف يسير- ((عن جعفر بن سليمان، قال: حدثنا عمرو بن مالك النكري، قال: سمعت أبا الجوزاء أوس بن عبد الله)) -تابعي- يقول: (( "والذي نفسي بيده، إن الشيطان لازم بالقلب، ما يستطيع صاحبه أن يذكر الله، أما ترونه في مجالسهم وأسواقهم يأتي على أحدهم عامة يومه لا يذكر الله إلا حالفاً؟ ما له من القلب طرد إلا قوله: لا إله إلا الله" )).
يعني لا تُطرده من قلبك إلا بـ "لا إله إلا الله"، فانظر إلى ذكر الله عز وجل على عظيم أجره؛ من قال: «سبحان الله وبحمده» مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، ومن قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» مائة مرة؛ كتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة خطيئة، وكان له عدل عشر رقاب من ولد إسماعيل.
الذكر أجره عظيم وهو يسير باللسان ولا يوفق له إلا الموفق، وكل هذا الصدود من الشيطان الجالس على القلب.
((ثم قرأ: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} ))؛ يعني الشياطين.
قوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء: 64]
عن مجاهد في قوله عز وجل: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قال: «المزمار».
{وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} قال: «كل راكب ركب في معصية فهو في خيل إبليس، وكل راجل في معصية فهو من رَجِلِ إبليس».
وهذا مروي عن مجاهد بأسانيد تمضي.
قوله تعالى: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97]
((حدثني أبي، قال: حدثنا شاذان، عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات)) -وهو ضعيف- ((عن مجاهد)): {كُلَّمَا خَبَتْ} قال: (( "كلما طفئت أوقدت" )).
قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104]
((حدثنا فضيل، قال: حدثنا علي بن عمارة، قال: سمعت قتادة يقول: "بعث الله عز وجل عليهم في الأولى جالوت الجزري، فقتل وسبى، ثم رد الله عز وجل عليهم الكرة لبني إسرائيل")).
وقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ}؛ فبعث الله عليهم بختنصر.
ولتتبعن سنن من كان قبلكم، ابن تيمية كان يقول: "التتار لهذه الأمة كبختنصر لبني إسرائيل"؛ يرى أنه بسبب الطغيان الذي حصل في أوقاتهم سلط الله عليهم الأعداء.
التتار ماذا فعلوا؟ في بغداد بيوم واحد قتل ألف ألف! وإذا قرأت عما فعله تيمورلنك -الذي كان يدعي الإسلام- تستهون ما فعله التتار.
وسبحان الله تسلط اليهود؛ اليهود دائماً يذكرون السبي البابلي وغيره، واليهود الآن إذا كانت لديهم صلوات أو أذكار يصنعونها وهم يرقصون مثل المتصوفة، ويقال إن سبب ذلك أنهم في عهود السبي كان لا يؤذن لهم بذكر الله، فكانوا يؤدون صلواتهم وهم يرقصون حتى لا يشك من يعذبهم.
يقول هؤلاء يرقصون ثم صارت عندهم عادة جعلوها سنة، فسبحان الله! حتى إني قرأت مرة في كتاب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"؛ المؤلف يتكلم عن حال نساء الأندلس وما كنَّ عليه من التبرج -المسلمات يعني- وكثرة الخروج والزينة وكذا وكذا، فهو كأنه شعر أن مثل هذا مجلب للسخط فدعا بدعاء هكذا قال: "أعمى الله عين الدهر عنهن".
لكن سبحان الله قد حصل لهم ما حصل، حتى يقول ابن القيم -كان يتكلم عن سقوط الأندلس في "إغاثة اللهفان"- يقول: "وتسلط العدو على بلاد الغرب وسبوا وفعلوا بهم لما ظهرت كذا وكذا، وظهرت الفلسفة وعلم الكلام فيهم"، لا إله إلا الله.
قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء: 111]
((حدثني القاسم بن هاشم، قال: حدثنا الخطاب بن عثمان، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: حدثني سعد بن سعيد، قال: حدثني أبوك إسماعيل بن أبي فديك)) -يعني جاء محمد بن إسماعيل بن أبي فديك يقول له: حدثني أبوك إسماعيل بن أبي فديك- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل فقال: يا محمد، قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} ». طبعاً هذا الخبر إسناده واهن وهذا مرسل.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬