سورة الأنبياء
قوله تعالى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52]
((حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا شباب بن السوار، عن فضيل بن مرزوق، عن ميسرة بن حبيب، قال: مر علي بن أبي طالب رضوان الله عليه على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟")).
وهذا الأثر له طرق عن علي وهو ماضٍ، والمحفوظ عن عموم الصحابة النهي عن الشطرنج والتشديد في ذلك، وفي ذلك أثر عن ابن الزبير وابن عمر، وما يروى عن بعض التابعين أنه أباح فكثير منه لا يثبت، وبعضهم لعب بالشطرنج لما دُعوا للقضاء حتى يبتعدوا عنه فأظهروا مثل هذا.
والإمام أحمد كان يرى تكسيرها وكانوا يكسرونها، واليوم يقولون مذهب الشافعي الكراهة ويهونون من شأنها، ولكن الواقع الذي عليه الآثار هو النهي عن ذلك.
وأصلاً هي لا تختلف عن "النردشير"، والنردشير فيها أحاديث: «من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير»، سوى أن الشطرنج لعبة فيها ذكاء واستراتيجيات وفيها كتب مؤلفة ومدارس، بينما النردشير حظ، فكانوا يقولون: "الشطرنج قدري، والنردشير جبري"، وهذا الذي فيه ذكاء يجهد الذهن أكثر.
((حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن سعد بن طريف)) -الضعيف- ((عن الأصبغ بن نباتة)) -الضعيف- ((عن علي أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفأ خير له من أن يمسها")).
وبسطت الطرق في "الصحيح المسند".
قوله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]
((حدثنا محمد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد)):
- شعبة بن الحجاج، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، أحد الستة الذين عليهم مدار الإسناد، وإذا روى عنه شعبة فلا تخشَ من روايته؛ لأنه يُخشى من أمرين في روايته: "اختلاطه" وشعبة روى عنه قبل الاختلاط، و"تدليسه" وهو نادر، وشعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين الأحاديث التي دلسوها.
وسليمان بن صرد صحابي صغير، فهذا خبر قوي إذا كان محمد بن حارث ماض.
يقول: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أرادوا أن يحرقوه بالنار جاءت عجوز، فقالوا لها: "أين تريدين تذهبين؟" قالت: "أذهب إلى هذا الرجل الذي يُحرق".
فلما ذُهب به ليُطرح في النار قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]، فلما طرحوه في النار قال: "حسبي الله ونعم الوكيل".
قال الله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}.
فقال أبو لوط - لأن لوط ابن عمه، ولوط هو أخو زوجة إبراهيم سارة-: "كان ابن عمي لم تحرقه النار من أجلي!" -جعلها كرامة لنفسه وهو مشرك- فأرسل الله عز وجل عليه ناراً فأحرقته.
قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78-79]
هذا الخبر مر معنا ملخصاً؛ لما طُلب إياس بن معاوية للقضاء خشي، فذهب إلى الحسن البصري، فقال إياس: "إني أخاف"؛ لأن الخبر أن القضاة ثلاثة: «قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة»؛ فقاضٍ في النار علم بالحق فحكم بخلافه - لا يخاف على نفسه من هذه إن شاء الله-، وقاضٍ في النار لم يعلم الحق وحكم بالباطل فهو في النار، والذي في الجنة هو الذي علم الحق وحكم به.
فبين له الحسن البصري رحمه الله أن القاضي إذا اجتهد وبذل وسعه فإنه ولو أخطأ فهو معذور، واستدل له بقصة داوود وسليمان لما حكم كل واحد منهما بحكم، وكان حكم سليمان أصوب من حكم أبيه، فأثنى الله على سليمان ولم يثرب على داوود.
وهذا معنى الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران».
إذا هي قسمة رباعية:
- من يعلم الحق ويحكم به: فهذا مأجور له أجران.
- من يعلم الحق ويحكم بضده (الباطل): فهذا آثم بلا إشكال.
- من يحكم بالباطل لتقصيره في طلب الحق: فهذا مذموم.
- من يحكم بالباطل ولم يرى سواه وقد بذل جهده وترجح له ذلك بنظر أو قياس خاطيء وعلى هذا يُحمل عموم أخطاء الفقهاء من أهل الحديث، ولابن تيمية رسالته المعروفة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".
قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 81]
((حدثنا أبو محمد، قال: حدثنا عمر بن محمد)) -هذا العنقزي، وفي الأزمنة المتأخرة اشتهرت نسبة "العنقري"، لكنه العنقزي قديماً- ((حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي)) -وهو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي،السدي اثنين محمد بن مروان وإسماعيل بن عبد الرحمن والذي يفسر اسمه وإسماعيل بن عبد الرحمن وعنده تشيع يسير لكنه مفسر معروف- في قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ} قال: (( "الريح الشديدة، {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} قال: أرض الشام" )).
وعامة ما يُذكر أن الأرض المباركة في القرآن هي أرض الشام، وهذا ما يدلك عليه مطلع سورة الإسراء.
وهذه فيها فائدة؛ لما وردت أحاديث أن الشام مباركة ظهر جماعة ممن يطعنون في السنة قالوا: "هذه الأحاديث خرجت أيام بني أمية لأن ملكهم كان في الشام"، وهذا ذكره محمود أبو رية في كتابه "أضواء على السنة المحمدية"، ورد عليه المعلمي في "الأنوار الكاشفة" بأن كون الشام أرضاً مباركة ثابت في القرآن، وأورد هذه الآيات ونحوها.
قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]
((حدثنا المثنى بن معاذ، قال: حدثنا يحيى بن سعيد)) -القطان، وهو إمام الجرح والتعديل الكبير، شيخ لأحمد وتلميذ لمالك وشعبة وسفيان- ((عن ربيع بن كلثوم)) -وهو من الثقات- قال: ((دخلنا على الحسن وهو يشتكي ضُره، وهو يقول: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}))؛ صحيح ما أكثر ما يصيب هذا! يقول: "كل وجع ولا وجع الضرس، وكل هم ولا هم الدَّين".
((حدثني عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا علي بن ثابت، عن الأسواري، عن هشام، عن الحسن)):
- هشام هذا هو هشام بن حسان القردوسي، كان خشبيا شعبة يقول كان ختني وكان ضعيفا يعني ما أجامله مع أنه كان ثقة عند الناس لا عفوا قال كان خشبيا، ويقول ابن سيرين: "هشام منا أهل البيت"، وكان ثبتاً في الحسن البصري ولم يسمعه كان يأخذ كتب "الحوشب" من تلاميذ الحسن، ولهذا مشيت آثاره عن الحسن في جمع الحسن (400 أثر صحيح عنه) لأن له عناية بكتبه وأخباره من كبار تلاميذه.
قال: (( "مكث أيوب ملقى على زبالة سبع سنين" )).
وهذه أخبار إلقاء أيوب على زبالة صحيحة عن السلف، طبعاً جاء الناس المتأخرون المتأثرون بالأشاعرة -حتى بعض المنتسبين للسلفية- "وهذا يطعن في نبي الله أيوب"، وهذه أخبار السلف؛ يعني السلف يدونون هذه.
يوم صارت "الطلابَة" بين هشام البيلي ومحمد سعيد رسلان وكل واحد يسفه الآخر، فذكروا هذه القصة.
(( "سبع سنين يمر به الرجل فيمسك أنفه" )) -انظر هذا نبي الله- (( "حتى مر به رجلان فقالا: لو كان لله في هذا حاجة لما بلغ هذا منه" )).
انظر إلى تفكير كثير من الناس؛ لما رأوا نبي الله مبتلى قالوا: "لا، هذا لو كان له قيمة عند الله عز وجل ما ابتلي هذا البلاء!"، مع أنه أحب خلق الله إلى الله، فإذا ما ابتلي فقدر عليه؛ فعند ذلك قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83].
وقوله تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]
((حدثني هارون بن أبي يحيى السلمي، عن شيخ من ضبة: أن عثمان بن جعل يقول -حين ضُرب والدماء تسيل على لحيته-: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعديك عليهم وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما أبليتني" )).
هذا ضُرب -أكيد ضربه السلطان أو ضربوه ناس- فكان يدعو بهذا الدعاء؛ يعترف بذنبه ثم يسأل الله عز وجل على هؤلاء الذين ظلموه.
((حدثني الحسن بن علي، قال: حدثني أحمد بن صالح)) -أحمد بن صالح المصري، وهو إمام من أئمة الجرح والتعديل وحافظ، لكن عنده تسامح، وكان عبد الله بن وهب يقول فيه: "بابه السلامة"- وهو ثقة.
((حدثنا عبد الله بن وهب -وهذا الإمام المصري المشهور الذي أخذ عن مالك- قال: حدثني أبو صخر، أن يزيد الرقاشي -وهو عابد زاهد ورع لكنه متروك في الحديث- قال: سمعت أنس بن مالك ولا أعلم إلا أنساً يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم –يزيد الرقاشي يسمع الحديث عن الحسن يخله عن أنس عن رسول الله هذا ضعفه - وفاة الحسن قريبة من وفاة أنس لهذا لهم تلاميذ مشتركين فالحسن ولد في خلافة عمر: أن يونس حين بدا له أن يدعو بالكلمات حين ناداه وهو في بطن الحوت، فقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، فأقبلت الدعوة نحو العرش، فقالت الملائكة: "يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة"، فقال الله: "أما تعرفون ذلك؟"، قالوا: "يا رب، ومن هو؟" -حتى الملائكة لا تعلم الغيب- قال: "ذاك عبدي يونس"، قالوا: "عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة؟ يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟" قال: "بلى"، فأمر الحوت فطرحه بالعراء)).
هذا الخبر ضعيف جداً، لكن مروي في آثار موقوفة ومقطوعة، وهذا المعنى: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»، وهذا وردت فيه أخبار أن الإنسان إذا كان يدعو في الرخاء تقول الملائكة كلاماً نحواً من هذا.
((حدثنا هارون بن سفيان، قال: حدثنا عبيد بن محمد، قال: حدثنا محمد بن مهاجر القرشي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن جده)) -وجده هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه- قال: ((كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألا أخبركم أو أحدثكم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا دعا ربه ففرّج عنه؟» فقالوا: "بلى"، قال: «دعاء ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}»)).
وهذا له طرق عديدة، وعامتها لا تقوم، لكن رواها أحمد أظن، وأقوى لفظ هو: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له».
تنازع فيه الناس وهو ماض بالجملة.
((حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن قال: "لم يكن بقي من أيوب إلا لسانه وعيناه")).
يعني كل شيء فيه مات لكن ظل عنده لسانه وقلبه، وكانت الدواب تجتمع في خده، وألقي على الكِناس، وكان في بلائه سبع سنين وأشهراً وأياماً.
((حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى)) -وهو الثقة المتشيع الذي يقول فيه أبو خزيمة: "حدثنا الثقة في حديثه المتهم في دينه"، وهو شيخ للبخاري- ((عن إسرائيل بن يونس)) -وهو حفيد أبي إسحاق - ((عن عمرو بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود -في خبر طويل- قال: إن يونس كان وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه آتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروا)).
وهذا الاسناد ماشي بالجملة، وهذه تشبه صفة صلاة الاستسقاء إذا خرج الناس؛ فكف الله عنهم العذاب.
((وغدا يونس ينتظر العذاب فلم يرَ شيئاً، وكان مَن كذب ولم تكن له بينة قُتل، فانطلق مغاضباً حتى أتى قوماً في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة صارت تسير يميناً وشمالاً، فقالوا: "ما لسفينتكم؟"، قالوا: "ما ندري"، فقال يونس: "إن فيها عبداً [....]، وإنها لا تسير بكم حتى تلقوه"، قالوا: "أما أنت يا نبي الله فوالله لا نلقيك"، فقال لهم يونس: "اقترعوا"، فمن قرع فليقع، فاقترعوا)) -وهذا من أدلة أهل الحديث على القرعة- ((فقرعهم يونس ثلاث مرات، فوقع، وقد وكل الله به الحوت، فلما وقع ابتلعه فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} -والظلمات ثلاث: بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر- {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145]، قال: "كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش")).
((فأنبت الله عز وجل عليه شجرة من يقطين، وكان يستظل بها ويصيب منها، فلما يبست بكى عليها، فأوحى الله عز وجل إليه: "أتبكي على شجرة إذ يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أن نهلكهم؟")).
وهذا خبر ماشي بالجملة.
((حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو معاوية -محمد بن خازم الضرير، عن الأعمش - وهو أثبت الناس في الأعمش، وهو كان مرجئاً والأعمش متشيعاً، فوكيع يقول: نعلم أنه مرجئ لكنه ثبت في الأعمش- عن عمرو بن مرة -وهذا أيضاً من المرجئة وكان عابداً على عادة المرجئة الأوائل- عن عبد الله بن الحارث)) -عبد الله بن الحارث من التابعين الكبار
(( "لما خرج يونس مغاضباً ركب السفينة" )) -وإسناده صحيح- (( "فجعلت السفينة لا تجري، فقال بعضهم لبعض: إن فيكم لرجلاً عاصياً، فاقترعوا" )).
وأحسن من تكلم عن قصة يونس وما حصل منه الطبري في تفسيره، وكل المفسرين الذين بعده كلامهم يلف يميناً ويساراً عن واقع آثار السلف، أما الطبري فهو الذي تكلم بما تقتضيه الآثار، وكلامه في هذه المسألة كان غاية في الحسن.
(( "فاقترعوا فمن وقعت عليه القرعة فاطرحوه في الماء، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، ثم أعادوا فوقعت على يونس، فقال يونس: أنا صاحبها.
فقام ليطرح نفسه وإذا حوت قد رفع رأسه من الماء قدر الذراعين والثلاثة، فلما رآه تحول إلى جانب آخر فإذا الحوت أيضاً استقبله، فعرف أن ذلك من أمر الله فطرح نفسه فالتقمه الحوت" )).
(( "فأوحى الله إليه: أن لا تهضمي له عظماً ولا تأكلي له لحماً حتى آمركِ فيه بأمري.
فنهد به الحوت" )) -نهد به الحوت يعني حمله- (( "حتى أوقفه بالطين، فإذا الطين يسبح، وإذا كل شيء فيه تسبيح، قال: فذلك الذي هاجه على التسبيح، فقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]" )).
(( "قال: فلبث في بطنه ثلاثة أيام، ثم أوحى الله عز وجل إليه أن أخرجه، فطرحه على شط دجلة وقد نهكه الحوت، فأنبت الله عز وجل عليه شجرة من يقطين -وهي القرع- فجعل يمص منها ويستظل" )).
والنبي ﷺ كان يحب القرع.
(( "فأوحى الله عز وجل إليه: يا يونس اذهب إلى صاحب الفخار على دجلة فقل له: إن الله يأمرك أن تكثر فخارك.
فأتاه فقال له، فقال صاحب الفخار: لا لعمري لا أُكثر فخاري وفيه معيشتي.
فأوحى الله عز وجل إليه: يا يونس، صاحب الفخار أمنَّ بفخاره منك بمائة ألف من قومك أردت أن أهلكهم" )).
(( "قال: بعث الله عز وجل على تلك الشجرة دابة فأكلتها فسقطت الشجرة، فجلس يبكي، فأوحى الله عز وجل إليه: يا يونس، أنت أضن بهذه الشجرة من مائة ألف أردت أن أهلكهم من قومك" )).
وهذا خبر ماضٍ.
((حدثني سفيان بن وكيع)) -سفيان بن وكيع بن الجراح، ووكيع بن الجراح إمام معروف، لكن سفيان هذا على جلالته وسماه والده على سفيان الثوري؛ كان فيه كلام لأن وراقه كان يدخل عليه أحاديث مكذوبة-.
((قال: حدثنا جميع بن عمر)) -وجميع هذا كوفي شيعي فيه كلام، وانتبه لرواة الشيعة فقد يغشك الاسم "عمر" أو "ابن عمر" وهو شيعي دجال- ((عن مجالد، قال: ذُكر عند الشعبي أن يونس مكث في بطن الحوت أربعين ليلة، فقال: "ما مكث فيه يوماً، إنما ابتلعه ضحى، فلما كانت الشمس تغرب تثاءب الحوت")).
مرت معنا روايات أن الحوت تثاءب، فرأى يونس ضوء الشمس قبل أن تغرب فقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، فخرج.
قوله تعالى: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90]
((حدثني الفضل بن يعقوب، قال: حدثنا أبو عاصم العسقلاني، قال: حدثنا سفيان)) -الثوري- ((عن طلحة)) -طلحة بن عمر القناد، وهو ضعيف جداً، لكن هنا يروي عن شيخه عطاء مباشرة- ((عن عطاء)) -ابن أبي رباح- في قوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} قال: (( "كان في لسانها طول" )).
وهذا تقريباً اتفاق السلف؛ أن زوج زكريا -وقيل أيوب- كان في لسانها طول، أي "طول لسان".
قوله تعالى: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]
((حدثنا ابن عبد الله، قال: حدثنا أسد بن موسى)) -ويلقب بـ "أسد السنة"، وهو أموي، وابن حجر قال فيه "نصب" ولا أعلم أحداً سبقه إلى هذا الوصف- ((قال: حدثنا ضمرة، عن سفيان)) -الثوري- في قوله: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} قال: (( "الحزن الذائع في القلب" )).
قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ} [الأنبياء: 100]
((حدثنا سريج بن يونس، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي)) -وهو عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، يُنسب لعبد الله بن مسعود- ((عن يونس بن خباب)) -ويونس هذا فيه كلام شديد- قال: ((قال عبد الله بن مسعود: "إذا بقي في النار من يخلد فيها، جُعلوا في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، فما يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره")).
يعني يرى أنه لا أحد يواسي الثاني؛ الواحد لما يرى غيره معه يحصل له نوع من المواساة كما قالت الخنساء: "ولولا كثرة الباكين حولي.. على إخوانهم لقتلت نفسي".
ثم قرأ عبد الله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ}.
(تنبيه: عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي هو من ذرية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو غير صاحب "مروج الذهب").
قوله تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103]
((حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن ابن السائب)) -محمد بن السائب الكلبي- ((عن أبي صالح باذان، عن ابن عباس)): {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} قال: (( "إذا أطبقت جهنم على أهلها" )).
قوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]
((حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان الثوري، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس)):
- وهذا سند صحيح، والحديث في "صحيح البخاري".
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم فوعظهم فقال: «يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرلاً -يعني غير مختونين- {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ». قال: «فيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات اليسار -طريق الشمال طريق النار- فأقول: ربي أمتي أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 117-118]. فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.
وأول من يُكسى إبراهيم صلى الله عليه وسلم».
وهذا فيه شاهد لاعتقاد أهل السنة أن أفضل نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم هو إبراهيم عليه السلام، وفيه ذم المحدثات، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؛ وكنت أقرأ في شرح البخاري للشيخ ابن باز فذكر قصة الإفك وقال: "فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر لا يعلمون الغيب"، رداً على ما يقوله مجرمو الصوفية.
والمذادون عن الحوض هم من ارتد وأهل البدع وأئمة الجور ومن يعينهم.
قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]
((حدثني علي بن مسلم، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا سعيد بن عامر الضبعي)).
والذهبي يوم مات ابن تيمية ماذا قال؟ قال:
يا مَـوتُ خُـذ مـا شِئتَ أو فَـدَعِ مَحَوتَ رَسـمَ العُلـومِ والـوَرَعِ
غَيَّـبـتَ بَـحـراً مُـفَـسِّـراً جَـبَـلاً بِـهِ اسـتَـقـامَـت مَـدارِجُ الـشَّـرَعِ
وكـانَ عـالـي الإسـنـادِ حـافِـظَـةً كَـشُـعـبَـةٍ أو سَـعـيـدٍ الضَّـبُـعِـي
يقصد هذا: سعيد بن عامر الضبعي.
قال: ((بلغني عن ابن عون -عبد الله بن عون بن أرطبان، تلميذ الحسن البصري من طبقة أتباع التابعين، وكان يُقارن بالحسن في الزهد والورع والتقوى والفقه- أنه قرأ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} قال: "إني لأرجو أن لا يعذبهم الله عز وجل العذاب" )).
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لا يؤخذون بعذاب عام كما كان في أزمنة الأنبياء الأوائل، ثم لهذه الأمة من يدخل النار ومنهم من يُغفر له.
▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬