التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنياسورة آل عمران
أهل الأثرالأرشيف العلمي

((قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30])).

قال: حدثني أبو عبد الله، قال: حدثني أيوب بن هانئ (شيخ من أصحاب الحديث في مجلس يزيد بن هارون) قال: "رأيت في ليلة الفطر وقد كنا مُطرنا بعض الليل، وقد كنت أمرت بناتي أن يخرجن أبكاراً إلى العيد، فلما جاء المطر قلت لا أذهب، فإذا شيخ عند رأسي وقت السحر وهو يقول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]".
قال: "فتوضأت وحملت نفسي إلى الذهاب إلى العيد، فانصرفت، ثم قال: فإذا قائل يقول لي: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30]".

وهذه المسارعة في ماذا؟ في العيد وصلاة العيد وهي ليست واجبة، فما بالك بصلاة الجماعة؟ انزل هذا المعنى على صلاة الجماعة وعلى كل خير.


((قوله تعالى: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79])).

حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا أبو شهاب، عن سفيان، عن ابن منصور، عن أبي رزين في قوله: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} قال: "حلماء علماء".
وهذا صحيح عن أبي رزين.


((قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103])).

قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان (ابن عيينة)، عن مسعر (بن كدام)، عن عون بن عبد الله (وهو من التابعين الفضلاء) في قوله: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} قال: "إني لأرجو ألا يعيدكم الله فيها بعد أن أنقذكم منها".
وهذه الآية فيها أن أهل الفترة ليسوا كلهم أهل نجاة، بل الأصل فيهم الهلكة؛ لأنهم كانوا على شفا حفرة من النار إن عددنا كفار قريش من أهل الفترة.


((قوله تعالى: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117])).

قال: حدثنا الحسين (المروزي)، وعبد الله (ابن المبارك)، قال: حدثني أحمد بن العباس النمري، قال: حدثنا يونس بن محمد المكي.
قال: "زرع رجل من أهل الطائف زرعاً، فلما أصابته آفة فاحترق، فدخلنا عليه نواسيه عنه فبكى، فقال: والله ما عليه أبكي، ولكن سمعت الله تبارك وتعالى يقول: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} فأخاف أن أكون من هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني".
جاءت آفة أكلت زرعه، وكما يقول سفيان بن عيينة: "إذا كان القلب حياً ففي كل شيء لك عبرة".
خشي أن يكون عمله يوم القيامة كهذا الزرع، فهذا الذي أبكاه وجعلها عبرة رحمه الله تعالى.
قال: حدثنا الفضل، قال: حدثنا الفريابي، قال: أنبأنا جعفر، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} قال: "ريح فيها زمهرير بارد".


((قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133])).

هذا الخبر الذي مر معنا في الرجل في العيد؛ لأن هذه الآية هي التي تليت عليه أولاً تحثه، ثم لما عاد تليت عليه: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا}.


((قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135])).

قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأسدي (المتشيع)، قال: حدثنا أسد بن عمرو البجلي، عن أشعث، عن ابن سيرين (إسناده قوي).

قال ابن سيرين -وهو التابعي البصري المشهور-: "أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم".
يعني بنو إسرائيل كان كل ذنب له عمل معين تفعله، أما نحن فجعلت لنا هذه الآية.

قال: حدثني محمد بن هارون، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: حدثنا واصل مولى أبي عيينة، قال: دفع إليّ يحيى بن عقيل صحيفة، قال: أنبئت أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقول:

"الذنوب أربعة؛ ذنبان مغفوران، وذنبان لا يغفران:

  1. رجل عمل ذنباً فأخطأ، فالله يمن ولا يعذبه عليه، وقد قال فيما أنزل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب: 5].
    2. ورجل عمل ذنباً قد علم ما فيه فتاب إلى الله وندم على ما فعل، وقد جثى الله أهل هذا الذنب أفضل الجزاء فقال في كتابه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ...} [آل عمران: 135].
    3. وذنبان لا يغفران لأهلهما: رجل قد عمل ذنباً قد علم ما فيه فأصر ولم يتب إلى الله، ولن يتوب الله على عبد حتى يتوب".
    (وهذا على أن الكبائر لا تُغفر إلا بالتوبة على الأغلب).
    4. "ورجل زُين له سوء عمله فراه حسناً، فإن هذه التي يهلك فيها عامة من يهلك من هذه الأمة (يعني البدع)".

والأثر لا يصح عن ابن مسعود، ومعناه أن البدع بريد الشرك، وعامة هلاك الأمة منها.
وهذا يدلك على أهمية العناية بالعقيدة؛ لأن الناس مهما بلغت ذنوبهم إذا وعظتهم تأثروا، لكن الذي زُين له سوء عمله فراه حسناً؟ (كأصحاب البدع والشرك) فهذا يحتاج جهداً عظيماً.


قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا شيبان، عن نعيم بن أبي هند، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن عبد الله (وهو من آثار ابن مسعود الصحيحة).

قال: "إني لأعلم آيتين في كتاب الله لا يقرأهما عبد عند ذنب يصيبه ثم يستغفر الله إلا غفر له".

قلنا (علقمة والأسود): آيتين في كتاب الله؟ فلم يخبرنا، "ففتحنا المصحف"؛ انظر إلى همة أهل العلم، علقمة والأسود كبار التابعين وتلاميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والأسود يروي عن عائشة ويروي عن عمر، وهؤلاء خواص عبد الله بن مسعود وبه تخرجوا، وأصحاب ابن مسعود هؤلاء آية من آيات الله تبارك وتعالى.

فماذا فعلوا؟ قال لهم: "آيتان"، فماذا فعلوا؟ ذهبوا يقرؤون المصحف يبحثون عنهما.

قال: "فقرأنا البقرة فلم نصب شيئاً، ثم قرأنا النساء -وهي في تأليف عبد الله (مصحف ابن مسعود) على إثرها، أي النساء قبل آل عمران- فانتهينا إلى هذه الآية: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110]، قلت: أمسك هذه! إن هذه هي.
ثم انتهينا إلى آل عمران إلى هذه التي يذكر فيها: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] إلى آخرها، ثم أطبقنا المصحف وأخبرنا بهما عبد الله، فقال: هما هاتان".
ما شاء الله، رضي الله عنه.


((قوله تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163])).

حدثنا حمزة بن العباس، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان (وهو مشهور بلقب عبدان)، أخبرنا ابن المبارك، أنبأنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك.

في قوله: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} قال: "بعضهم أفضل من بعض، فيرى الذي قد فُضّل به فضيلته، ولا يرى الذي أسفل منه أنه فُضّل عليه أحد من الناس".

هذا أثر جليل جداً وصحيح.
يقول: أهل الجنة الدون لا يشعر أنه دون، والذي فوق يشعر أنه فوق؛ لكي لا يتضايق من هو في الدرجة الأقل، سبحان الله.
اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رب.


((قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169])).

حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الأعمش، عن أبي الضحى (مسلم بن صبيح)، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

قال: سألناه عن هذه الآيات: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فقال: "أما إنا قد سألنا عنها، فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأُحد جعل الله تبارك وتعالى أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة".

يعني روح الشهيد تكون في جوف طير في الجنة، فإذا أكل الطير من ثمر الجنة يجد نعيماً، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فيقولون: "ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا"، ثم يطلع عليهم اطلاعة فيقول: «يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟»، فيقولون: "ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا، إلا أنا نحب أن تُرَد أرواحنا إلى أجسادنا ثم نُرَد إلى الدنيا فنقاتل فنقتل فيك مرة أخرى".

وإن كان الإسناد فيه كلام لكن هذا المعنى مروي في صحيح مسلم.


((قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185])).

حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد، قال: خطبنا الحجاج فقال: "ابن آدم، أنت اليوم تأكل وغداً تُؤكل"، ثم تلا: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، ثم بكى حتى جعل يتلقى دموعه بإمامته.
(الله العظيم، الحجاج!).

حدثني محمد بن الحسين (برجلان)، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا حوشب بن عقيل، قال: سمعت يزيد الرقاشي (عابد جليل لكنه ضعيف في الحديث تروى مواعظه).

يقول لما حضره الموت: "{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185]، ألا إن الأعمال محضرة، والأجور مكملة، ولكل ساع غاية، الدنيا وأهلها إلى الموت".

ثم بكى قال: "يا من القبر مسكنه، وبين يدي الله موقفه، والنار غداً مولده -يعني على الصراط- ماذا قدمت لنفسك؟ ماذا أعددت لمصرعك؟ ماذا أعددت لوقوفك بين يدي ربك؟".


((قوله تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198])).

حدثني محمد، قال: حدثنا خالد بن يزيد، قال: حدثنا بشر الآدمي، قال: قال أبو حازم (سلمة بن دينار تابعي مشهور).

لما حضره الموت قال: "ما أتينا على شيء من الدنيا إلا على ذكر الله، وإن كان هذا الليل والنهار لا يأتيان على شيء إلا أخلقاه، وفي الموت راحة للمؤمنين"، ثم قرأ: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}.
وتحفة المؤمن حفرته كما يقول مسروق.


((قوله تعالى: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200])).

حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثني عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده أسلم (مولى عمر بن الخطاب، وإسناده قوي).

أن أبا عبيدة عامر بن الجراح حُصر فكتب إليه عمر رضي الله عنه: "مهما ينزل بامرئ من شدة يجعل الله له بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين"، وأنه يقول سبحانه وتعالى: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

▬▬▬▬▬▬▬▬▬ ◈ ▬▬▬▬▬▬▬▬▬

فصول الكتاب · 106 فصل
فصول التعليق على التفسير من كتب ابن أبي الدنيا
مقدمة الكتابمقدمةسورة الفاتحةسورة البقرةسورة آل عمرانسورة النساءسورة المائدةسورة الأنعامسورة الأعرافسورة الأنفالسورة التوبةسورة يونسسورة هودسورة يوسفسورة الرعدسورة إبراهيمسورة الحجرسورة النحلسورة الإسراءسورة الكهفسورة مريمسورة طهسورة الأنبياءسورة الحجسورة المؤمنونسورة النورسورة الفرقانسورة الشعراءسورة النملسورة القصصسورة العنكبوتسورة الرومسورة لقمانسورة السجدةسورة الأحزابسورة سبأسورة فاطرسورة يسسورة الصافاتسورة صسورة الزمرسورة غافرسورة فصلتسورة الشورىسورة الزخرفسورة الدخانسورة الجاثيةسورة الأحقافسورة محمدسورة الفتحسورة الحجراتسورة قافسورة الذارياتسورة الطورسورة النجمسورة القمرسورة الرحمنسورة الواقعةسورة الحديدسورة المجادلةسورة الحشرسورة الجمعةسورة التغابنسورة الطلاقسورة التحريمسورة الملكسورة القلمسورة الحاقةسورة المعارجسورة نوحسورة الجنسورة المزملسورة المدثرسورة القيامةسورة الإنسانسورة المرسلاتسورة النبأسورة النازعاتسورة عبسسورة التكويرسورة الانفطارسورة المطففينسورة الانشقاقسورة الطارقسورة الأعلىسورة الغاشيةسورة الفجرسورة البلدسورة الشمسسورة الليلسورة الضحىسورة الشرحسورة التينسورة الزلزلةسورة العادياتسورة التكاثرسورة العصرسورة الهمزةسورة الفيلسورة الكوثرسورة المسدسورة الإخلاصسورة الفلقسورة الناسخاتمة المجلسالفهرس
جارٍ التحميل