مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
سواء في ذلك مباينة الأجسام بعضها لبعض، والأعراض بعضها لبعض، ومباينة الأجسام والأعراض، ثم الأجسام والأعراض تتباين، مع تماثلها بأحيازها وجهاتها، المستلزمة لتباين أعيانها، وتباين مع اختلافها أيضًا بتباين أحيازها وجهاتها مع اختلافها، كالجسمين المختلفين، والعرضين المختلفين في محلين، وأدنى ما تتباين به الاختلاف في الحقيقة والصفة دون الحيز، كالعرضين المختلفين في محل واحد، فلو لم يباين الباري لخلقه، إلا بمجرد
الاختلاف في الحقيقة والصفة، دون الجهة والحيز والقدر، لكانت مباينته لخلقه، من جنس مباينة العرض لعرض آخر حال في محله، أو مباينة الجسم للعرض الحال في محله، وهذا يقتضي أن مباينته للعالم، من جنس تباين الشيئين، اللذين هما في حيز واحد ومحل واحد، فلا تكون هذه المباينة تنفي أن يكون هو والعالم في محل واحد؛ بل إذا كان العالم قائمًا بنفسه، وكانت مباينته له من هذا الجنس، كانت مباينته للعالم مباينة للجسم الذي قام به، ويكون العالم كالجسم، وهو معه كالعرض، وذلك يستلزم أن تكون مباينته للعالم مباينة المفتقر إلى العالم وإلى محل يحله، لا سيما والقائم بنفسه مستغن عن الحال فيه.
وهذا من أبطل الباطل، وأعظم الكفر؛ فإن الله تعالى غني عن العالمين كما تقدم.
ومن هنا جعله كثير من الجهمية حالًّا في كل مكان، وربما جعلوه نفس الوجود القائم بالذوات، أو جعلوه الموجود المطلق، أو نفس الموجودات، وهذا كله مع أنه من أبطل الباطل، وهو تعطيل للصانع، ففيه من إثبات فقره وحاجته إلى العالم ما يجب تنزيه الله عنه، وهؤلاء زعموا أنهم نزهوه عن الحيز والجهة لئلا يكون مفتقرًا إلى غيره، فأحوجوه بهذا التنزيه إلى كل شيء، وصرحوا بهذه الحاجة، كما ذكنا في غير هذا الموضع.
فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) } [مريم: 88-95] ومع هذا فهؤلاء أقرب إلى الإثبات، وإلى العلم من إثبات مباينة لا تعقل بحال، وهو مباينة من قال لا داخل العالم ولا خارجه، فإن هذه ليست كشيء من المباينات المعروفة، التي أدناها مباينة العرض للجسم، أو للعرض بحقيقته؛ فإن ذاك يقتضي أن يكون أحدهما في الآخر، أو يكون كلاهما في محل واحد، وإذا كان هؤلاء النفاة، لم يثبتوا له مباينة تعقل وتعرف، بين موجودين علم أنه في موجب قولهم معدومًا، كما اتفق سلف الأمة وأئمتها، على أن ذلك حقيقة قول هؤلاء الجهمية، الذين يقولون: إنه ليس فوق العرش، أنهم جعلوه معدومًا، ووصفوه بصفة المعدوم.
يدل على ذلك أن هذا الرازي، جعل مباينته لخلقه، من جنس مباينته للحيز، ولا يجب أن يكون موجودًا كما تقدم، فعلم أنهم أثبتوا مباينته للعالم من جنس مباينة الموجود للمعدوم، أو من جنس مباينة المعدوم للمعدوم، والعالم موجود لا ريب فيه؛ فيكونون قد جعلوه بمنزلة المعدوم.
وهذا هي حقيقة قولهم.
وإن كانوا قد لا يعلمون ذلك؛ فإن هذا حال الضالين.
الوجه الثامن والثلاثون: أن يقال: هب أنهم أثبتوا له مباينة تعقل، لبعض الموجودات، فالواجب أن تكون مباينته للخلق، أعظم من مباينة كل لكل، فيجب أن يثبت له من المباينة، أعظم من مباينة العرض للعرض ولمحله، ومباينة الجوهر للجوهر، وكذلك يقتضي أن يثبت له المباينة بالصفة، التي تسمى المباينة بالحقيقة أو بالكيفية، والمباينة بالقدر، التي تسمى المباينة بالجهة أو الكمية، فتكون مباينته بهذين أعظم مما يعلم من مباينة المخلوق المخلوق؛ إذ ليس كمثله شيء في شيء مما يوصف به.
وأما إثبات بعض المباينات دون بعضها، فهذا يقتضي مماثلة المخلوق، وأن يكون شبهه ببعض المخلوقات، أعظم من شبه بعضها ببعض، وذلك ممتنع.
يوضح ذلك:
الوجه التاسع والثلاثون: وهو أن