بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 254-293
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب

صفحات 254-293
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

الأدوات في مواضعها مستوفين لتعلقها بما تعلقت به بحسب تلك الحقائق وإن كان يكون بين تلك المعاني قدر مشترك لكن ذلك القدر المشترك مطلق لا وجود له في الخارج بل الذهن يجرده إذ هم لم يتكلموا بهذه الأدوات مطلقة قط ثم إن النحاة رأوا ذلك المعنى المشترك فيه نوع مشابهة لما تسميه العرب من الأجسام ظرفًا فسموه ظرفًا حقيقة عرفية خاصة اصطلاحية ليست هي اللغة التي تكلم بها العرب وجاء بها القرآن والحديث وهكذا سائر اصطلاحهم مثل الفاعل والمفعول والحال والصفة والتمييز والمعرب والمبني والمبتدأ والخبر ونحو ذلك فإن العرب لا تفرق بين الجملة الإسمية والفعلية في تسمية كل منهما خبرًا صادقًا أو كاذبًا ولا يسمى المفرد الذي لا يستقل بالإفادة خبرًا فتسمية المفرد الذي هو أحد ركني الجملة خبرًا وتخصيص ذلك بالجملة الإسمية دون الفعلية بل تخصيص ذلك بالجزء الثاني منها دون الأول هذا لفظ النحاة واصطلاحهم وإن كان بينه

وبين اللغة الأصلية نوع تعلق يجعله بالنسبة إليه مجازاً كما سمع بعض الأعراب قومًا من النحاة يتحدثون باصطلاحهم فقال قوم يتكلمون في كلامنا بغير كلامنا ليصلحوا به كلامنا وكذلك اسم الفاعل هو الاسم الذي اسند إليه الفعل ونحوه متقدمًا عليه مثل قام زيد وأقام زيد ونحو ذلك ولا يسمون الاسم الظاهر في قولك زيد قائم فاعلاً بل مبتدأ ومن المعلوم أن لفظ الفاعل ليس لمسماه في اللغة لفظ ولا يختص إذا جعل اسمًا لاسم الفاعل عن قديم أو آخر بل هذا اصطلاح احتاجوا إليه لبيان قوانين اللغة العربية في نحوها وتصريفها وهو من أنفع الأشياء في معرفة الأدلة السمعية واللغة العربية لكن ينبغي أن يعرف اصطلاح اللغات ليحمل كلام كل متكلم على لغته وعادته ومثال ذلك في الأدوات التي يسميها النحاة ظروفًا أنهم يقولون رأيت فلانًا في داره ويقولون رأيت فلانًا في المرآة أو الماء ويقولون رأيت فلانًا في المنام فلفظ في التي يسميها النحاة ظرف مكان موجود في المواضع الثلاثة مع العلم بأنه ليس المعنى الظاهر ولا حقيقة اللفظ في قولهم في البيت مثل قولهم في المرآة

ولا مثل قولهم في المنام وكل من الألفاظ الثلاثة حقيقة في معناه وقوله رأيته في المرآة حقيقة ومعنى ظاهر لا مجاز ولا خلاف الظاهر وكذلك قوله رأيته في المنام معناه ظاهر وهو أيضًا حقيقة هذا اللفظ مع العلم بأن ظاهر اللفظ الأول أن ذاته قد كانت في داره وليس ظاهر اللفظين الآخرين أن ذاته كانت في المرآة ولا في نفس الرائي ومع العلم بأن كونه مرئيًّا في المرآة ووجوده في المرآة ليس مساويًا لكونه مرئيًّا في المنام ولا لوجوده في نفس الرائي وذلك لاختلاف حقائق المَحَال وتعلق الحال بها التي هي معاني اللفظ لظرف فليس الدار كالمرآة ولا المرآة كنفس الرائي ولا وجود زيد في الدار كوجوده في المرآة أو في نفس الرائي إذا عرف هذا فلفظ عند هي من الألفاظ التي يسميها النحاة ظرف مكان فتتنوع دلالتها بتنوع معنى الاسم أو الفعل الذي يسمونه مظروفًا ويتنوع أيضًا بتنوع ما يضاف

إليه من الظرف وهي في نفسها اسم ليست حرفًا بخلاف في فإنها حرف وإذا كان كذلك فهم يقولون ويستعملون ذلك في بعض الأعيان القائمة بنفسها كقولهم فلان أو المال عند فلان كما في مثل قوله تعالى وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) [الصافات 48] وقوله أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) [الطور 37] ومن هذا قوله تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) [القمر 54-55] وقوله إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) [الأعراف 206] وقوله وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) [الأنبياء 19] وقوله فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) [فصلت 38] وقوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف 42] أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ [النجم 35] ويستعملون ذلك أيضًا فيما يقوم بغيره من الصفات والأفعال كقوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف 42] وقوله أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) [النجم 35] وقوله أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) [الطور 41] ومعلوم أن الذي عنده هو قائم بنفسه وكذلك الذكر

الذي عند الملك قائم بالذاكر وهذه الألفاظ على ظاهرها وهي حقيقة كالأولى بل النحاة يقولون إن الظرف لا يتعلق في نفس الأمر إلا بفعل مذكور أو محذوف فإذا علق بالأعيان أو الصفات في خبر المبتدأ أو الصفة أو الحال كان العامل فيه فعلاً عامًا أو اسم فاعل عام فإذا قيل زيد في البيت كان التقدير استقر أو مستقر في البيت أو كان أو حصل أو وجد أو كائن أو حاصل ونحو ذلك ويقولون إن ذكر عامل الظرف في خبر المبتدأ شريعة منسوخة ومحققوهم يقولون لم يكن هذا شريعة قط فإن الناطقين باللغة لم ينطقوا بهذا قط وإنما هو موجب بالقياس لكن عدل عن ذكره لوضوح المعنى بدونه وعدم الحاجة إليه فإن مقصودهم بذلك طرد القياس في أن الظرف إنما ينتصب بفعل مذكور أو مقدر ومن الناس من تنازع في ذلك وفي هذا من البحوث ما ليس هذا موضعه ويقولون أيضًا فلان عند فلان عالم أو عدل أو مسلم وهذا عنده جائز أو محرم وهذا عنده محبوب أو مكروه وعظيم أو حقير ونحو ذلك ومنه قوله تعالى عن

جبريل إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) [التكوير 19-21] وقوله وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) [ص 47] وهذا نظير كون العلم عند العالم فإن الذي عنده من قبل ما في نفسه من الاعتقاد والإرادة وما يتبع ذلك فإذا اعتقد أنه عالم أو عدل كان عند محبته وتعظيمه وكذلك بالعكس ومعلوم أن ذلك إنما صار ظرفًا لفظيًّا لأن المعلوم المحبوب والمعظم لابد أن ترتسم صورته في النفس فيقال فلان عالم عندي فيجعل الظرف ظرفًا للجملة وهي الاسمان والمعنى ظاهر معروف أن المظروف إنما هو اعتقاد علمه لا نفس ذاته ولا نفس علمه وذلك

لأن الخبر بقوله عالم أفاد ثبوت علمه بذكر الظرف بعد ذلك أي هذا الثبوت وهذه النسبة التي دل عليها اللفظ هي عندي في نفسي وأما كونها في الخارج فذلك مقام آخر وكذلك إذا قيل إنه محبوب أو معظم عندي فإن التقييد بالظرف دل على أن هذه المحبة وهذه العظمة في نفسه فإذا كان معنى الجملة يقوم بالنفس وذلك مسبوق بقيام مفرديها فمعنى المفرد أيضًا يقوم بالنفس فيقال فلان لا يزال عندي أي في نفسي فهو مثاله وصورته العلمية ويحصل الفرق بين كون المظروف ذاته في الخارج أو المظروف صورته علمًا وحبًّا ونحو ذلك في النفس بحسب الظرف والمظروف فإذا كان الخطاب عن ميت أو غائب مثل أن يقول القائل إذا اجتمع بمن كان غائباً عنه والله ما زلت عندنا كان ظاهر هذا اللفظ ما زلنا نستحضرك بقلوبنا ونذكرك بألسنتنا ونحو ذلك وقد يقال في مثل ذلك ما زلت معنا إذا كانوا

مستحضرين له ذاكرين له وإن لم يشعر هو بذلك ويقال فلان ما عنده إلا الله ورسوله ثم من المعلوم أن العلم والذكر والمحبة والتعظيم قد يكون من الطرفين فمن كان زيد عنده معلوماً مذكورًا محبوبًا معظمًا فإنه قد يكون عند زيد كذلك وهذا ثابت في حق الله تعالى كما جاء في الأثر إذا أحب أحدكم أن يعلم كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله في قلبه فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه وقد قال تعالى فيما روى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وقال لايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه لأن النوافل

محاب الحق تعالى فإذا كان الله تعالى محبوبًا معظمًا مذكورًا عند عبده وكان العبد متقربًا إليه كان العبد محبوبًا معظمًا مذكورًا عند الرب متقربًا إليه وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من أعظم ما يكون العبد متقربًا إلى ربه إذا ذل له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وربه في هذه الحال عنده في قلبه في غاية الإجلال والإكرام وقد تقرب إلى ربه بنهاية تقربه فربه أيضًا يتقرب إليه ويجله ويكرمه فمن انكسر قلبه لله فإنه متواضع خاشع لله سواء كان هو قد شهد من عظمة الحق ما أوجب انكسار قلبه أو كان أعداء الله قد آذوه وكسروا قلبه لأجل عبادته وطاعته لله فالأول كالمصلي والثاني كالمجاهد فهذا يكون متقربًا إلى الله تعالى بغاية التقرب فيتقرب الله إليه أيضًا كذلك فيكون الله عنده في قلبه وهذا على ثلاث درجات

أما الدرجة الأولى فهو وجود الرب عنده في قلبه معلومًا معبودًا محبوبًا معظمًا وهذا مما لا ينازع فيه الثانية صعود قلبه إلى الله وعروجه إليه ودنوه منه بحيث يقرب نفس الظرف إلى المظروف حتى يحصل من كون الله نفسه عنده ما ليس لغيره وهذا متفق عليه بين أهل الإثبات والجهمية تنازع فيه ويلزم من قربه هو من الله ودنوه منه قرب الرب منه ودنوه منه فإن ما قربت إليه فقد قرب إليك بالضرورة الثالثة أن يكون الرب نفسه تقرب إليه تقرب من نفسه ودنو من نفسه غير ما جعله فيه من التقرب فهذا أيضًا ثابت عند كثير من أهل الإثبات أو أكثرهم ومنهم من

ينازع فيه وهذا مبسوط في مسألة القرب وعلى هذا التقدير فإن الرب نفسه يكون عند عبده خارجًا عما في نفس العبد وقد قال من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وقال أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقرب إليها كل يوم شبرًا ولولا ذلك لاحترقت وهو يخرج على القولين فالأولون يقولون إن الرب يتقرب إلى عبده بنفسه غير ما يوفق العبد له من تقربه إلى ربه وهؤلاء يقولون بل هو إذا تقرب إلى ربه أثابه بما يوفقه له

من تقرب آخر يكون الرب متقربًا إليه أكثر مما يقرب إليه وهؤلاء يمنعون أن يكون الله موصوفًا بذاته بحركة أو تقرب أو نحو ذلك والأولون لا يمنعون ذلك وقد بسطنا الكلام على هذا في الأجوبة المصرية وغير ذلك والمقصود هنا أن قوله لو عدته لوجدتني عنده وقوله أين أجدك قال عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقرب إليها كل يوم شبرًا ولولا ذلك لاحترقت ليس ظاهره أن ذات الله تكون موجودة في المكان الذي يكون ذلك فيه بل يكون الله موجودًا عنده أي في نفسه إذ هذه العندية أقرب إليه من تلك العندية فإن الظرف المتصل بالإنسان أقرب إليه من الظرف المنفصل عنه فحمل الكلام عليه أولى وإذا كان الظرف هو نفسه فقوله وجدتني عنده كقوله وجدتني في قلبه ووجدتني في نفسه ووجدتني حاضرًا في قلبه ووجدتني ثابتًا في قلبه ونحو ذلك من العبارات

ومعلوم أن هذا الخطاب حق على ظاهره كما تقدم من ثبوت تعلقات الظرف بالمظروف وإن ذلك ليس بمنزلة قوله كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) [النور 39] بل باقتران ما أضيف إليه الظرف في الموضعين اقترن تعلقه بالمظروف كما لو قيل لبعض الصحابة وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أحد وقال الآخر وجدت رسول الله عند المتبعين لسنته لاسيما وقد علم المخاطب أنه يمتنع أن يشاهد الموجود عند غيره فقد علم المخاطب بقوله لو عدته لوجدتني عنده وعلم موسى بن عمران أنهم لا يشهدون الله عيانًا في الدنيا فلا يظهر لهم من قوله لوجدتني عند عبدي المريض وعند المنكسرة قلوبهم من أجلي إلاَّ ما هو المناسب اللائق بهذا المضاف إليه دون المضاف إلى غيره وأما قوله صلى الله عليه وسلم كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به فلو ذكر الحديث بألفاظه لعلم أن معناه ظاهر لا يحتاج

إلى تأويل فإنه قال من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبس يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة فقوله من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة تصريح منه بالفرق والجمع حيث جعل معاداة وليه معاداة له ولم يجعل نفسه ذات وليه ثم قال وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه فقد بين وأظهر أن المتقرب إليه عبده والمتقرب ليس المتقرب إليه

وقال لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه وهذا كله إظهار وبيان لأن الله تعالى ليس هو عين العبد وأعضائه وقواه ثم قال فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه فقد بين واظهر بعد قوله كنت سمعه وبصره وقوله فبي يسمع وبي يبصر أنه لئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ومن المعلوم أن هذا صريه في أن السائل المستعيذ ليس هو المستعاذ به ثم قال وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نقس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته وهذا تصريح بأنه عبده ليس الرب جزءاً منه ولا صفة له وأنه يقبض ويموت ومعلوم أن الله حي لا يموت فضلاً عن أن يكون بعضًا أو صفة لمن يموت فإنه لو كان ظاهره أن الله نفسه هو عين العبد وسمعه ويده ورجله لكانت هذه الأعضاء تموت بموت الجملة

وهذا كله يبين أنه ليس ظاهر الحديث أن الله هو القوة الباصرة بل ظاهره ما ظهر منه وما بينه الرسول الذي هو من أحسن الألفاظ وأحسنها بيانًا وإظهارًا إذ لا يكون أحد غير الرسول أحسن بيانًا وإظهاراً لما يخبره به عن ربه من الرسول وقد نزهه الله أن يكون ظاهر كلامه كفرًا وضلالاً وإفكًا ومحالاً ولا يكون هو قد جعل هذا الظاهر غير ظاهر وقذف بالحق على الباطل حتى يظهر الحق ويخفى الباطل كيف وقد تكفل الرب بإظهار دينه على الدين كله بظهور العلم والحجة وظهور القدرة والنصرة وأخبر أنه أرسله بالهدى ودين الحق فكيف يكون كلامه مضلاًّ إذا كان ظاهره الضلال ولم يبين ذلك

فصل قال الرازي الوجه التاسع قال صلى الله عليه وسلم الكبرياء ردائي والعظمة إزاري والعاقل لا يثبت لله تعالى إزارًا ورداء فيقال هذا الحديث في الصحيح رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما عذبته وقد ورد أيضًا سبحان من تقمص بالعز ولاق

به وليس ظاهر هذا الحديث أن لله إزارًا ورداء من جنس الأزر والأردية التي يلبسها الناس مما يصنع من جلود الأنعام والثياب كالقطن والكتان بل الحديث نص في نفي هذا المعنى الفاسد فإنه لو قال عن بعض العباد إن العظمة إزاره والكبرياء رداؤه لكان إخباره بذلك عن العظمة والكبرياء اللذين ليسا من جنس ما على ظهور الأنعام ولا من جنس الثياب ما يبين ويظهر أنه ليس المعنى أن العظمة والكبرياء هما إزار ورداء بهذا المعنى فإذا كان المعنى الفاسد لا يظهر من وصف المخلوق بذلك لأن تركيب اللفظ يمنع ذلك ويبين المعنى الحق فكيف يدعي أن هذا المعنى ظاهر اللفظ في حق الله تعالى الذي يعلم كل مخاطب أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبر عنه بلبس الأكسية وثياب القطن والكتان التي يحتاج إليها لدفع الحر وابرد وستر العورة وهذا أقبح ممن يزعم أن قوله إن خالدًا

سيق من سيوف الله سلًَّه الله على المشركين أن ظاهره أن خالدًا من حديد وأقبح ممن يزعم أن قوله عن الفرس إن وجدناه لبحرًا ظاهره أن الفرس ماء كثير ونظائر هذا كثيرة وإذا كان هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر الحديث بل نص الحديث الذي هو أبلغ من مجرد الظاهر ينافيه كان ما ذكره باطلاً يبقى أن يقال فالتعبير عن هاتين الصفتين بإضافة الرداء والإزار إليه فهذا لا يحتاج إليه في رد ما قال لكن فيه زيادة الفائدة وقد قال الخطابي وغيره إن المعنى أني مختص بهاتين الصفتين كاختصاص المؤتزر المرتدي بإزاره وردائه فلا يصلح أن أنازع فيهما وهذا كلام مجمل وبسط ذلك يحتاج إلى أن يعرف أن جنس اللباس في كل ما يضاف بحبسه فبنو آدم يذكر لهم

اللباس الذي على أبدانهم الذي يقيهم الحر والبرد والسلاح ويستر عوراتهم وهو المذكور في قوله تعالى قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ [الأعراف 26] ثم الصفات التي تقوم بالإنسان التي هي لباس له بها يكون من المتقين كما قال وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف 26] وليس قوله وَلِبَاسُ التَّقْوَى مما يقال فيه أنه خلاف الظاهر فيحتاج إلى تأويل فإنه لم يجرد لفظ اللباس بل أضافه إلى التقوى وهذا قد يعم اللباس الظاهر الذي يتقى به والأخلاق والأعمال الصالحة ولهذا تجعل هذه الصفات ظرفًا للموصوف كما قد يجعل هو محلا لها فيقال فلان في علمه وحكمه وصدقه وعدله من خيار الناس ولباس الإنسان منه ما لا يصلح مشاركة غيره فيه كالإزار والرداء والسراويل ونحو ذلك بل مشاركة الإنسان فيه

يوجب له من النقص والضرر ما يدعوه على أن يمنع طالب الشركة في ذلك والكبرياء والعظمة لا تصلح إلا لله رب العالمين الرب الخالق الباري الغني الصمد القيوم دون العبد المخلوق الفقير المحتاج والكبرياء فوق العظمة كما جعل ذلك رداء وهذا إزارًا ولهذا كان المشروع في العبادات الله أكبر دون الله أعظم وذلك في الصلاة والأذان والأعياد والمناسك وعلى الأشراف حتى لو قال المؤذن الله أعظم أو الله الكبير أو الله الأكبر لكان قد بدل شريعة الإسلام عند جميع المسلمين وكان ذلك مما ينكره المسلمون كلهم وكذلك إمام الصلاة لو جعل يقول الله أعظم بدل الله أكبر أو قال الله الكبير أو قال الله الأكبر لكان المسلمون يتبادرون إلى إنكار ذلك ومن جوز من الفقهاء ذلك فهو قول يقوله فلو ظهر ذلك إلى

العمل وشاع بين المسلمين كان هو من أعظم الناس إنكارًا لذلك لكن بين تقدير العمل وبين وقوعه في الخارج فروق عظيمة وهما مع أنهما لا يصلحان إلا لله فيمتنع وجود ذاته بدونهما بحيث لو قدر عدم ذلك للزم تقدير المحذور الممتنع من النقص والعيب في ذات الله فكان وجودهما من لوازم ذاته وكمالها التي لا ينبغي أن تعرى الذات وتجرد عنها كما أن العبد لو تجرد عن اللباس لحصل له من النقص والعيب بحسب حاله ما يوجب أن يحصل له لباسًا وأيضًا فاللباس يحجب الغير عن المشاهدة لبواطن اللابس وملامستها وكبرياء الله وعظمته تمنع العباد من إدراك البصر له ونحو ذلك كما في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنات الفردوس أربع

ثنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وثنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاَّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فهذا الرداء الحاجب الذي قد يكشفه لهم فينظرون إليه سماه

رداء الكبرياء فكيف ما يمنع من إدراكه وإحاطته أليس هو أحق بأن يكون من صفة الكبرياء

فصل قال الرازي العاشر قال صلى الله عليه وسلم لأبي ابن كعب يا أبا المنذر أية آية في كتاب الله تعالى أعظم قال فتردد فيه مرتين ثم قال في الثالثة آية الكرسي فضرب بيده صلى الله عليه وسلم على صدره قال أصبت والذي نفسي بيده إن لها لسانًا يقدس الله عند العرش ولابد فيه من التأويل قال فثبت بكل ما ذكرناه أن المصير إلى التأويل أمر

لابد منه لكل عاقل وعند هذا قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أن الله منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحًا لئلا يكون ذلك سببًا للطعن فيها فهذا تمام القول في المقدمة وبالله التوفيق والكلام على هذا من وجوه أحدها أن لفظ الحديث الذي ذكر عن أبي رضي الله عنه على ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن رباح عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله أعظم قال قلت اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قال فضرب في صدري وقال ليهنك العلم

يا أبا المنذر وهكذا رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده زاد أبو مسعود الدمشقي صاحب أطراف البخاري ومسلم والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش لكن هذه الزيادة ليست موجودة فيما بأيدي الناس من صحيح مسلم

لكن رواها الإمام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة ورواها ابن أبي شيبة في مصنفه ذكر هذا عبد الحق في الجمع بين الصحيحين

والقول في ذلك كالقول فيما تقدم من مجيء القرآن والأعمال الصالحة كما تقدم بيانه ونظير ذلك ما ورد من أن للكلم الطيب حول العرش دويًّا كما ورد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إن لها دويًّا حول العرش تذكر بصاحبها وما يشبه هذا ما روي عن عبد الله بن مسعود قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد

أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال الترمذي حديث حسن فمعلوم أنه ليس المعنى الظاهر من هذا الباب أن نفس العمل أو القول الذي يقوم بالقائل والقائل هو نفس شجر الجنة ولكن يظهر منه أن هذا الكلام يصير منه شجر في الجنة فيغرسه الله غراسًا في الجنة كلما تكلم العبد بهذه الكلمات غرس له غراس هذا هو المعنى الذي يظهر منه سواء كان الله تعالى يصور نفس هذا العمل ذلك الغراس كما يصور

من الحب ونوى شجرًا ومن المني حيوانًا أو كان بذلك العمل يخلق شجرًا وإن لم يكن من نفسه الوجه الثاني قوله فثبت بكل ما ذكرنا أن المصير إلى التأويل أمر لابد منه لكل عاقل يقال قد ذكر تسعة عشر وجهًا على عدد خزنة جهنم وليس فيها ما يوجب التأويل الذي يدعي نظيره وهو وجوب صرف الخطاب عن معناه الذي يظهر للمستمعين إلى ما ينافي ذلك الوجه الثالث أن التأويل الذي هو صرف الخطاب عن ظاهره الذي يظهر للمخاطبين إلى خلاف ظاهره لدليل شرعي يبين ذلك قد لا ينازعونه فيه فإن كلام الله وكلام رسوله

يبين بعضه بعضًا وإنما ينازعونه في وجوب هذا الصرف لما يعتقد الإنسان من معقوله وهذا لم يذكر له حجة وما يعرف معناه ببديهة العقل والحس أن المتكلم لم يقصده ليس هو من هذا الباب في أحد القولين كما تقدم وهذا المؤسس قد قرر ضد ذلك فإنه قرر كما سيأتي حكايته وجوب صرف الكتاب والسنة لما سماه أدلة عقلية وقرر أنه لا يجب صرف ذلك لدليل من الكتاب والسنة فكان الذي قرره نقيض ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها وهو مخالف أيضًا لما عليه أكثر المتكلمين وأكثر الجهمية فإنهم يوجبون التأويل لمعارضة الدليل الشرعي الواضح أيضًا وسنتكلم إن شاء الله على ما قاله الوجه الرابع أن يقال سلَّمنا أنه يجب التأويل عند مخالفة الحس والعقليات الضرورية كما يخص العموم بذلك عند من يسمي ذلك تخصيصًا في مثل قوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل 23] وتُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [الأحقاف 25] ونحو

ذلك فلٍمَ قلت إنه يجوز أو يجب التأويل عند مخالفة النظريات العقلية والفرق بينهما من وجوه أحدها أن ما يعلم بالحس والبديهة يكون علمه حاصلاً عند المستمعين وبيانه مقارنًا لخطاب المتكلم أو سابقًا عليه أو لاحقًا له قريبًا ومعلوم أن الخطاب لا يكون إلاَّ لمن معه من العلم ما يدله على معنى الخطاب بحيث يكون عالمًا بالمتكلم ولغته وغير ذلك وإذا كان كذلك كان وجود العلوم الضرورية والحسية عند المخاطبين مما لابد منه في صحة كونهم مخاطبين فيكون ذلك من أسباب معرفتهم بمعنى الخطاب ويكون الخطاب على هذا الوجه هدى وبيانًا وشفاء ولا يكون إضلالاً ولا تلبيسًا أما النظريات التي لا تعرف إلا بدقيق النظر وطويله ويقع فيها النزاع فإذا خوطبوا بما ظاهره الكفر والضلال ولم يتبين لهم المعنى المراد ولا يعرفونه إلا بمثل هذه الوجوه إن عرفوه كان هذا إضلالاً وتلبيسًا بل كان عدم الخطاب أنفع وأهدى لهم إذ كانوا بدون الخطاب يعرفون الحق بهذه النظريات من غير معارض وإذا خوطبوا بما يعارض هذه العلوم

كان قد أظهر لهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والأمر باعتقاد الباطل من غير بيان الوجه الثاني أن العلوم الحسية والبديهية تكون مقارنة للخطاب فتمنع عن فهم الباطل ابتداء بخلاف هذه النظريات الوجه الثالث أن مثل هذه العلوم لا يقع فيها نزاع واختلاف فلا يفضي ذلك إلى ما نهوا عنه من التفرق والاختلاف بخلاف النظريات الدقيقة المشتبهة الوجه الخامس أن يقال لا خلاف بين المسلمين بل بين العقلاء أن التأويل حيث ساغ سواء كان في كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو كلام غير الله ورسوله إنما فائدته الاستدلال على مراد المتكلم ومقصوده ليس التأويل السائغ أن ينشئ الإنسان معاني لذلك اللفظ أو يحمله على معاني سائغة

لم يقصدها المتكلم بل هذا من أبطل الباطل وأعظمه امتناعًا وقبحًا باتفاق العقلاء وهو الذي يقع فيه هؤلاء المتأولون المحرفون كثيرًا وبذلك أشعر لفظه حيث قال فعند ذلك قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أنه تعالى منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحًا فإن قوله نضع ظاهره أنهم يضعون لها ما يمكن من المعاني الصحيحة من غير نظر منهم في أن المتكلم قصد تلك المعاني أو لم يقصدها وعلى هذا فيكون التأويل كذبًا وافتراء على المتكلم إذا قيل معنى هذا الكلام هذا فإن معنى التأويل أنه قصد وأراد به كذا وليس عند المتأول إلا أن هذا المعنى يصلح في الجملة أن يراد بهذا الكلام ولكن قد يصلح أن يريد غيره ولا يصلح أن يريد هو فمن فسر كلام الفقهاء كالشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة

بدقائق الأطباء التي يقصدها بقراط وجالينوس أو فسر كلام الأطباء بما يختص بدين المسلمين من معاني الحج والصلاة وغير ذلك لكون ذلك المعنى يصلح لذلك اللفظ في الجملة كان مع كونه من أكذب الناس وأعظمهم افتراء من أبعد الناس عن العقل والدين وأشدهم إفسادًا للعلوم والمخاطبات فهكذا من نظر إلى ما يحتمله اللفظ من المعاني مما يصلح

أن يريده من ينشئ الخطاب بذلك اللفظ ففسر كلام الله وكلام رسوله به كان في إفكه وضلاله بل في كفره ونفاقه أعظم من أولئك لأن الفرق بين كلام الله ورسوله وما يقصده الله ورسوله بالخطاب من معاني أسمائه وصفاته وبين الأعراب ونحوهم وما يقصدونه في خطابهم من وصف الإبل والشاء والمنازل والمياه والقبائل أعظم من الفرق بين كلام الفقهاء وكلام الأطباء وبهذا تبين أن ما يذكره طائفة من الناس مثل هذا المؤسس وأمثاله في أصول الفقه أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين كان لمن بعدهم إحداث تأويل آخر بخلاف الأحكام قول باطل فإن تأويل الأمة للقرآن والحديث هو إخبارهم بأن هذا هو مراد الله تعالى منه قطعاً أو ظاهرًا فاتفاقهم في ذلك على قول أو قولين هو كاتفاقهم في الأحكام على قول أو قولين ولو قدر أنه أريد بالتأويل تجويز الإرادة مثل أن تقول طائفة يجوز أن يكون هذا هو المراد وتقول طائفة أخرى يجوز أن يكون هذا هو المراد كانوا متفقين على

أنهم لم يعلموا لله مرادًا غير ذينك الوجهين فلا يجوز أن يكون من بعدهم هو العالم بمراد الله تعالى دونهم ولهذا كانت هذه المعاني التي يفسرون بها كملام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ويتأولونها عليها يعلم في كثير منها أو أكثرها بالضرورة أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يريدا تلك المعاني أكثر مما يعلم بالضرورة انتفاء ما ذكره من خلاف بعض الظواهر وحينئذ فينقلب ما ذكره من الدليل عليه أعظم انقلاب بأن يقال في الوجه السادس أنه لا خلاف بين جميع الطوائف أن كثيرًا من هذه التأويلات أو أكثرها باطل بل كثير من التأويلات يعلم فسادها بضرورة العقل وذلك أنه ما من طائفة من الطوائف الذين يحرفون الكلام عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وآياته ويسمون ذلك تأويلاً من أصناف المتجهمة ونحوهم إلاَّ وهي ترد كثيرًا من تأويلات الطائفة الأخرى وتقول إنها باطلة كما أن المؤسس وأمثاله يردون تأويلات المعتزلة للآيات والأخبار التي فيها وصف الله تعالى بأن له علماً وقدرة وحياة

وسمعًا وبصرًا وأن له كلامًا قائمًا بنفسه وأنه يرى ونحو ذلك ويردون تأويل الجهمية من المعتزلة وغيرهم لعذاب القبر والصراط والميزان وغير ذلك وهم والمعتزلة يردون تأويلات الفلاسفة الصابئين للجنة والنار وما فيهما من نعيم وعذاب والفلاسفة العقلاء مع سائر المتكلمين يردون تأويل القرامطة والباطنية للصلاة والزكاة والحج وغير ذلك والباطنية ترد كل طائفة منهم تأويل الآخرين فإن بينهم نزاعًا طويلاً والمعتزلة أيضًا ترد تأويل الأشعرية ونحوهم للآيات التي فيها تنزيه الله نفسه عن الظلم وفيها إثبات فعل العباد لأفعالهم فيها وإخراج الأعمال الصالحة من الإيمان ونحو ذلك

وهذا المؤسس قد اعترف بذلك في هذا الكتاب وغيره فقال في الفصل الثالث من القسم الثالث من هذا الكتاب في الطريق الذي يعرف كون الآية محكمة أو متشابهة ثم قال اعلم أن هذا موضع عظيم وذلك لأن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات الموافقة لمذهب خصمه متشابهة فالمعتزلي يقول إن قوله تعالى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف 29] محكم وقوله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان 30] متشابه والسني يقلب القضية في هذا الباب والأمثلة كثيرة فلابد ههنا من قانون أصلي يرجع إليه في هذا الباب وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما ذكره من القانون وإذا كان العقلاء من جميع الطوائف مقرين بأنه لابد من إبطال جنس التأويل وأن فيه ما هو باطل محرم فمعلوم أن هذا ليس هو مثل ما ذكره من اتفاق الطوائف على الإقرار بأنه لابد من

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل