الجزء السابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقُوى المعنوية في الصُّورة الروحانيَّة فما عُبد غير الله في كل معبود فالأدنى من تخيَّل فيه الألوهيَّة فلولا هذا التخيُّل ما عبد الحجر ولا غيره ولهذا قال قُلْ سَمُّوهُمْ [الرعد 33] فلو سمّوهم لسموهم حجارة وشجرًا وكوكبًا ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهًا ما كانوا يقولون الله ولا الإله الأعلى ما تخيل بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يُقتصر فالأدنى صاحب التخيل يقول مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] والأعلى العالم يقول فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا [الحج 34] حيث ظهر وبشَّر المخبتين الذين خبت نارُ طبيعتهم فقالوا إلهًا ولم يقولوا طبيعة وقال في الفص الهاروني وقد ذكر قِصَّة العجل قال فكان موسى عليه السَّلام أعلم بالأمر من هارون لأنَّه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه أنَّ الله قد قضى
ألاَّ يُعْبَدَ إلاّ إيَّاه وما حكم الله بشيء إلاّ وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لمَّا وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء فكان موسى يربِّي هارون تربية علم وإن كان أصغر منه في السن ولذا لما قال له هارون ما قال رجع إلى السَّامري فقال له قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) [طه 95] يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص إلى أن قال فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سُلِّط موسى عليه السلام حكمةً من الله ظاهرة في الوجود ليُعْبَدَ في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلاَّ بعد ما تلبَّست عند
عابدها بالألوهية ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد إمَّا عبادة تألُّه وإمَّا عبادة تسخير فلابد من ذلك لمن عقل وما عبد شيء من العالم إلاَّ بعد التلبُّس بالرفعة عند العابد والظهور بالدرجة في قلبه ولذلك تَسَمَّى الحقّ لنا برفيع الدرجات ولم يقل رفيع الدرجة فكثَّر الدرجات في عين واحد فإنه قضى ألاَّ يعبد إلاَّ إيَّاه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهيًّا عُبِدَ فيها وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه الهوى كما قال أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية 23] وهو أعظم معبود فإنَّه لا يعبد شيء إلاَّ به ولا يعبد هو إلا بذاته وفيه أقول وحقّ الهوى إن الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله كيف تمم في حق من عبد هواه واتخذه إلهاً فقال وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية 23]
والضلالة الحيرة وذلك أنه لما رأى هذا العابد ما عبد إلاَّ هواه بانقياده لطاعته فيما يأمـ ـره به من عبادة من عبده الأشخاص حتَّى إن عبادته لله كانت عن هوى أيضًا لأنه لو لم يقع له في ذلك الجانب المقدس هوى وهو الإرادة بمحبة ما عبد الله ولا آثره على غيره وكذلك كل من عبد صورة ما من صور العالم واتخذها إلها ما اتخذها إلاَّ بالهوى والعابد لا يزال تحت سلطان هواه ثم رأى المعبودات تتنوع في العابدين وكل عابد من امرئ ما يكفّر من يعبد سواه والذي عنده أدنى تنبه يحار لاتحاد الهوى بل لأحدية الهوى فإنه عين واحدة في كل عابد فأضله الله أي حيَّره على علم بأن كل عابد ماعبد إلا هواه
ولا استعبده إلا هواه سواء صادف الأمر المشروع أو لم يصادف قال والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يُعبد فيه ولذلك سموه كلهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك الوجه الثالث أنه قد أخبر أنه إذا تجلَّى لهم يوم القيامة في الصُّورة التي يعرفون سجد له المؤمنون كلهم وتبقى ظهور المنافقين الذين كانوا يسجدون له في الدنيا رياء وسمعة كالطبق وعلى زعم هؤلاء المشركين الملحدين المنافقين الذين كانوا يسجدون له في الدنيا المسجود له والمؤمنون والمنافقون وجميع تلك الصُّور صورة له لا فرق أصلاً الوجه الرابع أنه قد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنَّه قال لن تروا ربكم حتى تموتوا وفي الأحاديث المتقدمة أن
المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا كما روى الخلال عن حنبل قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول إن الله لا يرى في الدنيا والآخرة مُثْبَتٌ في القرآن وفي السنة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وعلى زعم هؤلاء فهو دائما يُرى في الدنيا ولا يمكن أن
يُرى في الآخرة إلاَّ كما رئي في الدنيا لا يُرى إلاَّ في صورة الموجودات كما قال صاحب الفصوص في الفص الشّيِثي فأما المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدًا إلا عن تجلٍّ إلهي والتجلي من الذات لا يكون أبدًا إلا بصورة استعداد المتجلَّى له غير ذلك لا يكون فإذًا المُتَجلَّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق وما رأى الحقَّ ولا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة في الشاهد إذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك انك ما رأيت الصُّور أي صورتك إلا فيها فأبرز الله ذلك مثالاً نصبه لتجليه الذاتي ليعلم المتجلّى له أنه مارآه وماثم مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلّي من هذا واجهد في نفسك عندما ترى الصُّورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدًا البتة حتى عن بعض من أدرك مثل هذا في صورة المرآة ذهب إلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي وبين المرآة وهذا أعظم ما قَدَر عليه من العلم والأمر كما قلناه وذهبنا إليه وقد بينا هذا في
الفتوحات المكية وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تُتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثم أصلاً وما بعده إلاَّ العدم المحض ومثل هذا كثير في كلامه يصرح بأنه لا يمكن أن يُرى ألاَّ كما يُرى في الدنيا وقد صرَّح بأنه ما بعد وجود المخلوقات إلا العدم المحض فصرح بعدم الخالق الذي خلق المخلوقات وإذا كان هذا قولهم فمن المعلوم أن الأحاديث المتقدمة في تجليه في الصورة وغيرها من أحاديث الرؤية كلها تبين أنهم يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر وتلك الرؤية تكون خاصة في أمكنة وأوقات خاصة إذا تجلى لهم وقد صرحت النصوص النبوية أنهم لا يرونه في الدنيا وهذا
كله من أبين الأشياء في أن احتجاجهم بحديث الصورة ونحوه من أعظم الاستهزاء بآيات الله لما بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم من المناقضة والمعاداة كيف وهو عندهم هو كل راء وكل مرئي فكيف يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم موافقًا لهم الوجه الخامس أن الأحاديث مع آيات القرآن أخبرت بأنه يأتي عباده يوم القيامة على الوجه الذي وصف وعند هؤلاء هو كل آت في الدنيا والآخرة وأما أهل الاتحاد والحلول الخاص كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو عليّ أو بعض المشائخ أو بعض الملوك أو غير ذلك مما قد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع فقد يتأولون أيضًا هذا الحديث كما تأوَّله
أهل الاتحاد والحلول المطلق لكونه قال فيأتيهم الله في صورة لكن يُقال لهم لفظ الصورة في هذا الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يُسمَّى المخلوق بها على وجه التقييد وإذا أطلقت على الله مختصة به مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير ومثل خلقه بيديه واستوائه على العرش ونحو ذلك فهل يجوز لأحد أن يزعم أن الله يحل أو يتحد ببعض الأشخاص كما يزعمه من يتأول هذه الأسماء والصفات له أم يُعلم أنَّ ذلك من أفسد الأمور المعلومة بالضرورة وموضع الكلام على هذا هو الكلام على حديث الدجال فإن الدجال أعظم فتنة تكون وهو يدعي الإلهية ويظهر على يديه الخوارق وقد قال صلى الله عليه وسلم فيه إنه
أعور إن ربكم ليس بأعور وقال واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت وهذا المؤسس طعن في هذا الحديث قال لأنه لا يحتاج إلى نفي الإلهية عن الدجال إلى هذا الدليل ولو علم هذا ما في الأرض من الضلال عند أهل الاتحاد المطلق والمعين لم يقل مثل هذا فليت يرى المؤمن العالم كيف صار الحق الذي جاءت به الرسل تارة تقابله طائفة بالتكذيب وتارة يقابلونه بتمثيل غيره به والتسوية بينهما كما أن المشركين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الرسل والمرتدون صدَّقُوا برسالة مسيلمة ونحوه من
الكذابين وجعلوهم مثل رسل الله كذلك الكفار تارة يجحدون الصانع وما يستحقه من أسمائه وصفاته وتارة يجعلونه له أندادًا وأمثالاً وأكفاءً ويعدلون بربهم فهؤلاء في جحود المستكبرين وهؤلاء في لبس المشركين وكل من الاستكبار والشرك ضد الإسلام وإن كانا متلازمين كما قد بينا هذا كله في غير هذا الموضع
فصل وأقرب ما يكون عليه إتيان الله في صورة بعد صورة وإن كان تأويلاً باطلاً أيضًا ما ذكره بعض أهل الحديث مثل أبي عاصم النبيل وعثمان بن سعيد الدارمي فإنه يروى عن أبي عاصم النبيل أنه كان يقول ذلك تغير يقع في عيون الرائين كنحو ما يُخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به فيتوهم الشيء على الحقيقة وقال عثمان بن سعيد في نقضه على المريسي
وأما إنكارك أيها المريسي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله يتراءى لعباده المؤمنين يوم القيامة في غير صورته فيقولون نعوذ بالله منك ثم يتراءى في صورته التي يعرفونها فيعرفونه فيتبعونه فزعمت أيها المريسي أن من أقر بهذا فهو مشرك يقال لهم أليس قد عرفتم ربكم في الدنيا فكيف جهلتموه عند العيان وشككتم فيه قال عثمان بن سعيد فيقال لك أيها المريسي قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية الزهري حدثنا نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن
النبي صلى الله عليه وسلم كأنك تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولـ ـهمن جودة إسناده فاحذر ألا يكون قذفك بالشرك أن يقع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذنبنا إن كان الله سلب عقلك حتى جهلت معناه ويحك إن هذا ليس بشك ولا ارتياب منهم ولو أن الله تجلى لهم أول مرة في صورته التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا لاعترفوا بما عرفوا ولم ينفروا ولكنه يُرِي نفسه في أعينهم لقدرته ولطف ربوبيته في صورة غير ما عرفهم الله صفاتها في الدنيا ليمتحن بذلك إيمانهم ثانية في الآخرة كما امتحن في الدنيا ليثبتهم أنهم لا يعترفون بالعبودية في الدنيا والآخرة إلا للمعبود الذي عرفوه في الدنيا بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه واستشعرتها قلوبهم حتى ماتوا على ذلك فإذا مثل في أعينهم غيرُ ما عرفوا من الصفة نفروا وأنكروا إيمانًا منهم بصفة ربوبيته التي امتحن قلوبهم في الدنيا فلما رأى أنهم لا يعرفون إلا التي امتحن الله قلوبهم تجلى لهم في الصورة التي عرفهم في
الدنيا فآمنوا به وصدقوا وماتوا ونشروا عليه من غير أن يتحول الله من صورة إلى صورة ولكن يمثل ذلك في أعينهم بقدرته ليس هذا أيها المريسي بشك منهم في معبودهم بل هو زيادة يقين وإيمان به مرتين كما قال ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لهم يوم القيامة أتعرفون ربكم فيقولون نعم إنه إذا تعرف إلينا عرفناه يقولون لانُقر بالربوبية إلى لمن استشعرته قلوبنا بصفاته التي أنبأنا بها في الدنيا فحينئذ يتجلى لهم في صورته المعروفة عندهم فيزدادون به عند رؤيته إيمانًا ويقينًا بربوبيته اغتباطًا وطمأنينة وليس هذا من باب الشك على ما ذهبت إليه بل هو يقين بعد يقين وإيمان بعد إيمان ولكن الشك والريبة كلها ما ادعيت أيها المريسي في تفسير الرؤية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ترون ربكم يوم القيامة لا تُضامُّون في رؤيته فادعيت
أن رؤيتهم تلك أنَّهم يعلمون يومئذ أن لهم ربا لايعتريهم في ذلك شك كأنهم في دعواك أيها المريسي لم يعلموا في الدنيا أنَّه ربهم حتى يستيقنوا به في الآخرة فهذا التفسير إلى الشك أقرب مما ادعيت في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشك والشرك لا بل هو الكفر لأن الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم يعلمون يومئذ أن الله ربهم ألا ترى أنه يقول أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) [السجدة 12] فالشك في الله هذا الذي تأولته أنت في الرؤية لا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك إن الله لا تتغير صورته ولا تتبدل ولكن يمثل في أعينهم يومئذ أولم تقرأ كتاب الله وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال 44] وهو الفعال لما يشاء كما مثل جبريل عليه السلام مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وكما مثله لمريم بشرًا
سويًّا وهو ملك كريم في صورة الملائكة وكما شبه في أعين اليهود أن قالوا إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ [النساء 157] فقال وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء 157] وما عملك أيها المريسي بهذا وما أشبهه غير أنه وردت عليك آثار لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بحلقك ونقضت عليك مذهبك فالتمست الراحة منها بهذه المغاليط والأضاليل التي لا يعرفها أحد من أهل العلم والبصر بالعربية وأنت منها في شغل كلما غالطت بشيء أخذ بحلقك شيء آخر يخنقك حتى تلتمس له أغلوطة أخرى ولئن جزعت من هذه الآثار فدفعتها بالمغاليط مالك راحة فيما يصدقها من كتاب الله عز وجل الذي لاتقدر على دفعه وكيف تقدر على دفع هذه الآثار وقد صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظها بلسان عربي مبين ناقضة لمذهبك وتفاسيرك وقد تداولتها أيدي
المؤمنين وتناسخوها يؤديها الأول إلى الآخر والشاهد إلى الغائب إلى أن تقوم الساعة ليقرعوا بها رؤوس الجهمية ويهشموا بها أنوفهم وينبذ تأويلك في حش أبيك ويكسر في حلقك كما كسر في حلوق من كان فوقك من الولاة والقضاة الذين كانوا من فوقك مثل ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن وشعيب
بعده وغسان وابن أبي رباح المفتري على القرآن فإن كنت تدفع هذه الآثار بجهلك فما تصنع في القُرآن وكيف تحتال له وهو من أوله إلى آخره ناقض لمذهبك ومكذب لدعواك حتى بلغني عنك من غير رواية لمعارض أنك قلت ماشيء أنقض لدعوانا من القُرآن غير أنه لا سبيل لدفعه إلاَّ مكابرة بالتأويل وهذا أيضًا باطل من وجوه أحدها أن في حديث أبي سعيد المتفق عليه فيأتيهم في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وفي لفظ في أدنى صورة من التي رأوه فيها وهذا يفسر قوله في حديث
أبي هريرة فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون ويبين أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم متقدمة في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها وفي هذا التفسير قد جعل صورته التي يعرفون هي التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا وليس الأمر كذلك لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا ولفظ الرؤية صريح في ذلك وقد بينا أنه في غير حديث مما يبين أنهم رأوه قبل هذه المرة الوجه الثاني أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة ولم يروه في الدنيا في صورة فإن ما وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يوجب لهم صورة يعرفونها ولهذا جاء في حديث آخر أنه ليس كمثله شيء فلو كانوا أرادوا الصفات المخبر بها في الدنيا لذكروا ذلك فعلم أنهم لم يطيقوا وصف الصورة التي رأوه فيها أول مرة وقد قال النبي في سدرة المنتهى فغشيها من أمر الله ما غشيها حتى لا يستطيع أحد أن
ينعتها من حسنها فالله أعظم من أن يستطيع أحد أن ينعت صورته وهو سبحانه وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات أيسر ومع هذا فقد قال أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فالخالق أولى أن يكونوا لا يطيقون معرفة صفاته كلها الوجه الثالث أن في حديث أبي سعيد فيرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقوله لا يتحول من صورة إلى صورة ولكن يمثل ذلك في أعينهم
مخالفة لهذا النص الوجه الرابع أن في حديث ابن مسعود وأبي هريرة من طريق العلاء أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون وفي لفظ أشباه ما كانوا يعبدون ثم قال يبقى محمد وأمته فيتمثل لهم الرَّب تبارك وتعالى فيأتيهم فيقول مالكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون إن لنا إلهًا ما رأيناه بعد فقد أخبر أن الله تعالى هو الذي تمثل لهم ولم يقل مُثِّل لهم كما قال في معبودات المشركين وأهل الكتاب الوجه الخامس أن في عدة أحاديث كحديث أبي سعيد وابن مسعود قال هل بينكم وبينه علامة فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فيسجدون له وهذا يبين أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا بل بآية وعلامة عرفوها في الموقف وكذلك في حديث
جابر قال فيتجلى لنا يضحك ومعلوم أنه وإن وصف في الدنيا بالضحك فذاك لا يعرف صورته بغير المعاينة الوجه السادس أن تمثيله ذلك بقوله وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا [الأنفال 44] وبقوله شُبِّهَ لَهُمْ [النساء 157] لا يناسب تشبيهه بمجيء جبريل في صورة دحية والبشر وذلك أن اليهود غلطوا في الذي رأوه فلم يكن هو المسيح ولكن ألقى شبهه عليه والذي رأته مريم ومحمد صلى الله عليه وسلم هو جبريل نفسه ولكن في صورة آدمي فكيف يقاس ما رئي هو نفسه في صورة على ما لم يره هو وإنما ألقي شبهه على غيره وأما التقليل والتكثير في أعينهم بالمقدار ليس هو في نفس المرئي ولكن هو صفة المرئي
الوجه السابع أن هذا المعنى إذا قصد كان مقيدًا بالرائي لا بالمرئي مثل قوله وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا [الأنفال 44] فقيد ذلك بأعين الرائين يقال كان هذا في عين فلان رجلاً فظهر امرأة وكان كبيرًا فظهر صغيرًا ونحو ذلك لا يقال جاء فلان في صورة كذا ثم تحول في صورة كذا ويكون التصوير في عين الرائي فقط هذا لا يُقال في مثل هذا أصلا فإن قيل فما الفرق بين ماجاء في الحديث وبين القول الذي نقله الأشعري وغيره في مقالات أهل الكلام عن البكرية وأتباع بكر لن أخت عبد الواحد لما ذكر اختلافهم في الرؤية
فقال وقالت البكرية إن الله يخلق صورة يوم القيامة يُرى فيها ويكلم خلقه منها قيل هؤلاء عندهم أن الله نفسه لايُرى ولا يكلم عباده ولكن يخلق صورة فيُرى فيها ويكلم خلقه فيها ومعلوم أن هذا ليس هو معنى الحديث وذلك أن هؤلاء لما رأوا بقياس عقولهم أنه لا يرى ورأوا النصوص قد جاءت برؤيته اختلفوا في ذلك على أقوال قال الأشعري وقال قائلون منهم ضرار بن عمرو وحفص الفرد إن الله لا يرى بالأبصار ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة غير حواسنا هذا فندركه بها وندرك ما هو بتلك الحاسة
قلت وهذا في رؤيته نظير ما يقوله طائفة من الكلابية والأشعرية أن كلامه لا يسمع بهذه الحاسة ولكن يخلق في العبد لطيفة أو يقولون حاسة أخرى يسمع بها كلامه وهذا قول من يجوز منهم سماع كلامه وآخرون منهم لا يُجوِّزون سماع كلامه كما أن في أولئك من لا يُجوِّز رؤيته بحال
قال الأشعري وقالت البكرية إن الله يخلق صورة يوم القيامة يُرى فيها ويُكلِّم خلقه فيها وقال الحسين النجار إنه يجوز أن الله تعالى يحول العين إلى القلب ويجعل لنا قوة العلم فيعلم بها ويكون العلم رؤية له أي علمًا له وقد ذهب إلى نحو هذه التأويلات طائفة من الصِّفاتيَّة من الأشعرية المتأخرين ونحوهم كما يُذكر في موضعه
فصل قال الرازي في تأسيسه الخبر الرابع ماروي عنه عليه السلام أنه قال رأيت ربي في أحسن صورة قال واعلم أن قوله عليه السلام في أحسن صورة يحتمل أن يكون من صفات الرائي كما يقال دخلت على الأمير على أحسن هيئة أي وأنا كنت على أحسن هيئة ويحتمل أن يكون ذلك من صفات المرئي فإن كان ذلك من صفات الرائي كان قوله على أحسن صورة عائدًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه وجهان الأول أن يكون المراد من الصورة نفس الصورة فيكون المعنى أن الله تعالى زين خلقه وجمل صورته عندما رأى ربه وذلك يكون سببًا لمزيد من الإكرام في حق الرسول صلى الله عليه وسلم الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة ويكون المعنى الإخبار عن حسن حاله عند الله وأنه أنعم عليه بوجوه عظيمة من الإنعام كما كان وذلك لأن الرائي قد يكون بحيث يتلقاه المرئي بالإكرام والتعظيم وقد يكون بخلافه فعرَّفنا
الرسول صلى الله عليه وسلم أن حالته كانت من القسم الأول وإما إن كان عائدًا إلى المرئي ففيه وجوه الأول أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام في صورة مخصوصة وذلك جائز لأن الرؤيا من تصرفات الخيال فلا ينفك ذلك عن صورة متخيلة الثاني أن يكون المراد من الصورة الصفة وذلك أنه تعالى لما خصه بمزيد الإكرام والإنعام في الوقت الذي رآه صح أن يُقال في العرف المعتاد إني رأيته على أحسن صورة كما يقال وقعت هذه الواقعة على أحسن صورة وأجمل هيئة الثالث لعله عليه السلام لما رآه اطلع على نوع من صفات الجلال والعزة والعظمة ماكان مطلعًا عليه من قبل الخبر الخامس ماروي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ربي في أحسن صورة قال فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين السماء والأرض ثم قال يامحمد قلت لبيك وسعديك قال فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت يارب
لا أدرى فقال في أداء الكفارات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء على الكراهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال واعلم أن قوله رأيت ربي في أحسن صورة قد تقدم تأويله وأما قوله وضع يده بين كتفي ففيه وجهان الأول المراد به المبالغة في الاهتمام بحاله والاعتناء بشأنه يقال لفلان يد في هذه الصنعة أي هو كامل فيها الثاني أن يكون المراد من اليد النعمة يقال لفلان يد بيضاء ويقال إن أيادي فلان كثيرة وأما قوله بين كتفي فإن صح فالمراد منه أنه أوصل إلى قلبه من أنواع اللطف والرحمة وقد روى بين كنفي والمراد ما يقال أنا في كنف فلان وفي ظل إنعامه وأما قوله فوجدت بردها فيحتمل أن المعنى برد النعمة
وروحها وراحتها من قولهم عيش بارد إذا كان رغدًا والذي يدل على أنَّ المراد كمال المعارف قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فعلمت ما بين المشرق والمغرب وما ذلك إلا لأن الله تعالى أنار قلبه وشرح صدره بالمعارف وفي بعض الروايات فوجدت برد أنامله وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والكلام على ذلك أن يقال هذان الحديثان لم يذكر لهما إسنادًا أعني الإسناد الذي يليق بكتابه وهو أن يعزو الحديث إلى كتاب من كتب الحديث ليعرف أصله وكأنه نقلها من كتاب تأويل الأخبار لأبي بكر بن فورك فإنه هو الذي يعتمده في كثير مما يذكره من أخبار الصفات وتأويلها وأبوبكر بن فورك جمع في كتابه من تأويلات
بشر المريسي ومن بعده ما يناسب كتابه لكنه لم يكن من الجهمية المماثلين لبشر بل هو يثبت من الصفات ما لا يثبته بشر وكان قد سبقه أبوالحسن بن مهدي الطبري إلى كتاب لطيف في التأويل وطريقته أجود من طريقة أبي بكر بن فورك وأول مكن بلغنا أنه توسع في هذه التأويلات هو بشر المريسي وإن كان قبله وفي ومنه له شركاء في بعضها وتلقى
ذلك عنهم طائفة من الجهمية المعتزلة وغيرهم وأما كثير من أئمة الجهمية المعتزلة وغيرهم فيكذب بهذه الأحاديث كأحاديث الرؤية المتقدمة ونحوها ويرون أن التصديق بها مع التأويل لها من باب التلاعب وجحد الضرورة ولا ريب أن هؤلاء في إبطالهم لتأويلها مع ما هي عليه من الألفاظ الصريحة أقرب من المتأولين لها ولكن هؤلاء في التصديق بها وترك التكذيب بها أقرب من أولئك وهم دائمًا يتقاسمون البدعة فيكون هؤلاء من وجه دون هؤلاء وهؤلاء من وجه دون هؤلاء ولذلك نظائر في مسألة القرآن والرؤية والصفات وغير ذلك كما نبهنا على بعضه في هذا الكتاب وسنتكلم إن شاء الله تعالى على تثبيتهما حيث تكلم الرازي على الأخبار فإن الرازي هو في الحقيقة يجمع البدعتين فلا يتبع الحق لا في إسنادها ولا في دلائلها بل
لا يفعل ذلك في دلالة القرآن ولهذا كانت طريقته صدًّا عن سبيل الله ومنعًا للناس من اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لا يثبت إلا بالنقل وبدلالة الألفاظ وهو دائمًا يطعن في الطريقتين وقد تكلمنا على كلامه في دلالة الألفاظ في غير هذا الموضع أيضًا ونحن نذكر إن شاء الله هذين الحديثين وإسنادهما ولفظهما لكن هذان الخبران متعلقان برؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه لتضمنهما ذلك وهذا قد جاءت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحاديث يستدل بها على الإثبات والنفي ولهذا تنازع السلف في هذه المسألة ولم يتنازعوا في رؤية الله تعالى في الآخرة كما سيأتي ذلك في كلام الإمام أحمد رحمه الله قال الإمام أبوبكر بن خزيمة باب ذكر أخبار رويت عن عائشة في إنكارها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول المنية بالنبي صلى الله عليه وسلم
إذ أهل قبلتنا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى من شاهدنا من العلماء من أهل عصرنا لم يختلفوا ولم يرتابوا ولم يشكوا أن جميع المؤمنين يرون خالفهم يوم القيامة عيانًا وإنما اختلف العلماء هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم خالقه عز وجل قبل نزول المنية بالنبي صلى الله عليه وسلم لا أنهم قد اختلفوا في رؤية المؤمنين خالقهم يوم القيامة فتفهموا المسألتين لا تغالطوا فاصدوا عن سواء السبيل ونحن نذكر من ذلك ما يسره الله تعالى والذي عليه أكثر أهل السنة والحديث إثبات رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه لكن اختلفوا هل يقال رآه بعين رأسه أو يقال رآه بقلبه أو يقال رآه ولا يقال بعينه ولا بقلبه على ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن أحمد على ما ذكر ذلك القاضي أبويعلى وغيره ولهذا جمع طائفة بين أقوال السلف في ذلك
فالرواية الواحدة عن أحمد وهي قول طائفة أنه يقال رآه ولايقال بعينه ولابقلبه كما في مسائل الأثرم قال سمعت أبا عبد الله قال له رجل عن حسن الأشيب قال لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى قال فأنكره إنسان عليه فقال لم لا تقول رآه ولا تقول بعينه ولا بقلبه كما جاء في الحديث أنه رآه قال رجل فاستحسن ذلك الأشيب قال أبو عبد الله هذا حسن قال وسمعت أبا عبد الله قال فأما من قال إنه لا يرى في الآخرة فهو جهمي
وأما من تكلم في رؤية الدنيا فقال عكرمة رآه وقال الحسن رآه وقال سعيد بن جبير لا أقول رآه ولا لم يره وقالت عائشة من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد كذب قال الأثرم قلت لأبي عبد الله إلى أي شيء تذهب من هذا فقال قال العمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه
مرتين وحديث الأثرم حدثنا محمد بن الصباح حدثنا هشيم ثنا منصور عن الحكم عن يزيد بن شريك عن
أبي ذر قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه وروى الخلال حدثنا محمد بن الهيثم حدثنا عمرو بن عون أنا هشيم عن منصور عن الحكم عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] قال رآه بقلبه