ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
قال الخلال وأخبرنا أبو بكر المروذي قال قلت لأبي عبد الله كيف تقول في حديث النبي صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم على صورته قال الأعمش يقول عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر قال وقد رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم على صورته فنقول كما جاء في الحديث قال وسمعت أبا عبد الله يقول لقد سمعت الحميدي يحضره سفيان بن
عيينة فذكر هذا الحديث خلق الله آدم على صورته فقال من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا يعني من الشتم وسفيان ساكت لا يرد عليه شيئاً قال المروذي أظن، ي ذكرت لأبي عبد الله عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال قول النبي صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم على صورته قال صورة الطين قال هذا جهمي وقال نسلم الخبر كما جاء وروى الخلال عن أبي طالب من وجهين قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن
يخلقه قال الخلال وأخبرنا أبو بكر المروذي قال سمعت أبا عبد الله قيل له أي شيء أنكر على بشر بن السري وأي شيء كانت قصته بمكة قال تكلم بشيء من كلام الجهمية فقال إن قوماً يجدون قيل له التشبيه فأومأ برأسه نعم فقال فقام به مؤمل حتى جلس فتكلم ابن
عيينة في أمره حتى أخرج وأراه كان صاحب كلام وقال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني قال سمعت إسحاق بن راهوية يقول قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم على صورة الرحمن إنما عليه أن ينطق بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نطق به
قال إسحاق حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب ابن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن فقد صحح إسحاق حديث ابن عمر مسنداً خلاف ما ذكره ابن خزيمة قال الخلال أنا يعقوب بن سفيان الفارسي قال حدثنا محمد بن حميد حدثنا الفرات
ابن خالد عن سفيان الثوري عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم على صورته وقال الخلال أن علي بن حرب الطائي حدثنا زيد ابن أبي الزرقاء عن ابن
لهيعة عن أبي يونس والأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن عز وجل
وما كان من العلم الموروث عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلنا أن نستشهد عليه بما عند أهل الكتاب كما قال تعالى قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) [الرعد 43] وقال تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) [يونس 94-95] وقال تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ [الأحقاف 10] وقال تعالى وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) [الشعراء 196-197] وقال تعالى أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) [الأنعام 114] وقال تعالى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) [الأنعام 20] وقال تعالى وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الرعد 36] وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره تميم
بخبر الدجال والجساسة فرح بذلك وقال حدثني حديثاً يوافق ما كنت حدثتكموه إذا عرف ذلك فيقال أما عود الضمير إلى غير الله فهذا باطل من وجوه أحدها أن في الصحيحين ابتداء إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً وفي أحاديث أخر إن الله خلق آدم على صورته ولم يتقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه
وما ذكر بعضهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يضرب رجلاً ويقول قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فقال خلق الله آدم على صورته أي على صورة هذا المضروب فهذا شيء لا أصل له ولا يعرف في شيء من كتب الحديث الثاني أن الحديث الآخر لفظه إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته وليس في هذا ذكر أحد يعود الضمير إليه الثالث أن اللفظ الذي ذكره ابن خزيمة وتأويله وهو قوله لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته ليس فيه ذكر أحد يصلح عود الضمير إليه وقوله في التأويل أراد صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب والذي
قبح وجهه فزجر صلى الله عليه وسلم أن يقول ووجه من أسبه وجهك يقال له لم يتقدم ذكر مضروب فيما رويته عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في لفظه ذكر ذلك بل قال إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ولم يقل إذا قاتل أحدكم أحدًا وإذا ضرب أحدًا والحديث الآخر ذكرته من رواية الليث بن سعد ولفظه ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته وليس في هذا ذكر مر حتى يصلح عود الضمير إليه فإن قيل قد يعود الضمير إلى ما دل عليه الكلام وإن لم يكن مذكورًا كما في قوله تعالى وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ [آل عمران 180] أي البخل لأن لفظ يبخلون يدل على المصدر الذي هو البخل ومنه قول الشاعر
إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف أي إلى السفه قيل هذا إنما يكون فيما لا لبس فيه حيث لم يتقدم ما يصلح لعود الضمير إليه إلاَّ ما دل عليه الخطاب فيكون العلم بأنه لابد للظاهر من مضمر يدل على ذلك أما إذا تقدم اسم صريح قريب إلى الضمير فلا يصلح أن يترك عوده إليه ويعود إلى شيء متقدم لا ذكر له في الخطاب وهذا مما يعلم بالضرورة فساده في اللغات الرابع أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد لاسيما وقوله وإذا قاتل أحدكم وإذا ضرب أحدكم عام في كل مضروب والله خلق آدم على صورهم جميعهم فلا معنى لإفراد الضمير وكذلك قوله لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك عام في كل مخاطب والله قد خلقهم كلهم على صورة آدم
الخامس أن ذرية آدم خلقوا على صورة آدم لم يخلق آدم على صورهم فإن مثل هذا الخطاب إنما يقال فيه خلق الثاني المتأخر في الوجود على صورة الأول المتقدم وجوده لا يقال إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما يقال خلق الخلق على غير مثال أو نسج هذا على مثال هذا ونحو ذلك فإنه في جميع هذا إنما يكون المصنوع المقيس متأخرًا في الذكر عن المقيس عليه وإذا قيل خلق الولد على صورة أبيه أو على خلق أبيه كان كلامًا سديدًا وإذا قيل خلق الوالد على صورة ولده أو على خلقه كان كلامًا فاسدًا بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه مثل أن يقال الوالد يشبه ولده فإن هذا سائغ لأن قوله خلق
إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره ومن الممتنع أن الأول كون على مثال ما لم يكن بعد وإنما يكون على مثال ما قد كان السادس أنه إذا كان المقصود أن هذا المضروب والمشتوم يشبه آدم فمن المعلوم أن هذا من الأمور الظاهرة المعلومة للخاص والعام فلو أريد التعليل بذلك لقيل فإن هذا يدخل فيه الأنبياء أو فإن هذا يدخل فيه آدم ونحو ذلك من العبارات التي تبين قبح كلامه وهو اشتمال لفظه على ما يعلم هو وجوده أما مجرد إخباره بما يعلم وجوده كل أحد فلا يستعمل في مثل هذا الخطاب السابع أنه إذا أريد جرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ خلق على كذا فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فعل على مثال غيره بل يقال فإن وجهه يشبه وجه آدم أو فإن صورته تشبه صورة آدم الثامن أن يقال هب أن هذه العلة تصلح لقوله لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فكيف
يصلح لقوله إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه ومعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا توجب سقوط العقوبة عنه فإن الإنسان لو كان يشبه نبيًّا من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة لم تسقط عقوبته بهذا الشبه باتفاق المسلمين فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم التاسع أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم وتناول الفظ لجميعهم واحد فلو كان المقصود بالخطاب ليس ما يختص به آدم من ابتداء خلقه على صورة بل المفصود مجرد مشابهة المضروب المشتوم له لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى كإبراهيم وموسى وعيسى وإن كان آدم أبوهم فليس هذا المقام مقاماً له به اختصاص على زعم هؤلاء العاشر وهو قاطع أيضاً أن يقال كون الوجه يشبه وجه
آدم هو مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم ويده تشبه يده ورجله تشبه رجله وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه بطن آدم وظهره وفخذه وساقه فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك فلو صلح أن يكون هذا علة لمنع الضرب لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليلٌ على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة الوجه الحادي عشر أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم لنهي أيضلً عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء لا يقولن أحدكم قطع الله يدك ويد من أشبه يدك الوجه الثاني عشر أن ما ذكره من تأويل ذلك فإنه إبطال لقول من يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال إنه
كان عظيم الجثة طويل القامة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى إنسان معين وقال إن الله خلق آدم على صورته أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت البتة يقال لهم الحديث المتفق عليه في الصحيحين مناقض لهذا التأويل مصرح فيه بأن خلق آدم أعظم من صور بنيه بشيء كثير و، هـ لم يكن على شكل أحد من أبناء الزمان كما في الصحيحين عن همام بن منيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق اله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاسمه ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالو السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم قال فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن قال في رواية يحيى بن جعفر ومحمد بن رافع على صورته فهذا الحديث الذي هو أشهر الأحاديث التي فيها أن الله خلق
آدم على صورته ذكر فيه أن طوله ستين ذراعاً وأن الخلق لم يزل ينقص حتى الآن وأن أهل الجنة يدخلون على صورة آدم ولم يقل إن آدم على صورتهم بل قال هم على صورة آدم وقد روي أن عرض أحدهم سبعة أذرع فهل في تبديل كلام الله ورسوله أبلغ من هذا أن يجعل ما أثبته النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر به وأوجب التصديق به قد نفاه وأبطله وأوجب تكذيبه وإبطاله الوجه الثالث عشر أنه قد روي من غير وجه على صورة الرحمن
فصل وأما قول من قال الضمير عائد إلى آدم كما ذكر ذلك للإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور فهو كما قال الإمام أحمد هذا تأويل الجهمية وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه وقد زعم المؤسس أنه أولى الوجوه الثلاثة وليس كما ذكره بل هو أفسد الوجوه الثلاثة ولهذا لم يعدل إليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى على صورة
الرحمن ولقوله ابتداء إن الله خلق آدم على صورته فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا وبيان فساده من وجوه أحدها أنه إذا قيل إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم أو لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورة آدم كان هذا من أفسد الكلام فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلاً فإن كون آدم مخلوقاً على صورة آدم فأي تفسير فسر ليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فرق الحديث فروي قوله إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه مفرداً وروي قوله
الله خلق آدم على صورته مفرداً أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمتنع فيه وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع فلا يناسب هذا الحكم الوجه الثاني أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم بأي وجه فسر ذلك فلا فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في هذا الحكم فلو كان خلق آدم على صورة آدم مانعاً من ضرب الوجه أو تقبيحه لوجب أن يكون مانعاً من ضرب سائر الأعضاء وتقبيح سائر الصور وهذا معلوم الفساد في العقل والدين وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام وإضافة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا صدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد إذ لا خلاف في علمه وحكمته وحسن كلامه وبيانه كما يذكر أن بعض الزنادقة سمع قارئاً يقرأ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل 112] فقال وهل يذاق
اللباس فقالت له امرأة هبك تشك في بداية العقول أو يعلل حكم المحل بعلة لا تعلق لها به فإن هذا مثل أن يقال لا تضربوه وجوه بني آدم فإن أباهم له صفات يختص هو بها دونهم مثل كونه خلق من عير أبوين أو يقال لا تضربوا وجوه بني آدم فإن أباهم خلق من غير أبوين الوجه الثالث أن هذا تعليل للحكم بنا يوجب نفيه وهذا من أعظم التناقض وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر وبنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وخلقوا في مدة من عناصر الأرض فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه وهذه العلة منتفية في بنيه فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها فإن آدم
هو الذي خلق على صورته دونهم إذ هم لم يخلقوا كما خلق آدم على صورهم التي هم عليها بل نقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة الوجه الرابع ما أبطل به الإمام أحمد هذا التأويل حيث قال من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه وهذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد يعم الأحاديث يعم قوله ابتداء إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ويعم قوله لا تقبحوا الوجه وإذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته وذلك أن قوله خلق الله آدم على صورته يقتضي أنه كان له صورة قبل الخلق خلقه عليه فإن هذه العبارة لا تستعمل إلا في مثل ذلك وبمثل هذا أبطلنا من يقول إن الضمير عائد إلى المضروب فإن المضروب متأخر عن آدم ولا يجوز في مثل هذا الكلام أن
تكون الصورة التي خلق عليها آدم متأخرة عن حين خلقه سواء كانت هي صورته أو صورة غيره فإذا قيل عملت هذا على صورة هذا أو على مثال هذا أو لم يعمل هذا على صورة غيره أو لم يعمل على مثال أو لم ينسج على منوال غيره كما يقال في تمجيد الله تعالى خلق الله العالم على غير مثال والإبداع خلق الشيء على غير مثال ونحو ذلك من العبارات كان معناها المعلوم بالاضطرار من اللغة عند العامة والخاصة أن ذلك على صورة ومثال متقدم عليه أو لم يعمل على صورة ومثال متقدم عليه وذلك أن هذا اللفظ تضمن معنى القياس فقوله خلق أو عمل أو صنع على صورة كذا أو مثاله أو منواله تضمن معنى قيس عليه وقدر عليه وإذا كان كذلك فجميع ما يذكر من التأويلات مضمونه أو صورته تأخرت عنه فتكون باطلة
وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها قبل صورته التي خلقها الله تعالى الوجه الخامس أن جميع ما يذكر من التأويل كقول القائل خلق آدم على صورة آدم موجود نظيره في جميع المخلوقات فإنه إن أريد بذلك على صورتها الثابتة في القدر في علم الله وكتابه أي على صفتها التي هي عليها أو غير ذلك فهذا موجود نظيره في سائر المخلوقات من السموات والأرض وما بينهما ومن الملائكة والجن والبهائم بل وذرية آدم كذلك فإنهم خلقوا على صورهم كما يذكرونه في معنى قولهم خلق الله آدم على صورة آدم فإن كون آدم على صورته يعني شبحاً موجود في صور
هذه الأمور وأما كونه خلق على هذه الصورة ابتداء أو فيغير مدة فإنه لم يخلق إلا من حال إلى حال من التراب ثم من الطين ثم من الصلصال كما خلق بنوه من النطفة ثم العلقة ثم المضغة فلا منافاة في الحقيقة بين الأمرين فإذا جاز أن يقال في أحدهما إنه خلق على صورته رغم تنقله في هذه الأطوار جاز أن يقال في الآخر خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار وإذا كان كذلك فمن المعلوم بالاتفاق أن قوله خلق آدم على صورته هي من خصائص آدم وإن كان بنوه تبعاً له في ذلك كما خلقه الله تعالى بيديه وأسجد له ملائكته علم بطلان ما يوجب الاشتراك ويزيل الاختصاص الوجه السادس أن المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هو من الأمور المعلوم ببديهة العقل التي لا يحسن بيانها والخطاب بها لتعريفها بل لأمر آخر فإن قول القائل إن الشيء الفلاني خلق على صورة نفسه لا يدل لفظه على غير ما هو معلوم بالعقل أن كل مخلوق فإنه خلق على
الصورة التي خلق عليها وهذا المعنى مثل أن يقال أوجد الله الشيء كما أوجده وخلق الله الأشياء على ما هي عليه وعلى الصورة التي هي عليها ونحو ذلك مما هو معلوم ببديهة العقل ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيح جدًّا الوجه السابع أن دلالة قول القائل خلق آدم على صورة آدم على ما يدعونه من معان أخر مثل كونه غير مخلوق من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة أو كونه لم يخلق في مدة ومن مادة أو لم يخلق بواسطة القوى والعناصر مما لا جليل عليه بحال فإن هذا اللفظ لا يفهم منه هذه المعاني بوجه من الوجوه فلابد أن يبين وجه دلالة اللفظ على المعنى من جهة اللغة ويذكر له نظير في الاستعمال الوجه الثامن أن رواية الحديث من وجوه فسائر الألفاظ تبطل عود الضمير إلى آدم مثل قوله لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن وقوله في الطريق الآخر من حديث أبي هريرة إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن وقول ابن عباس فيما يذكره عن الله تعالى تعمد إلى خلق من خلقي
خلقتهم على صورتي فتقول لهم اشربوا يا حمير فأما قوله إن حديث ابن عمر قد ضعفه ابن خزيمة فإن الثوري أرسله فخالف فيه الأعمش وأن الأعمش وحبيباً
مدلسان فيقال قد صححه إسحاق بن راهوية وأحمد ابن حنبل وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس وأيضاً فمن المعلوم أن عطاء ابن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلابد أن يكون قد سمعه من أحد وإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه أخذه عن ابن عمر كان هذا بياناً وتفسيراً لما تركه وحذفه من الطريق الأخرى ولم يكن هذا اختلافاً أصلاً وأيضاً فلو قدر لأن عطاء لم يذكره إلا مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن المعلوم أن عطاء من أجلِّ التابعين قدراً فإنه هو وسعيد بن المسيب
وإبراهيم النخعي والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم وقد ذكر المصنف لهذا الحديث كابن خزيمة أن الأخبار في مثل هذا الجنس الذي توجب العلم هي أعظم من الأخبار التي توجب العمل ومعلوم أن مثل عطاء لو أفتى في مسألة فقه بموجب خبر أرسله لكان ذلك يقتضي ثبوته عنده ولهذا يجعل الفقهاء احتجاج المرسل بالخبر الذي أرسله دليلاً على ثبوته عنده فإذا كان عطاء قد جزم بهذا الخبر العلي عن
النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الباب العظيم أيستجيز ذلك من غير أن يكون ثابتاً عنده أن يكون قد سمعه من مجهول لا يعرف أو كذاب أو سيئ الحفظ وأيضاً فاتفاق السلف على رواية هذا الخبر ونحوه مثل عطاء بن أبي رباح وحبيب بن أبي ثابت والأعمش والثوري وأصحابهم من غير نكير سمع من أحد لمثل ذلك في ذلك العصر مع أن هذه الروايات المتنوعة في مظنة الاشتهار دليل على أن علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا وكراهة بعضهم لرواية ذلك في بعض الأوقات له نظائر فإن الشيء قد يمنع سماعه لبعض الجهال وإن كان متفقاً عليه بين علماء المسلمين وأيضاً فإن الله قد وصف هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس وأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فمن الممتنع
أن يكون في عصر التابعين يتكلم أئمة ذلك العصر بما هو كفر وضلال ولا ينكر عليهم أحد فلو كان قوله خلق آدم على صورة الرحمن باطلاً لكانوا كذلك وأيضاً فقد روي بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة والحديث المروي من طريقين مختلفين لم يتواطأ رواتهما يؤيد أحدهما الآخر ويستشهد له ويعتبر به بل قد يفيد ذلك العلم إذ الخوف في الرواية من تعمد الكذب أو من سوء الحفظ فإذا كان الرواة ممن يعلم أنهم لا يتعمدون الكذب أو كان الحديث ممن لا يتواطأ في العادة على اتفاق الكذب على لفظه لم يبق إلا سوء الحفظ فإذا كان قد حفظ كل منهما مثل ما حفظ الآخر كان ذلك دليلاً على أنه محفوظ لاسيما إذا كان ممن جرب بأنه لا ينسى لما فيه من تحرِّيه اللفظ والمعنى ولهذا يحتج من منع المرسل به إذا روي من وجه
آخر ولهذا يجعل الترمذي وغيره الحديث الحسن ما روي من وجهين ولم يكن في طريقه متهم بالكذب ولا كان مخالفاً للأخبار المشهورة
وأدنى أحوال هذا اللفظ أن يكون بهذه المنزلة وأيضاً فقد ثبت عن الصحابة أنهم تكلموا بمعناه كما في قول ابن عباس تعمد إلى خلق من خلقي على صورتي والمرسل إذا اعتضد به قول الصاحب احتج به من لا يحتج بالمرسل كالشافعي وغيره وأيضاً ثبت بقول الصحابة ذلك ورواية التابعين كذلك عنهم أن هذا كان مطلقاً بين الأئمة ولم يكن منكوراً بينهم وأيضاً فعلم ذلك لا يؤخذ بالرأي وإنما يقال توقيفاً ولا يجوز أن يكون مستند ابن عباس أخبار أهل الكتاب الذي هو أحد الناهين لنا عن سؤالهم ومع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تصديقهم أو تكذيبهم فعلم أن ابن عباس إنما قاله توقيفاً من النبي صلى الله عليه وسلم ففي صحيح
البخاري عن ابن شهاب عن عبيد الله عن عبد الله أن ابن عباس قال كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسولكم أحدث الكتب عهداً بالرحمن تقرؤونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم الكتب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم الآية فمعلوم مع هذا أن ابن عباس لا يكون مستنداً فيما يذكره من صفات الرب أنه يأخذ ذلك عن أهل الكتاب فلم يبق إلا أن يكون أخذ من الصحابة الذين أخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الوجوه كلها مع أنها مبطلة لقول من يعيد الضمير في قوله على آدم فهي أدلة مستقلة في الإخبار بأن الله تعالى خلق آدم على صورة نفسه وبهذا حصل الجواب عما يذكر من كون الأعمش مدلساً حيث يقدم على رواية مثل هذا الحديث ويتلقاه عنه العلماء ويوافقه الثوري والعلماء على روايته عن ذلك الشيخ بعينه
وكذلك قوله حبيب مدلس فقد أخذه عنه هؤلاء الأئمة وأيضاً فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة فإن في السفر الأول منها سنخلق بشراً على صورتنا يشبهها وقد قدمنا أنه يجوز الاستشهاد بما عند أهل الكتاب إذا وافق ما يؤثر عن نبينا بخلاف ما لم نعلمه إلا من جهتهم فإن هذا لا نصدقهم فيه ولا نكذبهم ثم إن هذا مما لا غرض لأهل الكتاب في افترائه على الأنبياء بل المعروف من حالهم كراهة وجود ذلك في كتبهم وكتمانه وتأويله كما قد رأيت ذلك مما شاء الله من علمائهم ومع هذا الحال يمتنع أن يكذبوا كلاماً يثبتونه في ضمن التوراة
وغيرها وهم يكرهون وجوده عندهم وإن قيل الكاره لذلك غير الكاتب له فيقال هو موجود في جميع النسخ الموجودة في الزمان القديم في جميع الأعصار والأمصار من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأيضاً فمن المعلوم أن هذه النسخ الموجودة اليوم بالتوراة ونحوها قد كانت موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلو كان ما فيها من الصفات كذباً وافتراءً ووصفاً لله بما يجب تنزيهه عنه كالشركاء والأولاد لكان إنكار ذلك عليهم موجوداً في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين كما أنكروا عليهم مادون ذلك وقد عابهم الله في القرآن بما دون ذلك مما هو دون ذلك فلو كان هذا عيباً لكان عيب الله لهم أعظم وذمهم عليه أشد
الوجه التاسع إبطال أعيان التأويلات التي ذكرها فأما قوله في الوجه الأول أنه لم يغير خلقة آدم ولم يمسخها كما مسخ غيره كالحية والطاووس قيل خلق آدم على صورة آدم فيقال له العبارة المعروفة عن هذا المعنى أن يقال أبقى آدم على صورته أو تركه على صورته أو لم يغير صورة آدم لا يقال خلقه على صورة نفسه فإن هذا اللفظ لا يستعمل في مثل ذلك المعنى ألا ترى أن الله لما مسخ بعض بني إسرائيل كالذين قال لهم كونوا قردة خاسئين كما قال وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ [المائدة 60] وأنجى الذين كانوا ينهون عن المنكر فإنه
لا يقال خلق هؤلاء على صورهم بل يقال أبقاهم على صورهم أو أبقى صورهم أو لم يمسخهم وهذا لما تقدم من أن هذا اللفظ لا يقال إلا فيما تقدمت الصورة على خلقه لا فيما تأخرت وأيضاً فهذا من الأمر المعروف الظاهر لكل أحد أن مضمونه أن صورة آدم كانت كهذه الصور لم تمسخ وما من الناس إلا من يعرف هذا كما يعرف آدم فقول القائل لهذا كقوله إن آدم كان له وجه وعينان وأذنان ويدان وساقان وهذا من الكلام السمج وأيضاً فالإخبار بما ذكره من مسخ غير آدم غير معلوم ولا مذكور