بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 363-402
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الخامس

صفحات 363-402
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

صنف كتاب الإبانة تقية وإلا فالرجل باطنه يشبه بواطن شيوخه المعتزلة وأنهم بمنزلة المنافقين الذين يوافقون أهل السنة والحديث في الظاهر ويخالفونهم في الباطن وأيضاً فمن تأمل كلام الرازي وجده في كثير من مسائله لاينصر القول الذي ينصره إلا للتقية دون الاعتقاد كما فعله في مسألة الرؤية والقرآن ونحوهما فإن كلامه يقتضي أن الرجل منافق لأصحابه الذين هم متأخرو الأشعرية فضلاً عن قدمائهم وأيضاً فالأشعري قد ذكر عن المعتزلة أنهم منافقون بإثبات أسماء الله فقال في المقالات الحمد لله الذي بصَّرنا خطأ المخطئين وعَمَى العَمين وحيرة المتحيرين الذين نفوا صفات رب العالمين وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لاعلم له ولا قدرة ولا حياة له ولاسمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي يوصف بها لنفسه قال وهذا قولٌ أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين

يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حيّ ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك قال غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك قال وقد أفصح بذلك رجل يُعرف بابن الإيادي كان ينتحل مذهبهم فزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة

وقال الأشعري أيضاً في الإبانة زعمت الجهمية والقدرية أن الله عز وجل لاعلم له ولاقدرة ولا حياة ولا سمع ولابصر وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم من ذلك خوف السيف من إظهار نفي ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لاعلم ولاقدرة لله عز وجل فقد قالوا ليس بعالم ولاقادر ووجب ذلك عليهم وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم إن الله ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت إن الله عز وجل عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن تثبت له علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وأيضاً فكلامُ السلف والأئمة كثيرٌ مشهور في أن الجهمية

وهم أول من نفى الجسم وملازمه في الإسلام إنما هم معطِّلون في الحقيقة وإنما يظهرون الإقرار نفاقاً ومدار أمرهم على التعطيل كما ذكره البخاري وغيره من الأئمة عن وكيع بن الجراح الإمام أنه قال لا تستخفوا بقولهم القرآن مخلوق فإنه من شر قولهم إنما يذهبون إلى التعطيل قال البخاري وحدثني أبو جعفر سمعت الحسن بن موسى الأسيب وذكر الجهمية فنال منهم ثم قال أُدْخِلَ رأسٌ من رؤساء الزنادقة يقال له شمغلة على المهدي فقال دلني على أصحابك فقال أصحابي أكثر من ذلك

فقال دلني عليهم فقال صنفان ممن ينتحل القبلة الجهمية والقدرية والجهمي إذا غلا قال ليس ثَمَّ شيء وأشار الأشيب إلى السماء والقدري إذا غلا قال هم اثنان خالقُ خير وخالقُ شر فضرب عنقه وصلبه وهذان الصنفان جمعهما المعتزلة وفيهم يقول ابن المبارك ولا أقول بقول جهم إنّ له قولاً يُضارعُ قول الشرك أحيانا ولا أقول تخلى من بريته ربُّ العباد وولَّى الأمر شيطانا وروى عن يحيى بن يوسف الزمي قال كنا عند

عبد الله بن إدريس فجاء رجل فقال ياأبا محمد ما تقول في قوم يقولون القرآن مخلوق قال أمن اليهود قال لا قال أمن النصارى قال لا قال فمن المجوس قال لا قال فممّن قال من أهل التوحيد قال ليس هؤلاء من أهل التوحيد هؤلاء من الزنادقة مَن زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق وهذا أصل الزندقة قال وقال وهب بن جرير الجهمية زنادقة إنما يريدون أنه ليس على

العرش استوى قال البخاري وكان إسماعيل بن أبي أويس يسميهم زنادقة العراق وقيل له سمعت أحداً يقول القرآن مخلوق فقال هؤلاء الزنادقة وقال البخاري نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت قوماً أضلّ في كفرهم منهم وإني لأستجهل من لا يكفِّرهم إلا من لا يعرف كفرهم قال وقول عبد الله بن المبارك إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية

وقال الإمام أحمد في وصف قول الجهمية ما قدمناه حيث قال إنه بلغه أن الجهم لقي أناساً من المشركين يقال لهم السُّمَنِيَّة فعرفوا الجهم فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلهاً قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيتَ إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فهل شممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسًّا قال لا قالوا فوجدت له مجسًّا قال لا قالوا فما يدريك أنه إله قال فتحيَّر الجهم فلم يَدْرِ من يعبد أربعين يوماً ثم إنه

استدرك حجة مثل حجج الزنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث شيئاً دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهي عما يشاء وهو روح غائب غن الأبصار فاستدرك جهمٌ حجةٌ مثل هذه الحجة فقال للسُّمني ألست تزعم أن فيك روحاً قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال فسمعت كلامه قال لا قال فوجدت له حسًّا قال لا قال فكذلك الله لا يُرى له وجه ولا يُسمع له صوت ولايشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولايكون في مكان دون مكان ووجدت ثلاث آيات من المتشابه في القرآن قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذّب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافراً وكان من المشبهة فأضل بكلمه بشراً كثيراً واتبعه على قوله رجالٌ من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد

بالبصرة ووضع دين الجهمية فإذا سألهم الناس عن قول الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش لا يخلو منه مكان ولايكون في مكان دون مكان ولم يتكلم ولا يكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف ولا يعرف بصفة ولا بفعل ولا له غاية ولا له منتهى ولا يدرك بعقل وهو وجه كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر كله وهو نور كله وهو قدرة كله ولا يكون فيه شيئان ولايوصف بوصفين مختلفين ولا له أعلى ولا له أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو ثقيل ولا خفيف ولا له لون ولا له جسم وليس هو بمعلوم ولا معقول وكلما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه فقلنا هو شيء فقالوا هو

لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعبد ذلك تبين للناس أنهم لايثبتون شيئاً ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لايعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لاتؤمنون بشيء بل تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فقلنا لهم هذا الذي يدبر الأمر هو كلّم موسى قالوا لم يتكلم ولا يُكَلم لأن الكلام لايكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيماً لله ولايعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى فرية وضلالة وكفر

وروى عبد الله بن أحمد عن ابن إبراهيم بن طهمان قال الجهمية كفار وعن الأصمعي عن المعتمر بن سليمان وعن سليمان التيمي عن أبيه قال ليس قوم أشد

بغضاً للإسلام من الجهمية وعن سلام بن أبي مطيع قال الجهمية كفار وعن يزيد بن هارون وذكر الجهمية فقال زنادقة وفي رواية أخرى رواها المروذي

عنه وذكر الجهمية فقال كفار لايعبدون شيئاً وروى المروذي عن سلام بن أبي مطيع قال الجهمية كفار لايصلى خلفهم وعن محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال كان أبي يحيى وعبد الرحمن يعني ابن مهدي يقولان الجهمية تدور على أن تقول ليس في السماء شيء وروى سليمان بن

حرب عن حماد بن يزيد قال الجهمية تحاول على أن ليس في السماء شيء ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد عنه ولفظه إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء وروى الخلال عن وكيع بن الجراح أنه قال القرآن

كلام الله أنزله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم كل صاحب هوى يعبد الله ويعرفه إلا الجهمية فإنهم لايعرفونه بشر وأصحابه وعن شبابة بن سوّار قال اجتمع رأيي ورأي جماعة من الفقهاء وأبي النضر هاشم بن القاسم على أن المريسي كافر جاحد يستتاب فإن تاب وإلا ضرب عنقه وعن ابن عيينة قال هذا الذي يقول في القرآن يعني المريسي ينبغي أن

يصلب وعن عباد بن العوام أنه قال كلام بشر المريسي يزعم أنه ليس بشيء يعني أن الله ليس بشيء وعنه قال كلمت بشراً وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن ليس في السماء شيء وروي عن أبي بكر بن عياش إنما تحاول الجهمية أن ليس في السماء شيء وعن الميموني أنه ذاكر أبا عبد الله

أحمد بن حنبل أمر الجهمية وما يتكلمون به فقال في كلامهم كلام الزنادقة يدورون على التعطيل ليس يثبتون شيئاً وهكذا الزنادقة وقال لي أبو عبد الله بلغني أنهم يقولون شيئاً هم يدعونه وينقصون على المكان ويقولون هو الأشياء وليس بالشيء في الشيء قال لي فهو قد ترك قوله الأول وأقبل يتعجب إليَّ وعن أحمد بن حنبل قال ما أحد أضر على الإسلام من الجهمية ما يريدون إلا إبطال القرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كثيرٌ في كلام السلف والأئمة وسائر العلماء لايحصيه إلا الله يصفون فيه الجهمية بالزندقة التي هي النفاق وبالتعطيل وبالجحود للقرآن والحديث وبأنهم إنما يقرون في الظاهر بالإسلام والقرآن خوفاً من السيف إذا كان كذلك وهم أول من أحدث في الإسلام القول بأن الله تعالى ليس بجسم وأنه إذا كان ليس بجسم فإن ذلك يستلزم نفي علوه على العرش ونفي صفاته وغير ذلك علم أن ما في هؤلاء من المنافقة والتقية وخوف السيف من أهل الإيمان أعظم مما ذكر وهـ أولئك

الوجه الثالث أن يقال إنه من المعلوم أن في هؤلاء وهؤلاء مَن قد يقول القولين اللذين هما في نفس الأمر متناقضان فإنهم مع ذلك نوعان منهم من يعلم التناقض ويقر بأحدهما إما لرغبةٍ وإما لرهبة ومنهم من لايعلم التناقض وهذا لاريب فيه فإنا نعلم خلقاً من الجهمية الذين ينكرون الصفات ويقولون هذه تجسيم والله ليس بجسم الذين يتظاهرون بالإسلام وهم في الباطن لايقرون بأن القرآن حق وما خالفه باطل ولا يقرون بأن محمداً هو رسول الله إلى جميع الخلق ولا يقرون بأنه تجب عبادة الله وحده لاشريك له ولا يقرون بالمعاد الذي أخبر الله به في كتابه بل منهم طوائف يجعلون اليهودية والصابئة والشرك كل ذلك أديان غير محرمة ولاأهلها كفار كدين الإسلام ثم من هؤلاء من يرجِّح الإسلام على سائر هذه الأديان ومنهم من لا يرجحه ومنهم طوائف يعتقدون أن الأنبياء إنما هم من عقلاء بني آدم وفضلائهم وبمنزلة الملوك الذين لهم علم وعدل وأنه إنما تجب طاعتهم في الأمور والسياسات الظاهرة التي هي نظام الدنيا فأما الأمور الدينية الباطنة النافعة في الآخرة من العلوم والأعمال فيدَّعون أنهم أعلم بذلك من الأنبياء والمرسلين أو مثلهم وأنهم مستغنون عن الرسل فيها ومنهم طوائف يجحدون خالق العالم جحداً

محققاً ويسخرون بمن يقر بوجوده أما العبادات التي جاءت بها الرسل والتحريمات فيسخرون بأهلها سخرية زائدة على الحد ومنهم من يعبد الأصنام والكواكب أو يأمر بذلك وقد يرى ذلك أفضل وأنفع من عبادة الله وحده إلى أمور أخرى من أصناف الكفر والزندقة التي توجد في الجهمية التي هي بإجماع المسلمين من أعظم الزندقة والنفاق إذا استبطنها من يظهر الإسلام وغن أعلنها كان كافراً معلناً باتفاق المسلمين وهذه الأمور هي من جنس سائر الضلال تارة يتلقاه بعض الضالين عن المضلين كما قال تعالى إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) [الصافات 69-70] وقال عنهم وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة 170] وتارة يقولونه لتشابه قلوبهم كما قال تعالى وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة 118] وقال تعالى كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) [الذاريات 52-53] وقال تعالى بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) [المؤمنون 81-82] وقال

تعالى مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت 43] وقال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام 112] وقال تعالى سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام 148] وهذا في القرآن في غير موضع يذكر مُشابهةَ ضلال الآخرين لضلال الأولين وذلك أن بني آدم جنس واحد مشتركون في الحد والحقيقة الإنسانية وقوى إدراكهم وحركاتهم من جنس واحد من هذا الوجه فهم يتشابهون في الإيمان والكفر والهدى والضلال والعلم والجهل والقدرة والعجز وسائر ما يعرض لهم من الأمور المتقابلة ولاريب أن كثيراً ممن ليس بزنديق ولامنافق من أهل الإيمان قد التبس عليه كثيرٌ مما يقولون الجهمية وظن أن ذلك حق وأنه من تعظيم الله وتنزيهه وغالب هؤلاء في حيرة فإنهم لابد أن يروا منافاة الفطرة وما جاءت به الرسل لما يقوله الجهمية فيرونه منافياً للعقل والشرع المعلومين بالاضطرار فتارة يُعرضون عن النظر في ذلك مطلقاً

فلا يحققون الإيمان بما جاءت به الرسل ويقررون أمره ولايعتقدون ما يقوله الجهمية وهذا ضَعفٌ في إيمانهم ومرض في قلوبهم وتارة يقولون هذا ويقولون هذا إما في حالٍ واحدة وإما في حالين ولايشعرون بالتناقض الذي بينهما وتارة يوافقون المؤمنين وتارة يوافقون الجهمية وتارة يوافقون هؤلاء في البعض وهؤلاء في البعض وهو موجود أيضاً في المثبتة للجسم فإن منهم من يستعمل التقية مع نفاقٍ فيوافقونهم على ما ينفونه من تفاريغ ملازم الجسم مع علمه بأنه متناقض ومنهم من يقول القولين المتناقضين ولايشعر بالتناقض كما تقدم وهؤلاء المتناقضون يقولون قول هؤلاء وقول هؤلاء لكن بعبارات متنوعة وهؤلاء خلق عظيم وطوائف كثيرة في الأمة من أصناف أهل العلم والدين لايحصيهم إلا رب العالمين الوجه الرابع أنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه يجب على الناس رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد 25] وقال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء 105] وقال تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً

فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة 213] وقال تعالى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء 59] وهذا عام في جميع الأشياء لاسيما باب أسماء الله وصفاته فإن الاعتصام في ذلك بالكتاب والسنة هو من أعظم أصول الإيمان فإن الله قد ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته ويجادلون فيه بغير علم والذين يجادلون بغير كتاب منزل من الله ونهى عن ضرب الأمثال له فقال وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) [الأعراف 180] وقال وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) [الرعد 13] وقد روي أنها نزلت فيمن جادل في الله من أي جنس هو من أجناس المخلوقات وقال الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ

أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا [غافر 35] وهذا في كل من جادل في الله بغير كتاب منزل من السماء فإن الكتاب المنزل هو السلطان كما قال تعالى أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) [الروم 35] وقال تعالى أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) [الصافات 156-157] وقال تعالى أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) [الطور 38] وإذا كان كذلك فالواجب أن يجعل ما بعث الله به رسله من السماء والكلمات هي الأصل والرد عند التنازع في النفي والإثبات وأما سائر ما يتكلم الناس به من نفي وإثبات فيرد إلى ذلك فما وافقه فهو الحق وما خالفه فهو الباطل وإذا كانت الألفاظ مجملة تحتمل ما يوافق كتاب الله وما يخالفه لم تقبل مطلقاً ولم تردّ مطلقاً بل يقبل منها ما وافق كتاب الله ويرد ما خالفه والمنافق المذموم الذي ذمه الله ورسوله هو من أظهر الإيمان بالكتاب والرسول وموالاة المؤمنين وأبطن نقيض ذلك فأما من استعمل التقية مع غير كتاب الله ورسوله وأهل الإيمان فليس هو هذا المنافق وإذا كان كذلك فالجهمية نفاة الصفات تنفي الجسم

وملازمه نفاقهم في الإيمان بالله والرسول فإنهم يظهرون الإيمان بالقرآن وبما جاء فيه من أسماء الله وصفاته التي هي من آياته وهم عند التحقيق غير مؤمنين بذلك بل هم منافقون في كثير من ذلك يحرفون الكلم عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وصفاته وذلك مضموم إلى منافقتهم في المعقولات حيث يبغون اتباع المعقول وهم من أعظم الخلق جحوداً للمعقولات ففيهم من السفسطة في العقليات والقرمطة والنفاق في الشرعيات مما لاينضبط هنا وهذا من أعظم الأمور دناة وبطلاناً في العقل والدين بإجماع المسلمين وأما ما ذكره الرازي عن منازعيه من التقية فغايتهم أنهم استعملوا التقية مع من يقول إنه ليس بجسم وغاية هذا أن يكون هو المصيب وهم المخطئون إذ ليس قوله مأثوراً عن الله ور عن رسوله ولا عن أحدٍ من سلف الأمة وأئمتها فإنه ليس في هؤلاء من نفى ما ينفيه هؤلاء بلفظ الجسم وملازمه ولا نفى ما يسمونه تركيباً وانقساماً وتأليفاً وإذا كانت هذه المعاني لايوجد نفيها عن الله لا بألفاظهم ولا بألفاظ أخرى في كلام الله

ولا رسوله ولا كلام سلف الأمة وأئمتها وإنما غاية أحدهم أن يستنبط ذلك كما ذكره الرازي في الأدلة السمعية ومعلوم لمن تدبر تلك الأدلة أنها لاتفيد ظنًّا ضعيفاً فضلاً عن ظنٍّ قويٍّ فضلاً عن العلم بل قد بينا فيما تقدم أن كل دليل ذكره فإنه أدل على نقيض مطلوبه منه على مطلوبه وإذا كان الأمر كذلك وقدرنا أن نفي هذه المعاني حق كان مستعمل التقية والخوف مع هؤلاء النفاة أحسن حالاً وأعظم قدراً عند أهل العلم والإيمان من حزب الرازي النفاة فيما يستعملونه من التقية والخوف فإن أولئك يستعملونها مع أهل العلم والإيمان وهو حال المنافقين الذين ذكرهم الله وذمَّهم في القرآن فيما شاء الله من المواضع وهذا بيِّنٌ ظاهرٌ فإن خطأ هؤلاء إذا ثبت أنه خطأ هو خطأٌ فيما يقال إنه معقول ليس خطأً فيما جاء به الرسول وتقاته مع من يدعي العقليات ليس مع أهل الإيمان والقرآن وأين من يتقي من يكون مصيباً من العقلاء والملوك إلى من يتقي وينافق الأنبياء والمرسلين وخلفاءهم الراشدين هذا كله إذا قدر خطؤه حيث كان في الباطن يعتقد ما هو خطأ وأما إن كان ما يقوله الباطن صواباً فيكون قولهم بألسنتهم خلاف ما في

قلوبهم من غير إكراه ضعفاً في إيمانهم وجماع القول أنه إذا قُدِّر أنهم استعملوا التقية فأظهروا نفي هذه الأمور مع اعتقاد ثبوتها فإما أن يكونوا في هذا الاعتقاد مخطئين أو مصيبين فإن كانوا مخطئين كان هذا كما تقدم أنه من جنس مخالفة الملوك والعقلاء فيما هم فيه مصيبون ومخالفتهم من جنس المنافقين لأنبياء الله والمرسلين وعباد الله أهل العلم والإيمان فإذا كانوا مصيبين في هذا الاعتقاد كانوا بمنزلة مؤمن كتم إيمانه وأظهر خلاف ما يعتقده من الإيمان فهو مؤمن بقلبه معتقد متكلم بكلمة الخطأ أو الكفر خوفاً وهذا سائغ في الدين قال تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل 106] وقال تعالى لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران 28] وحيث لايكون سائغاً فالتكلُّم بذلك مع اعتقاده الإيمان لنوع رغبةٍ أو رهبةٍ على أي وجه كان هو خيرٌ من المنافق الذي يتكلم بقول أهل الإيمان ويبطن خلاف ذلك فأولئك النفاة منافقون وهذا مذنب ذنباً دون ذنب أولئك بكثير الوجه الخامس أنه ليس لأحد أن يشرع ديناً لم يأذن به الله

ولا يسمي أحداً باسم حمدً أو ذم إلا بسلطان من الله ولا يفرِّق بين ما جمع الله بينه ويجمع بين ما فرق الله بينه ويقطع ما أمر الله به أن يوصل وينقض عهد الله من بعد ميثاقه قال تعالى أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى 21] وقال تعالى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم 23] وقال تعالى المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) [الأعراف 1-3] وقال تعالى وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام 153] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [آل عمران 102-103] وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام 159] وقال تعالى وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) [البقرة 176] والله سبحانه وتعالى مدح في كتابه المؤمنين والمقسطين والصادقين والعالمين والمصلين والمتصدقين والصائمين والأبرار ونحو ذلك وذم في كتابه الكافرين والمنافقين والفجار والكاذبين والمحرقين للكلم عن مواضعه والملحدين في أسماء الله وآياته والمشركين والعادلين به والجاعلين له أنداداً ونحو ذلك

فالذي يجب أن يحمد ما حمده الله ويذم ما ذمه الله تعالى وأما الأسماء التي تعرف بها المذاهب والمقالات والطوائف سواء كانت مضافة إلى إمام المذهب كالجهمية والأزارقة والكُلابية والكرامية والأشعرية أو كانت مضافة إلى قول أو عمل لهم كما يقال الحرورية لاجتماعهم بحروراء ويقال لهم الخوارج والمارقة لمروقهم من الإسلام وكما يقال الرافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين لموالاته أبا بكر وعمر وكما

يقال المعتزلة لاعتزالهم أهل الجماعة من أصحاب الحسن البصري ونحوهم وكما يقال المجسمة لاتباعهم لمن قال إنه جسم وكما يقال معطلة لتعطيلهم الصفات إذ استلزم ذلك تعطيل الذات وكما يقال الزنادقة هم

المنافقون فالواجب أن تكون تلك السماء هي بنفسها لايعلق بها حمد ولا ذمً إلا بما حَمده القرآن وذمه فالله تعالى هو الذي حمدُه زين وذمُه شين وإنما هذه السماء للتعريف كأسماء القبائل وليس لأحد أن يوالي المسمَّى بهذه الأسماء أو يعاديه مطلقاً إلا إذا كان المسمى بها كذلك في الشرع كالمنافق والملحد فإن هذا من اتباع الأهواء أو من التفرق في الدين بل

يوالي من ذلك ما يحبه الله ورسوله يعادي من ذلك ما ذمه الله ورسوله والجهمية هم الذين اتبعوا جهماً فيما ابتدعه في الإسلام وكل ما ابتدعه ضلالة مخالفة للكتاب والسنة ولهذا كان كلام الجهم كله منكراً باتفاق السلف والأئمة إذ ما لم يبتدعه الجهم لايضيفه السلف إلى الجهمية وأما الكرامية والكلابية والأشعرية فهؤلاء هم المتبعون لأئمتهم فيما رتَّبوه من المذاهب وفي مذاهبهم ما هو صواب وخطأ لكن لهؤلاء مقالات ابتدعوها لم يُسبقوا إليها فتلك المذاهب تضاف إلى صاحبها وتذم مطلقاً كما يذم ما ابتدعه ابن كرام من جعل الإيمان هو مجرد قول اللسان بدون تصديق القلب ويذم ما ابتدعه ابن كلاب والأشعري من الكلام في الصفات والكلام الذي وافق أهل السنة من وجوه كثيرة ووافق فيه الجهمية من وجوه أخرى وإذا كان كمذلك فلفظُ المجسمة لايوجد به ذكر في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة لا بمدحٍ ولا ذم ولايوجد أيضاً ذم هذا المعنى الذي سميته أنت تجسيماً في كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها وأما المذهب الذي ذكرته فهو الذي يسميه السلف مذهب الجهمية وأول من ابتدعه في الإسلام الجعد وذمُّه

في كلام السلف وأئمتهم متواتر ودلالة الكتاب والسنة على بطلان معانيه وذمها لا يحصى فلا يستوي في ذمه الله ورسوله والمؤمنون بمن لا يوجد ذمه في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام المؤمنين ومما يوضح الأمر أن ذم الرافضة في كلام السلف والأئمة كثير جدًّا وقد علم العلماء أن أول من ابتدع الرفض في الإسلام بعضُ الزنادقة المنافقين كما ذكروا من أول من ابتدع التجهم كان

كذلك ومع هذا فالمتكلمون الذين تكلموا في الجسم نقياً وإثباتاً في عهد السلف أئمة النفاة مهم أو من المعتزلة كأبي الهذيل وذويه وأئمة الإثبات منهم هم متكلموا الرافضة كهشام بن الحكم وذويه ومع هذا كلامُ السلف كثيرٌ مستفيض في ذم الجهمية والمعتزلة على نفي الصفات ولم يعرف عن السلف ذم لهؤلاء الرافضة على ما يقال إنه التجسيم ولا شاع عنهم من عيب الرافضة بذلك ما شاع عنهم من عيب المعتزلة على النفي ولايحفظ عن أحد من السلف ذم المجسمة ولا ذم من يقول بالجسم ولا نحو هذا أصلاً فإذا كانوا متفقين على ذم الجهمية نفاة الصفات بنفي الجسم وملازمه ولم يذموا أحدًا لخصوص كونه أثبت الجسم ولم ينفه كما نفاه نفاة الجسم على أن ذم هؤلاء ذمٌ لا أصل له في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من سلف

الأمة وأن النفاة مذمومون بالكتاب والسنة والإجماع نعم ذم السلف من كان يزيد في الإثبات على ما جاء في الكتاب والسنة من المشبهة والمجسمة كما وجد هذا في كلام غير واحد من السلف رضي الله عنهم فيذمونهم ذمًّا خاصًّا على ما زادوه من الباطل وما وصفوا الله تعالى به مما هو مُنزَّه عنه كما يذكر عنهم من المقالات الباطلة وذموهم على التجسيم الذي ابتدعوه وخالفوا به الكتاب والسنة ولم يكن في كلامهم نفي عام وذم عام كما يوجد في كلام النفاة وهؤلاء السلف والأئمة الذين ذكرنا مدحهم وذمهم قد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم والمؤمنون شهداء الله في أرضه وهم الذين يُعتدّ بإجماعهم في الدين فإذا كانوا مجمعين على ما ذكرناه كان ذلك ثابتاً بالكتاب والسنة بخلاف من قد تنازعت الجماعة في مدحه وذمه الوجه السادس أن انتحال قول أو طريقة للذم بها والمدح والموالاة عليها والمعاداة غير الإيمان والقرآن أو إمام يوالى على اتباعه مطلقاً ويعادَى على عدم اتباعه مطلقاً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حال أهل البدع الضالين بل حال المنافقين والمرتدين وإن كانوا مع ذلك مقرين بالكتاب والرسول كما فعل أتباع مسيلمة الكذاب حيث زعموا أنهم يؤمنون بالرسولين والقرآنين وكما فعلت الخوارج حيث جعلت تمتحن الناس وتواليهم وتعاديهم

على ما أحدثوه من الرأي وكذلك الرافضة وغيرهم وهؤلاء الجهمية عمدوا إلى ألفاظ القرآن والرسول مثل قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) [طه 5] وقوله أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك 16] وقوله وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) [النساء 164] وقوله وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) [البقرة 255] وقوله الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) [الرعد 9] وأمثال ذلك فجعلوه المجمل المتشابه وجعلوا ما ابتدعوه من لفظ الجسم والتحيز والتركيب والتأليف هو أصل دينهم المحكم الذي يوالون عليه ويعادون عليه ومعلوم أن هذا تبديل للدين وتحريف للكتاب وهو شبيه بما فعله المبدلون المحرفون من أهل الكتاب حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوه الشياطين الوجه السابع أن هؤلاء القوم إما أن يكون فيهم تقية ومخافة من إظهار ما يعتقدونه أو لايكون فإن لم يكن بطل ما ذكره وإن كان فيهم تقية ومخافة من إظهار ما يعتقدونه فهذا لايدل على أنه باطل فإن الإنسان قد يكتم الحق تارة والباطل أخرى فلا يكون هذا دليلاً في إبطال قولهم ولكن غايته أن هؤلاء مجسمة حقيقة في المعنى لا في اللفظ وقد تقدم الكلام على هذا

الوجه الثامن هَبْ أن هؤلاء معتقدون كونه مركباً مؤلفاً فقد تقدم أن هذه ألفاظ مجملة يُنفى بها الحق كما يُنفى بها الباطل وليس على من اعتقد معنى صحيحاً دل عليه القرآن والعقل واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها حرج وإن كان كذلك المعنى يسمى في بعض الاصطلاحات تركيباً وتأليفاً فإن القول إما أن يذم للفظه لكون الشرع ورد بذمه أو لمعناه المذموم في الشرع ولفظ التركيب والتأليف ليس منفيًّا عن الله بهذا اللفظ في شيء من الكلام المقبول ولا هو المعنى الذي يقصدونه هم بهذا اللفظ منفياً في شيء من هذا الكلام المقبول لا في كلام الله ولا في كلام رسوله ولا كلام أحد من سلف الأمة ما ينفيه مما لا يعلمه إلا الله وإذا كان كذلك لم يكن في اعتقاد لم يذمه الشرع عارٌ وإنما العار فيما خالف الشرع وأما العقل فقد تقدم أنهم مخالفون لضرورة العقل ونظره وأن منازعهم لايخالف العقل لاضرورة ولا نظراً وإنما خالف أقيسة فاسدة من جنس مقاييس المشركين الذين هم بربهم يعدلون الذين سوَّوا رب العالمين بما اتخذوه من الأوثان وهذه المقاييس هي بمنزلة الأوثان التي يجب أن

يقال فيها كفرانك لاسبحانك ويقال فيها ما قاله الخليل عليه السلام لقومه إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة 4] وإذا كان القياس الذي يسوَّى فيه بين الحق والباطل كقياس الذين قالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وقياس الذين جعلوا المسيء كالذين آمنوا وعملوا الصالحات فيها من الشرك بقدر ذلك كما قال تعالى وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) [الأنعام 121] فكيف بقياس الذين يعدلون رب العالمين بالمعدومات والموتات ويعدلونه بالموجودات التي ليست مثله في صفات الكمال ليعطلوا عنه صفات الكمال فإنهم يعدلون به ويشركون في قياسهم من هذه الوجوه الثلاثة الوجه التاسع أن لفظ التركيب والتأليف لفظ مجمل فيه ما هو منتفٍ عند المنازع له بلا ريب ومنها ما ليس منتفياً بمقتضى ما ذكره المنازع وإذا كان من الممكن أن الذين نفوه من منازعه إنما نفوه بأحد معنييه دون المعنى الآخر وإذا كان كذلك لم يكونوا بهذا معيبين ولا مستعملين للتقية بل كان هذا خيراً من

أن يجعل ألفاظ القرآن والرسول التي أنزلها الله تعالى المحكمة مجملة مشتبهة ويجعل ألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة هي الحاكم عليها لكن أولئك المتكلمون ينفون تلك الألفاظ المجملة وإذا كانوا عارفين بالمعنيين جميعاً وعالمين بأن المستمع يفهم منها المعنى الذي لم يقصدوه كانوا قد استعملوا معه المعاريض وهذا يجوز مع الظالم دون العادل كما قال الخليل عليه السلام لسارة هذه أختي وكما كان أبو بكر يفعل وهو خلف النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يسمع كلامه إذا سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا رجل يهديني السبيل وكما

قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله من أنت فقال من ماء أراد خلقنا من ماء وفهم المستمع أنه من قبيلة من العرب تسمى ماء وإذا كان كذلك وكان المخاطب له ظالماً يستحلّ منهم ما حرمه الله ورسوله بما ابتدعه من الرأي الفاسد لم يكونوا مذمومين على ما استعملوه من المعاريض كذلك من نفي الجسم من أهل الإثبات وأراد بنفيه ما يتضمنه من الباطل دون الحق كان من هذا الباب ولم يكن هذا مما يُذم في العقل والدين ل هو من جنس كيد الله للمؤمن المحق إذْ جعل الله له توسعة في الكلام بحيث يكذب فيما يعنيه ولايفهم الظالم ما يستعين به على الظلم والعدوان بل يكتمه ذلك وإن كان في هذا تلبيس على الظالم حيث يفهم من كلامه ما لا يعنيه فهذا التلبيس جزاء له على ما لبّسه من الحق بالباطل بما دخل فيه من الكذب والظلم كما كاد الله ليوسف الصديق عليه السلام مثل تأذين المؤذِّن أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) [يوسف 70] فهم وإن اعتقدوا أنه أُرِيدَ سرقة

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل