بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 403-426
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء السابع

صفحات 403-426
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

إن الجسم الذي له شخص يلزم أن يكون واحدًا كلام باطل الوجه الرابع أن يقال كونه واحدًا بالعين ليس داخلاً في مسماه في أصل اللغة فاللفظ لا يوجب العدد ولا ينفيه لكن ما زاد على الواحد منفي بالأصل وقد ينفي بالقرينة اللفظية والحالية كقولهم شخص واحد وقولهم جاءني شخص فقال لي كذا وكذا كما تقول ركبت فرسًا والفرس يتناول عنانه فيكون التركيب دليلاً على الوحدة العينية لا مسمى اللفظ وعلى هذا قولهم ما جاءني رجل بل رجلان فإن قوله بل رجلان قرينة لفظية دليل على دخول الوحدة العينية في مسمى رجل الوجه الخامس أن دلالة هذا اللفظ على الوحدة سواء دل بالوضع أو بالقرينة كدلالة سائر الألفاظ التي تشبهه مثل لفظ إنسان وحيوان وفرس وثور وحمار وقائم وقاعد ونحو ذلك فإن كان دلالة هذه الألفاظ على الوحدة تسوغ إطلاق الاسم على الوحدة لزم جواز إطلاق جميع هذه الأسماء

وما أشبهها على كل حقيقة وذات معيَّنة فيسمى كل شيء وكل جوهر أو عرض بكل واحد من هذه الأسماء كما يسميه المنطقيون شخصًا وعلى هذا فيجوز تسمية الله بكل واحد من هذه الأسماء ولا يكون المراد إلا الذات المعينة والحقيقة المخصوصة حتى يقال لا إنسان أو لا فرس أو لا ثور أو لا كذا أغير من كذا يعني الله هذا لازم قولهم وفساد هذا يُغني عن الإطناب وأيضًا فكان هذا التأويل لو كان صحيحًا كان استعماله في لفظ الصورة حتى يقال كل حقيقة عينة تسمى صورة من هذا الجنس وحينئذ فيلزمهم تسمية كل شيء باسم كل شيء إذ كل شيء له وحدة ويلزم ذاته فإذا جاز لجل ذلك أن يجعل اسمه اسمًا لمطلق الواحد حتى يقال لكل ذات معينة وحقيقة مخصوصة ولا يكفي في اللزوم أنهم هم يستعملون ذلك بل يلزم أنه يجوز لكل من سمع كلام غيره أن يحمل ما فيه من الأسماء على هذا كل شيء إذا قام عنده دليل على نفي إرادة المسمى وهذا كله أقبح السفسطة والقرمطة وهو يجمع من الإشراك بالله في جواز تسميته بكل اسم للخلق وجعل

كل شيء له شبيهًا ونظيرًا من الإلحاد في أسمائه وآياته ما لا يحصيه إلاَّ الله إذ هذا من أفسد قياس يكون في اللغة فإنهم كما أفسدوا القياس في المعاني المعقولة حتى قاسوا الله بكل موجود وبكل معدوم كما تقدم بيانه كذلك أفسدوا القياس في الألفاظ المسموعة حتى لزمهم أن يجعلوا كل اسم لمسمى يصلح أن يكون لغيره وأن يسمى الله تعالى بكل اسم من أسماء المخلوقات الوجه السادس أن يقال هب أن لفظ الشخص يلزمه أن يكون واحدًا فهل إطلاق الملزوم على لازمه أمر مطرد أم هو سائغ في بعض الأشياء فإن جعل ذلك مطردًا لزمه من المحال ما يضيق عنه هذا المجال حتى يلزمه أن يسمي كل صفة لازمة للإنسان والفرس والشجرة والسماء والأرض باسم الموصوف بل ويلزمه ذلك من صفات الله تعالى وأسمائه الوجه السابع هب أنه يطلق الملزوم على لازمه فاللازم هو الوحدة كما قلت فإطلاق اسم الشخصية على

الوحدة إطلاق أحد المتلازمين على الآخر وأنت تجعل المسمى هنا الذات المخصوصة والحقيقة المعينة وتلك ليست هي الوحدة بل هي شيء قائم بنفسه متميز عن غيره فإن قيل فقد ذكرتم أن من اصطلاح بعض الناس تسمية كل فرد من أفراد النوع شخصًا قيل نحن ذكرنا وجه ذلك بالاستعمال لما كان لفظ الشخص مقولاً على الإنسان وما يشبهه وقالوا الإنسان نوع تحته أشخاص أي أعيان هي أشخاص ولم يكن مقصودهم نفس الشخصية بل مطلق كونه واحدًا نقلوا ذلك إلى أعم منه كما في نظائره لم يجعل وجهه التلازم المذكور الوجه الثامن أنه يقال هب أن لفظ الشخص في لغة العرب يطلق على كل ذات معينة وحقيقة مخصوصة وهو كل ما كان واحدًا لكن لم قلت إن الحديث محمول عليه مع أنه خلاف الظاهر فإن قلت لأن لفظ الحقيقة أن يكون جسمًا وذلك منتف فعنه جوابان أحدهما أن هذا وارد عليك في كل ما يسمى به الله من السماء والصفات فإن مسماه في اللغة لا يكون إلا جسمًا

أو عرضًا فعليك إذًا أن تتأول جميع الأسماء والصفات وأنت لا تقول بذلك ولا يمكن القول به كما تقدم فإن المتأول لابد أن يفر من شيء إلى شيء فإذا كان المحذور في الثاني كالمحذور في الأول امتنع ذلك فتبين أن التأويل باطل قطعًا الثاني أنا قد قدمنا أن جميع ما يذكر من هذه الأدلة التي تنفي الجسم على اصطلاحهم فإنها أدلة باطلة لا تصلح لمعارضة دليل ظني ولا قطعي الوجه التاسع أن إراد ة المعنى المجازي باللفظ لا يسوغ إلاَّ مع القرينة الصارفة عن معنى اللفظ الحقيقي إلى المجازي ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بهذا وخاطب أبو رزين بهذا ولم يُظهر أحدهما قرينة تنفي ذلك بل سياق الأحاديث يؤيد المعنى الحقيقي الوجه العاشر أن في حديث أبي رزين كيف يا رسول الله

وهو شخص واحد ونحن ملء الأرض فوصفه بأنه واحد بعد قوله وهو شخص فلو كان لفظ الشخص لم يرد به إلاَّ مجرد كونه واحدًا كما زعم المتأول لكان هذا تكريرًا فصل وأما تأويله للفظ الغيرة فنقول هذا مما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصف ربه به ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أحد أغير من الله تعالى من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك

مدح نفسه وفي رواية لمسلم وليس أحد أحب إليه المعذرة من الله ولذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك وعدنا بالجنة

وفي الصحيح عن أسماء أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا شيء أغير من الله عز وجل وفي الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته فلم يصفه صلى الله عليه وسلم بمطلق الغيرة بل بين أنه لا أحد أغير منه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغير من المؤمنين وقد قدمنا غير مرة أن الله لا يُساوى في شيء من صفاته وأسمائه بل ما كان من صفات الكمال فهو أكمل فيه وما كان من سلب النقائص فهو أنزه منه إذ لهُ المثل الأعلى سبحانه وتعالى فوصفه بأنه أغير من العباد وأنه لا أغير منه

كوصفه بأنه أرحم الراحمين وأنه أرحم بعبده من الوالدة بولدها وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود والله لله عليك أقدر منك على هذا وكذلك العلم كقوله تعالى هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [النجم 32] وكذلك الكلام كقوله تعالى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ

حَدِيثًا (87) [المساء 87] اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر 23] وقول النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الكلام كلام الله ووصفه في حديث ابن مسعود والمغيرة بأنه لا أحد أحب إليه المدح من الله وكذلك قوله لا أحد أحب إليه العذر من الله فإن الغيرة هي من باب البغض والغضب وبإزاء ذلك المحبة والرضا فأخبر بغاية كماله في الطرفين حيث وصفه بأنه لا يبغض أحدٌ المحارم كبغضه ولا يحب أحدٌ الممادح كحبه والممادح لا تكون إلا على ما هو حسن يستحق صاحبه الحمد وهو ضد القبيح الذي يغار منه

وكذلك جاء حمده والثناء عليه الذي لا يحبه أحد كحبه إياه في الصلوات التي هي أفضل الأعمال وكان ما يغار منه هو ما حرمه كالفواحش فهذا محبته للمأمورات وهذا بغضه للمحذورات وأحدهما ينافي الآخر كما قال تعالى إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت 45] وقال في ذم من بدل هذا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم 59] والعذر أن يُعذر المعذور فلا يذم ولا يلام على ما فعل قال من أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين فأحب أن يكون معذورًا على عقوبة من عصاه لأنه أقام حجته عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل كما أحب أن يكون محمودًا ممدوحًا على ما أحسن به وأولاه من وعدهم إياهم بالجنة وكما حمد نفسه فالأول عدله وهذا فضله فهذان متعلقان بأفعاله كلها ذكرا في مقابلة ما يبغضه ويغار منه فانتظم الحديث في الطرفين كليهما وأما قوله في تأويل الغيرة معناه الزجر لأن الغيرة

حالة نفسانية مقتضية للزجر والمنع فكني بالسبب عن المسبب ههنا فالكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال لا ريب أن الغيرة تستلزم المنع والزجر مما يغار منه وكذلك الغضب والبغض ونحو ذلك من الصفات كما أن الحب والرضا يتضمن اقتضاء المحبوب المرضي وطلبه والأمر به لكن كون الصفة تستلزم فعلاً من الأفعال أو كون اللفظ يتضمن ذلك لا يقتضي أن يكون الثابت مجرد اللازم دون الملزوم الوجه الثاني أن هذه الصفات كلها والأحوال كالغيرة والغضب والبغض والمقت والسخط والحب والرضا والإرادة وغير ذلك هي مستلزمة لأمور أخرى من أقوال وأفعال فهل تحتمل على تلك اللوازم ويبقى الملازم أم يثبتان جميعًا أم يفرق بين البعض والبعض فإن قيل بالأول لزم ثبوت المراد بالإرادة وأن تكون إرادة الله هي المخلوقات ولزم أيضًا

وجود محبوب مرضي بلا محبة ولا رضا بل يلزم وجود مخلوق بلا خلق وهذا كله مما يقوله الجهمية من المعتزلة ونحوهم فإنهم لا يثبتون خلقًا ولا حبًّا ولا رضًا ولا سخطًا ولا غير ذلك سوى المفعولات التي هي من لوازم هذه الأمور في الشاهد ولهم في الإرادة نزاع كله باطل فإن منهم من نفاها كما نفى سائر هذه الأمور ومنهم من جعلها صفة حادثة بلا إرادة قائمة في غير محل وكلا هذين القولين معلوم الفساد بالضرورة ثم الكلابية والأشعرية ونحوهم من الصفاتية قد يوافقون هؤلاء في بعض الأمور كقولهم الخلق هو المخلوقات وكرد من رد منهم هذه الصفات إلى الإرادة فإن هؤلاء يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما لزمهم فيما ردوه وطرد هذه المقالات التي يثبتون فيها الأثر بدون مؤثره هو ثبوت الوجود بدون الخالق له وذلك

تعطيل الصانع وهذا هو في الحقيقة قول جهم وإن كان متناقضًا في ذلك يجمع في مقالاته بين ما يقتضي ثبوته وما يقتضي عدمه فالمقصود هنا مقالته السالبة التي خالف فيها أهل الإسلام فإن مضمونها تعطيل الصانع تعالى ولهذا تجد كل شيء من فروع هذه المقالة متى قسته وطردته استلزم عدم الصانع أو التناقض بالجمع بين الإثبات والنفي في الشيء الواحد أو نفي الإيجاب والامتناع في المتماثلين وإلاَّ فما من شيء يقرون به إلاَّ لزمهم فيه نظير ما أنكروه فيما نفوه الوجه الثالث قوله الغيرة حالة نفسانية قيل له وجميع الصفات هي لنا أحوال نفسانية كالحب والبغض والرضا والغضب وكالإرادة فإنها أيضًا حالة نفسانية وهي مقتضية للزجر تارة وللطلب أخرى لا فرق أصلاً بين بينهما في الشاهد الوجه الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتعجبون من غيرة سعد

والله لأنا أغير منه والله أغير مني وهذا ترتيب للغيرة ثلاث مراتب وجعل كل غيرة أقوى من الأخرى فلو كان قوله والله أغير منى ليس المراد منه الغيرة بل مجرد المنع وقوله أنا أغير منه يراد به العزة لكان هذا شاذًّا في الكلام وهو أيضًا تلبيس على المخاطب بلا قرينة تبين المراد الوجه الخامس أن تأويله ذلك بالزجر والمنع يقال له الزجر والمنع إما أن تفسره بالكلام أو بغير ذلك من نحوه وعلى كل حال فيقال لك زجر الله ومنعه الذي هو كلامه مثلاً هو من جنس زجرنا ومنعنا وكلامنا أم ليس كذلك فبأي شيء قال في ذلك لزمه مثله في الغيرة فإنه إذا ثبت له زجرًا ومنعًا ولنا زجر ومنع ولم يكن ذلك ممتنعًا فهلا أثبت له غيرة ولنا غيرة ولا يكون ذلك ممتنعًا مع أنه مقتضى النص وكل ما ذكره من ذلك من مشابهة ومخالفة يقال في الآخر مثله لا فرق بينهما أصلاً الوجه السادس أن الزجر والمنع الذي هو الكلام إما أن تفسره بمجرد اللفظ أو بمجرد المعنى أو بمجموعهما

وإذا فسرته بمجرد اللفظ فلابد من إثبات معنى يكون معنى الفظ وإلاَّ فاللفظ بلا معنى هذيان وإن كان هناك معنى هو مدلول لفظ الزجر والمنع فذاك المعنى لابد أن يكون من جنس البغض والكراهة ونحو ذلك فإن لفظ الزجر إن لم يتضمن ذلك لم يعقل منه النهي بحال وإذا كان كذلك فهذا الذي هو مدلول لفظ الزجر مستلزم لمعنى الغيرة الذي هو البغض والمقت والكراهة لما يغار منه فيكون المسبب الذي أوَّل به لفظ الغيرة مستلزمًا للسبب بحيث يمتنع وجوده بدونه وإذا لزم من نفي الغيرة إثباتها علم أن نفيها محال الوجه السابع أنه قال لا أحد أغير من الله وقال الله أغير مني وصيغة أفعل التفضيل توجب الاشتراك في معنى اللفظ مع رجحان المفضل أو اختصاص المفضل بمعنى اللفظ ولا يجوز اختصاص المفضول بمعنى اللفظ وهذا يوجب أن يكون الله موصوفًا بالغيرة على كل تقدير ثم يقال التفضيل بصيغة أفعل ليس في مجرد اللفظ ولا يجوز أن يكون للفظ معنيان واللفظ يقال عليهما بالاشتراك اللفظي

أو بالحقيقة والمجاز بل يجب أن يكون اللفظ دالاًّ عليهما بالتواطؤ أو التشكيك الذي هو نوع من المتواطئ فلا يقال هذا أجسم من هذا ويكون المراد بهما كثافة أحدهما وكبر قدر الآخر بل يكون اللفظ دالاًّ على المعنيين بالتواطؤ الوجه الثامن أنه قال لا أحد أغير من الله كما قال لا أحد أحب إليه المدح من الله ولا أحد أحب إليه العذر من

الله فلفظ أغير كلفظ أحب كلاهما في هذه الأحاديث وما يقال في الغيرة يقال في المحبة ما هو مثله أو أعظم منه فإن المحبة المشهودة في الآدميين كالعشق ونحوه أعظم من كثير من الغيرة فلا يجوز والحال هذه تأويل الغيرة دون المحبة والمحبة ثابتة بالقرآن في غير موضع وبالأحاديث المتواترة وسنتكلم إن شاء الله على تأويلها الوجه التاسع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة الصحيح إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه فأخبر بذلك خبرًا مبتدأ مجردًا ولم يقيد ذلك بما يخالف إطلاقه فلو كان المراد بذلك خلاف مدلوله لم يجز وكذلك قوله لا أحد أغير من الله الوجه العاشر أنه لو كان المراد بقوله إن الله يغار أن الله يزجر ويمنع لم يكن في التعبير عن هذا المعنى بهذا اللفظ والإخبار به فائدة ل كان إلى التلبيس أقرب منه إلى البيان لأن كل مسلم يعلم أن الله ينهى ويزجر ويحرم فلو لم يكن لقوله إن الله يغار معنى إلا أنه ينهى ويزجر كان قد عرفهم

بالأمر الواضح الجلي الذي يعلمونه بلفظ مشكل فيه تلبيس عليهم وهذا لا يفعله إلاَّ من يكون من اجهل الناس وأظلمهم ولا ينسب هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ منافق زنديق أو من يكون عظيم الجهل لا يدري لوازم قوله الوجه الحادي عشر أنه قال ما أحد أغير من الله من أجل ذلك حرن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وفي اللفظ الآخر من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وهذا نص صريح في إثبات السبب الذي هو الغيرة والمسبب الذي هو المنع والزجر وأنه من أجل غيرته التي هي السبب كان هذا المسبب الذي هو التحريم فجعل معنى الغيرة هو معنى التحريم الذي هو المنع والزجر تكذيب صريح للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الحقيقة قول الجهمية لكن منهم من يعلم بذلك فيكون منافقًا ومنهم جُهال لا يعلمون أنهم مكذبون له الوجه الثاني عشر أنه قال لا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ومن اجل ذلك وعد الله بالجنة ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث المنذرين

والمبشرين كما قال ولا أحد أغير من الله ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فجعل محبته للعذر سببًا لإرسال النذر ومحبته للمدح سببًا لمدح نفسه ولوعده عباده بالجنة وهذا يقرر أن المحبة والغيرة هي السبب في الأقوال المذكورة ليست هي نفس الأقوال التي هي الوعد والإرسال والمدح والنهي

فصل قال الرازي الفصل الثالث في لفظة النفس احتجوا على إطلاق هذا اللفظ بالقرآن والأخبار أما القرآن فقوله تعالى في حق موسى عليه السلام وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] وقال حاكيًا عن عيسى عليه السلام تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] وقال تعالى في صفة أهل الثواب كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقال تعالى في تخويف العصاة وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28-30] وأما الأخبار فكثيرة الخبر الأول ما روى أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى أنا مع عبدي حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه

والخبر الثاني قوله صلى الله عليه وسلم سبحان الله بحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه الخبر الثالث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو عنده إن رحمتي سبقت غضبي قال واعلم أن النفس جاء في اللغة على وجوه أحدها البدن قال الله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] ويقول القائل كيف أنت في نفسك أي كيف أنت في بدنك وثانيها الدم يقال هذا حيوان له نفس سائلة أي دم سائل ويقال للمرأة عند الولادة إنها نفست بخروج الدم منها عقيب الولادة وثالثها الروح قال الله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ

مَوْتِهَا [الزمر 42] ورابعها العقل قال الله تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام 60] وذلك لأن الأحوال بأسرها باقية حالة النوم إلا العقل فإنه هو الذي يختلف الحال فيه عند النوم واليقظة وخامسها ذات الشيء وعينه وقد قال تعالى يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) [البقرة 9] فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة 54] وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود 101] إذا عرفت هذا فنقول لفظ النفس في حق الله تعالى ليس إلاَّ الذات والحقيقة فقوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي كالتأكيد الدال على مزيد المبالغة فإن الإنسان إذا قال جعلت هذه الدار لنفسي وعمرتها لنفسي فهم منه المبالغة وقوله تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة 116]

المراد تعلم معلومي ولا أعلم معلومك وكذلك القول في بقية الآيات وأما قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن رب العزة فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي فالمراد أنه إن ذكرني بحيث لا يطلع عليه أحد غيره ذكرته بإنعامي وإحساني من غير أن يطلع عليه أحد من عبيدي لأن الذكر في النفس عبارة عن الكلام الخفي والذكر الكامن في النفس وذلك على الله تعالى محال وأما قوله سبحان الله زنة عرشه ورضاء نفسه فالمراد ما يرتضيه الله لنفسه ولذاته أي تسبيحًا يليق به وأما قوله صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا على نفسه فالمراد به كتب كتابًا وأوجب العمل به والمراد من قوله على نفسه التأكيد والمبالغة في الوجوب واللزوم فثبت أن المراد بالنفس في هذه المواضع هو الذات وأن الغرض من ذكر هذا اللفظ المبالغة والتأكيد

فيقال اعلم أن كلامه في هذا الفصل وإن كان فيه من لبس الحق بالباطل ما فيه فهو أقرب ما ذكره وذلك أنه جعل

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل